مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: الرقائق والآداب والأذكار الكتاب: مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٤)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)المحقق: عبد الرحمن بن حسن بن قائدراجعه: محمد أجمل الإصلاحي- سليمان بن عبد الله العمير الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الثالثة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الأجزاء: ٣ (متسلسلة الترقيم)قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
مفتاح دار السعادة ومنشور ولايةالعلم والإرادة تأليفالإمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية(٦٩١ - ٧٥١) تحقيقعبد الرحمن بن حسن بن قائد
- أ - مقدمة الطبعة الثانيةأما بعد حمد الله أهل الثناء والمجد على سابغ فضله، فهذه أيدك الله بتوفيقه تقدمةٌ للطبعة الثانية من مفتاح دار السعادة، ذكرتُ فيها ما تيسَّر من الاستدراكات على عملي في الكتاب؛ ليضيفها من شاء إلى نسخته من الطبعة الأولى [*]، قيدتها مما مرَّ بي في مطالعاتي عفوًا دون تتبع، وأنت عليمٌ بأن سبيل الزيادة في التعليق على النصوص لو قصد إليه المرء لم ينته إلى غاية، ونسأل الله سداد الرأي وخير المنقلب. • (ص: ٤٦ من مقدمة التحقيق) يضاف للسطر الأول: ومن كتابه في أقسام اللذات في مواضع كثيرة (ص: ٣٦٩ - ٣٨٣)، بتصرفٍ واختصارٍ حينًا، وبألفاظه وسياقه حينًا، وصرَّح باسمه في موضع واحد (ص: ٤١٠)، ويقابلها في كتاب الرازي (ص: ٢١٤ - ٢٥١ نشرة ليدن). • (ص: ٤٧ من مقدمة التحقيق) يضاف للحاشية (١): وقد وصل إليه عن طريق الشيخ أحمد بن عيسى رحمهما الله، وهو أول كتاب يصله منه، فتفاءل باسمه. انظر: الرسائل المتبادلة بينهما (٧٨، ٨٠، ٨٦، ٨٩، ٩٢). • (ص: ٥٣ من مقدمة التحقيق) السطر الأخير: ثلاث. تصحَّح إلى: ثلاثًا. • (ص: ٧٥ من مقدمة التحقيق) يضاف: ومن نسخ المفتاح التي لم تصلنا: نسخة أوقفها يوسف بن عبد الهادي فيما أوقف من كتبه. انظر: فهرست كتبه الموقوفة (ق ٨/و). • (ص: ٧٨ من مقدمة التحقيق) يضاف: استخرج نصَّ رسالة أبي القاسم عيسى بن علي في الرد على المنجمين التي أوردها ابن القيم د. سحبان[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وقد استدركناها جميعا (في هذه النسخة الإلكترونية) في مواضعها [بين معكوفين]، إذ لم ترد في النسخة الورقية لهذه الطبعة: الثالثة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي سَهَّل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلا، وأوضحَ لهم طريقَ الهداية وجعل اتباعَ الرسول عليها دليلا، واتَّخذهم عبيدًا(١) له فأقرُّوا له بالعبودية ولم يتَّخذوا من دونه وكيلا، وكتَب في قلوبهم الإيمانَ وأيَّدهم برُوحٍ منه، لمَّا رضوا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ رسولا.والحمدُ لله الذي أقام في أزمنة الفَتَرات من يكونُ ببيان سُنن المرسلين كفيلا، واختصَّ هذه الأمةَ بأنه لا تزالُ فيها طائفةٌ على الحقِّ لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمرُه ولو اجتَمع الثقلان على حربهم قَبِيلا.يَدْعُون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصِّرون بنور الله أهلَ العمى، ويُحْيُون بكتابه الموتى؛ فهم أحسنُ الناس هديًا وأقومُهم قِيلا.فكم مِنْ قتيلٍ لإبليس قد أحْيَوْه، ومِنْ ضالٍّ جاهلٍ لا يعلمُ طريقَ رُشْدِه قد هَدَوْه، ومِنْ مبتدعٍ في دين الله بشُهب الحقِّ قد رَمَوْه؛ جهادًا في الله، وابتغاءَ مرضاته، وبيانًا لحُجَجه على العالمين وبيِّناته، وطلبًا للزلفى لديه ونَيل رضوانه وجناته، فحارَبوا(٢) في الله من خرج عن دينه القويم، وصراطه المستقيم، الذين عَقَدوا ألويةَ البدعة، وأطلقوا أعِنَّةَ الفتنة، وخالفوا الكتاب،(١) (ت): "عبادا".(٢) (ت): "يحاربوا". وفي (ح، ن): "وحاربوا".
واختلفوا في الكتاب، واتفقوا على مفارقة الكتاب(١)، ونبذوه وراءَ ظهورهم، وارتضوا غيرَه منه بديلا.أحمدُه وهو المحمودُ على كلِّ ما قدَّره وقضاه، وأستعينُه استعانةَ من يعلمُ أنه لا ربَّ له غيره(٢) ولا إله له سواه، وأستهديه سبيلَ الذين أنعَمَ عليهم ممن اختاره لقبول الحقِّ وارتضاه، وأشكرُه والشُّكرُ كفيلٌ بالمزيد من عطاياه، وأستغفرُه من الذُّنوب التي تَحُولُ بين القلب وهُداه، وأعوذُ به من شرِّ نفسي وسيئات عملي استعاذةَ عبد فارٍّ إلى ربِّه بذنوبه(٣) وخطاياه، وأعتَصِمُ به من الأهواء المُرْدِية والبدع المُضِلَّة، فما خابَ من أصبح به معتصمًا وبحِمَاه نزيلا.وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أشهدُ بها مع الشاهدين، وأتحمَّلها عن الجاحدين، وأدَّخرها عند الله عُدَّةً ليوم الدِّين.وأشهدُ أن الحلال ما حلَّله(٤)، والحرامَ ما حرَّمه، والدينَ ما شَرَعَه، وأن السَّاعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأن اللهَ يبعثُ من في القبور.وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه المصطفى، ونبيُّه المرتضى، ورسولُه الصَّادقُ المصدوق، الذي لا ينطقُ عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى، أرسله رحمةً للعالمين، ومَحَجَّةً للسَّالكين، وحُجَّةً على العباد أجمعين، أرسله على حين فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطُّرق وأوضح السُّبل، وافترض على(١) انظر: "الرد على الزنادقة والجهمية" للإمام أحمد (٦).(٢) (ح، ن): "وأستغيثه استغاثة عبد لا رب له غيره".(٣) (ن): "من ذنوبه".(٤) (ح): "أحله".
العباد طاعتَه وتعظيمَه، وتوقيرَه وتبجيلَه، والقيامَ بحقوقه، وسَدَّ إليه جميع الطُّرق فلم يَفْتَح لأحدٍ إلا من طريقه، فشَرَحَ له صدرَه، ورَفَعَ له ذِكْرَه، ووَضَع عنه وِزْرَه، وجعَل الذِّلَّة والصَّغار على من خالف أمرَه، هدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّر به من العمى، وأرشدَ به من الغَيِّ، وفتحَ به أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا.فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائمًا بأمر الله لا يردُّه عنه رادٌّ، داعيًا إلى الله لا يصدُّه عنه صادٌّ، إلى أن أشرقت برسالته الأرضُ بعد ظلماتها، وتألَّفت به(١) القلوبُ بعد شَتاتها، وسارت دعوتُه مسيرَ الشمس(٢) في الأقطار، وبلغ دينُه ما بلغ الليلُ والنَّهار.فلمَّا أكمل الله به الدِّين، وأتمَّ به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به، ونَقَلَه إلى الرفيق الأعلى من كرامته، والمحلِّ الأرفع الأسنى من أعلى جنَّاته، ففارَق الأمةَ وقد تركها على المحجَّة البيضاء، التي لا يزيغُ عنها إلا من كان من الهالكين.فصلى الله عليه وعلى آله الطَّيبين الطَّاهرين، صلاةً دائمةً بدوام السَّماوات والأرضين، مقيمةً عليهم أبدًا لا ترومُ انتقالًا عنهم ولا تحويلا.أمَّا بعد؛ فإنَّ الله سبحانه لما أهبطَ آدمَ أبا البشر ــ عليه السلام ــ من الجنة؛ لِمَا له في ذلك من الحِكَم التي تعجزُ العقولُ عن معرفتها، والألسنُ عن صفتها(٣)، فكان إهباطُه منها عَيْنَ كماله، ليعود إليها على أحسن أحواله؛(١) "به" ساقطة من (ت، ق).(٢) (ت، ق): "سير الشمس".(٣) بسط المصنف القول في هذه الحكم في "شفاء العليل" (٦٦١ - ٦٧٧).
فأراد سبحانه أن يُذِيقَه وولدَه من تعب الدُّنيا وغمومها وهمومها وأوصابها ما يَعْظُمُ به عندهم مقدارُ دخولهم إليها في الدار الآخرة؛ فإنَّ الضدَّ يُظْهِرُ حُسْنَه الضدُّ، ولو تربَّوا في دار النعيم لم يعرفوا قَدْرَها.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أمرَهم ونهيَهم، وابتلاءهم واختبارهم، وليست الجنةُ دارَ تكليف؛ فأهبطَهم إلى الأرض، وعَرَّضهم بذلك لأفضل الثواب(١) الذي لم يكن ليُنال بدون الأمر والنَّهي.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أن يتخذ منهم أنبياء ورسلًا، وأولياء وشهداء، يحبُّهم ويحبُّونه، فخلَّى بينهم وبين أعدائه، وامتحنَهم بهم، فلمَّا آثروه وبذلوا نفوسَهم وأموالَهم في مرضاته ومحابِّه نالوا من محبَّته ورضوانه والقُرْب منه ما لم يكن ليُنال بدون ذلك أصلًا؛ فدرجةُ الرسالة والنبوَّة والشَّهادة والحبِّ فيه والبغض فيه وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه عنده من أفضل الدَّرجات، ولم يكن يُنالُ هذا(٢) إلا على الوجه الذي قَدَّرَه وقضاه مِنْ إهباطه إلى الأرض وجَعْلِ معيشة أولاده فيها.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه له الأسماءُ الحسنى؛ فمِن أسمائه: الغفور، الرحيم، العَفُوُّ، الحليم، الخافض، الرافع، المُعِزُّ، المُذِلُّ، المُحْيِي، المميت، الوارث، الصَّبور(٣)؛ ولا بدَّ من ظهور أثر هذه الأسماء؛ فاقتضت(١) (ح): "وعوضهم بذلك أفضل الثواب".(٢) (ت): "ولم تكن تنال هذه".(٣) ورد هذا الاسم في حديث أبي هريرة الطويل في أسماء الله، الذي أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) وغيره.والصواب الذي عليه جماعةٌ من الحفاظ: أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرجٌ من كلام بعض السلف. وذهب بعضهم إلى صحة رفعه.انظر: "صحيح ابن حبان" (٨٠٨)، و"مستدرك الحاكم" (١/ ١٦)، و"الأسماء والصفات" للبيهقي (١/ ٣٣)، وجزء أبي نعيم الأصبهاني في طرق هذا الحديث، و"مجموع الفتاوى" (٦/ ٣٧٩، ٨/ ٩٦، ٢٢/ ٤٨٢)، و"تفسير ابن كثير" (٤/ ١٥١٧)، و"فتح الباري" (١١/ ٢١٥)، و"الأمالي المطلقة" (٢٢٧ - ٢٤٥).كما ورد الاسم في حديثٍ آخر أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٤٧٥)، ولا يصحُّ.
حكمتُه سبحانه أن يُنْزِل آدمَ وذريَّته دارًا يظهَرُ عليهم فيها أثرُ أسمائه الحسنى، يَغْفِرُ فيها لمن يشاء، ويرحمُ من يشاء، ويخفض من يشاء، ويرفعُ من يشاء، ويُعِزُّ من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، وينتقمُ ممن يشاء، ويعطي ويمنع، ويقبض ويبسط، إلى غير ذلك من ظهور أثر أسمائه وصفاته.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه الملكُ الحقُّ المبين، والملكُ هو الذي يأمرُ وينهى، ويثيبُ ويعاقب، ويُهِينُ ويُكْرِم، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، فاقتضى ملكُه سبحانه أن أنزل آدمَ وذريَّته دارًا تجري عليهم فيها أحكامُ الملك، ثمَّ ينقلُهم إلى دارٍ يُتِمُّ عليهم فيها ذلك.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أنزلهم إلى دارٍ يكونُ إيمانُهم فيها بالغيب، والإيمانُ بالغيب هو الإيمانُ النَّافع(١)، وأمَّا الإيمانُ بالشَّهادة فكلُّ أحدٍ يؤمنُ يوم القيامة، يوم لا ينفعُ نفسًا إلا إيمانُها في الدنيا؛ فلو خُلِقوا في دار النعيم لم ينالوا درجةَ الإيمان بالغيب، واللَّذةُ والكرامةُ الحاصلة بذلك لا تحصُل بدونه، بل كان الحاصلُ لهم في دار النعيم لذَّةً وكرامةً غير هذه.* وأيضًا؛ فإنَّ الله سبحانه خلق آدمَ من قبضةٍ قَبَضها من جميع الأرض، والأرضُ فيها الطيبُ والخبيث، والسَّهْل والحَزْن، والكريمُ واللئيم؛ فعَلِم(١) "والإيمان بالغيب" ساقط من (ح، ن).
سبحانه أنَّ في ظهره من لا يصلحُ لمساكنته في داره، فأنزلَه إلى دارٍ استخرَجَ فيها الطيبَ والخبيثَ من صُلْبه، ثم ميَّزهم سبحانه بدارَين؛ فجعَل الطيِّبين أهلَ جِواره ومساكنته في داره، وجعَل الخبيثين أهلَ دارِ الشَّقاء دارِ الخبثاء.قال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأنفال: ٣٧].فلمَّا عَلِمَ سبحانه أنَّ في ذريَّته من ليس بأهلٍ(١) لمجاورته، أنزلَهم دارًا استخرَجَ منها أولئك وألحقَهم بالدار التي هم لها أهل؛ حكمةً بالغة، ومشيئةً نافذة، ذلك تقديرُ العزيز العليم.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه لما قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، أجابهم بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٣٠].ثم أظهَر سبحانه علمَه لعباده ولملائكته، بما جعَله في الأرض من خواصِّ خلقه ورسله وأنبيائه وأوليائه، ومن يتقرَّبُ إليه ويَبْذُل نفسَه في محبته ومرضاته مع مجاهدة شهوته وهواه، فيتركُ محبوباته تقربًا إليَّ(٢)، ويتركُ شهواته ابتغاءَ مرضاتي، ويَبْذُل دمَه ونفسه في محبتي، وأخُصُّه بعلمٍ لا تَعْلَمونه، يُسَبِّحُ بحمدي آناءَ الليل وأطرافَ النَّهار، ويعبدُني مع مُعارَضات(٣) الهوى والشَّهوة(١) (ح): "أهلا".(٢) كذا في الأصول. وهو التفات.(٣) (ت): "معارضة".
والنفس والعدوِّ، إذ تعبدونني أنتم من غير مُعارِضٍ يعارضُكم، ولا شهوةٍ تعتريكم، ولا عدوٍّ أسلِّطه(١) عليكم، بل عبادتكم لي بمنزلة النَّفَس لأحدهم.* وأيضًا؛ فإني أريدُ أن أُظْهِرَ ما خفي عليكم من شأن عدوِّي ومحاربته لي، وتكبُّره عن أمري، وسعيه في خلاف مرضاتي.وهذا وهذا كانا كامنَين مستترَين في أبي البشر وأبي الجنِّ، فأنزَلهم إلى دارٍ ظَهَر فيها(٢) ما كان الله سبحانه منفردًا بعلمه لا يعلمُه سواه، وظهرت حكمتُه وتمَّ أمرُه، وبدا للملائكة مِنْ علمه ما لم يكونوا يعلمون.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه لما كان يحبُّ الصَّابرين، ويحبُّ المحسنين، ويحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيانٌ مرصوص، ويحبُّ التوابين، ويحبُّ المتطهِّرين، ويحبُّ الشاكرين، وكانت محبته أعلى أنواع الكرامات= اقتضت حكمتُه أن أسكَنَ آدمَ وبنيه دارًا يأتون فيها بهذه الصِّفات التي ينالون بها أعلى الكرامات من محبَّته؛ فكان إنزالُهم إلى الأرض من أعظم النعم عليهم، والله يختصُّ برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أن يتَّخذ من آدمَ ذريةً يواليهم ويودُّهم، ويحبُّهم ويحبُّونه؛ فمحبتُهم له هي غايةُ كمالهم ونهايةُ شرفهم، ولم تكن لتتحقَّق(٣) هذه المرتبةُ السَّنيةُ إلا بموافقة رضاه واتباع أمره، وتركِ إرادات النفس وشهواتها التي يكرهها محبوبُهم؛ فأنزلهم دارًا أمَرهم فيها ونهاهم؛ فقاموا بأمره ونهيه؛ فنالوا درجة محبَّتهم له؛ فأنالَهم درجةَ حبِّه إياهم، وهذا(١) (ن): "سلطته".(٢) (ق): "فأنزلهم دارا أظهر فيها".(٣) (ق): "ولم يمكن تحقيق".
من تمام حكمته وكمال رحمته، وهو البَرُّ الرحيم.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه لما خلَق خلقَه أطوارًا وأصنافًا، وسبَق في حكمه(١) تفضيلُه آدمَ وبنيه على كثيرٍ من مخلوقاته= جعَل عبوديَّته أفضلَ درجاتهم، أعني العبوديةَ الاختيارية التي يأتونَ بها طوعًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارًا.وقد ثبت أنَّ الله سبحانه أرسل جبريلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخيِّره بين أن يكون مَلِكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأشار إليه أنْ تواضعْ، فقال: "بل أكونُ عبدًا نبيًّا"(٢)؛فذَكَره سبحانه باسم عبوديَّته في أشرف مقاماته: في مقام الإسراء، ومقام الدَّعوة، ومقام التحدِّي.فقال في مقام الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: ١]، ولم يقل: "برسوله"، ولا: "نبيه"؛ إشارةً إلى أنه نال هذا المقامَ الأعظم بكمال عبوديَّته لربه.وقال في مقام الدعوة: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن: ١٩].(١) (ت): "حكمته".(٢) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٦٧١٠) - ومن طريقه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٥/ ٣٣٨)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" (٦١١) من حديث ابن عباس بإسنادٍ منقطع.وانظر: "النكت الظراف" (٥/ ٢٣٢).وروي نحوه من حديث أبي هريرة. أخرجه أحمد (٢/ ٢٣١)، وأبو يعلى (٦١٠٥)، والبزار (٣/ ١٥٥ ــ كشف الأستار). وصححه ابن حبان (٦٣٦٥).
وقال في مقام التحدِّي: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: ٢٣].وفي "الصحيحين" في حديث الشَّفاعة، وتراجُع الأنبياء فيها، وقول المسيح صلى الله عليه وسلم: "اذهبوا إلى محمد؛ عبد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر"(١)، فدلَّ ذلك على أنه نال ذلك المقام الأعظم(٢) بكمال عبوديته لله، وكمال مغفرة الله له.وإذا كانت العبوديةُ عند الله بهذه المنزلة، اقتضت حكمتُه أن أسكَنَ آدمَ وذريَّته دارًا ينالون فيها هذه الدرجةَ بكمال طاعتهم لله، وتقرُّبهم إليه بمحابِّه، وتَرْك مألوفاتهم من أجله؛ فكان ذلك من تمام نعمته عليهم وإحسانه إليهم.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أن يعرِّف عبادَه الذين أنعم عليهم تمامَ نعمته عليهم، ويعرِّفهم قَدْرَها؛ ليكونوا أعظم محبةً له، وأكثر شكرًا، وأعظمَ التذاذًا بما أعطاهم من النعيم؛ فأراهم سبحانه فِعْلَه بأعدائه، وما أعدَّ لهم من العذاب وأنواع الآلام، وأشهَدَهم تخليصَهم من ذلك، وتخصيصَهم بأعلى أنواع النعيم؛ ليزداد سرورُهم، وتكمُل غبطتُهم، ويعظُم فرحُهم، وتتمَّ لذتُهم، وكان ذلك من إتمام الإنعام عليهم ومحبَّتهم.ولم يكن بدٌّ في ذلك من إنزالهم إلى الأرض وامتحانهم واختبارهم، وتوفيق من شاء منهم رحمةً منه وفضلًا، وخذلان من شاء حكمةً منه وعدلًا، وهو العليم الحكيم.(١) "صحيح البخاري" (٤٤٧٦)، و"صحيح مسلم" (١٩٣) من حديث أنس.(٢) (ت، ن): "العظيم".
ولا ريب أن المؤمنَ إذا رأى عدوَّه وعدوَّ محبوبه ــ الذي هو أحبُّ الأشياء إليه ــ في أنواع العذاب والآلام، وهو يتقلَّبُ في أنواع النعيم واللذة= ازدادَ بذلك سرورُه، وعَظُمَت لذتُه وكَمُلت نعمتُه.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته، وهي الغايةُ المطلوبة منهم، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦].ومعلومٌ أن كمال العبودية المطلوبَ من الخلق لا يحصُل في دار النعيم والبقاء، إنما يحصُل في دار المحنة والابتلاء، وأما دار البقاء فدار لذَّةٍ ونعيم، لا دار ابتلاءٍ وامتحانٍ وتكليف.* وأيضًا؛ فإنه سبحانه اقتضت حكمتُه خلقَ آدم وذريَّته في تركيبٍ(١) مستلزمٍ لداعي الشَّهوة والغضب، وداعي العقل والعلم؛ فإنه سبحانه خلق فيه العقل(٢) والشَّهوة ونَصَبَهما داعيَين لمقتضياتهما(٣)؛ ليتمَّ مراده، ويظهر لعباده عزَّته في حكمته(٤) وجبروته، ورحمته وبرِّه، ولطفه في سلطانه وملكه.فاقتضت حكمتُه ورحمتُه أنْ أذاقَ أباهم وَبِيلَ مخالفته، وعرَّفه ما تجني عواقبُ إجابة الشَّهوة والهوى؛ ليكون أعظم حذرًا فيها(٥) وأشدَّهروبًا.(١) (ق): "من تركيب".(٢) من قوله: "وأيضا فإنه سبحانه" إلى هنا بياض في (د).(٣) (ق): "بمقتضياتهما".(٤) (ت): "عزته وحكمته".(٥) أي: الإجابة. (ت): "فيهما" أي: الهوى والشهوة.
وهذا كحال رجلٍ سائرٍ على طريقٍ قد كَمَنت الأعداءُ في جَنَباته، وخلفه وأمامه، وهو لا يشعرُ بها(١)، فإذا أصيب منها مرةً بمصيبةٍ استعدَّ في سيره، وأخذ أُهْبَةَ عدوِّه، وأعدَّ له ما يدفعُه به. ولولا أنه ذاق ألم إغارة عدوِّه عليه وتبييته له لما سمحت نفسُه بالاستعداد والحذر وأخذ العُدَّة.فمِن تمام نعمة الله على آدم وذريَّته أنْ أراهم ما فعَل العدوُّ بهم وبأبيهم فاستعدُّوا له وأخذوا أُهْبتَه.فإن قيل: كان من الممكن أن لا يسلِّط عليهم العدوَّ.قيل: قد تقدَّم أنه سبحانه خلق آدمَ وذريَّته على بِنْيةٍ وتركيبٍ مستلزمٍ لمخالطتهم لعدوِّهم وابتلائهم به، ولو شاء لخلقَهم كالملائكة الذين هم عقولٌ بلا شهوات(٢)، فلم يكن لعدوِّهم طريقٌ إليهم، ولكن لو خُلِقوا هكذا لكانوا خلقًا آخرَ غيرَ بني آدم؛ فإنَّ بني آدم قد رُكِّبوا على العقل والشَّهوة.* وأيضًا؛ فإنه لما كانت محبةُ الله وحده هي غاية كمال العبد وسعادته التي لا كمال له ولا سعادة بدونها أصلًا، وكانت المحبةُ الصَّادقةُ إنما تتحقَّقُ(٣) بإيثار المحبوب على غيره من محبوبات النفوس، واحتمال أعظم المشاقِّ في طاعته ومرضاته، فبهذا تتحقَّق المحبةُ ويُعْلَمُ ثبوتُها في القلب= اقتضت حكمتُه سبحانه إخراجَهم إلى هذه الدَّار المحفوفة بالشهوات ومحابِّ النفوس، التي بإيثار المحبوب(٤) الحقِّ عليها والإعراض عنها(١) "بها" ليست في (ق).(٢) (ح): "شهوة".(٣) التاء الأولى مضبوطةٌ بالضم في (ق) في الموضعين.(٤) (ت): "النفوس". وساقطة من (د، ق).
يتحقَّقُ حبُّهم له وإيثارهم إيَّاه على غيره.وكذلك بتحمُّل(١) المشاقِّ الشديدة، وركوب الأخطار، واحتمال المَلامة، والصبر على دواعي الغيِّ والضلال، ومجاهدتها(٢) = يقوى سلطانُ المحبة، وتثبُت(٣) شجرتُها في القلب، وتَعْظُم(٤) ثمرتُها على الجوارح؛ فإنَّ المحبة الثابتة اللازمة على كثرة الموانع والعوارض والصَّوارف هي المحبةُ الحقيقيةُ النافعة، وأمَّا المحبةُ المشروطة بالعافية والنعيم واللذَّة وحصول مراد المحبِّ من محبوبه فليست محبةً صادقة، ولا ثباتَ لها عند المعارضات والموانع؛ فإنَّ المعلَّق على الشرط عدمٌ عند عدمه، ومَنْ وَدَّك لأمرٍ ولَّى عند انقضائه.وفرقٌ بين من يعبدُ الله على السرَّاء والرخاء والعافية فقط، وبين من يعبده على السرَّاء والضرَّاء، والشدَّة والرخاء، والعافية والبلاء.* وأيضًا؛ فإنَّ الله سبحانه له الحمدُ المطلقُ الكاملُ الذي لا نهاية بعده، فكان ظهورُ الأسباب التي يُحْمَدُ عليها مِنْ مقتضى كونه محمودًا، وهي من لوازم حمده تعالى، وهي نوعان: فضلٌ، وعدل؛ إذ هو سبحانه المحمودُ على هذا وعلى هذا، فلا بدَّ من ظهور أسباب العدل واقتضائها لمسمَّياتها، ليترتَّب عليها(٥) كمالُ الحمد الذي هو أهلُه.(١) (د): "تتحمل". (ت): "ولذلك تتحمل". (ح، ن): "ولذلك يتحمل".(٢) (ح، ن): "وبمجاهدتها".(٣) (ن): "وتنبت".(٤) (د، ق، ن، ح): "وتطعم".(٥) (ح): "المرتب عليها".