السعادة بثلاث: شكر النعمة، والصبر على البلاء، والتوبة من الذنب بسم الله الرحمن الرحيمولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.الله سبحانه وتعالى المسؤول المرجو الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يجعلكم ممن إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر.فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه، ولا ينفك عبد عنها أبداً.فإن العبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاث.الأول: نعم من الله تعالى تترادف عليه، فقيدها (الشكر) .وهو مبني على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطناً، والتحدث بها ظاهراً، وتصريفها في مرضاة وليها ومسديها ومعطيها.فإذا فعل ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها.الثاني: محن من الله تعالى يبتليه بها، ففرضه فيها (الصبر) والتسلي.والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه.فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوباً.فإن الله سبحانه وتعالى لم يبتله ليهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته، فإن لله تعالى على العبد عبودية الضراء، وله عبودية عليه فيما يكره، كما له عبودية فيما يحب، وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون.والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى، فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية.هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكن فرق عظيم بين العبودتين.فمن كان عبداً لله في الحالتين قائماً بحقه في المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} وفي القراءة الأخرى {عبادة} وهما سواء لأن المفر مضاف فينعم عموم الجمع، فالكفاية التامة مع العبودية التامة والناقصة، فمن وجد
خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان، قال تعالى {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} .ولما علم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يسلم عباده إليه ولا يسلطه عليهم قال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} .وقال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} .فلم يجعل لعدوه سلطاناً على عباده المؤمنين، فإنهم في حرزه وكلاءته وحفظه وتحت كنفه، وإن اغتال عدوه أحدهم كما يغتال اللص الرجل الغافل فهذا لا بد منه، لأن العبد قد بلي بالغفلة والشهوة والغضب، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احتزر العبد ما احتزر، فلا بد له من غفلة ولا بد له من شهوة ولا بد له من غضب.وقد كان آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم من أحلم الخلق وأرجحهم عقلاً وأثبتهم، ومع هذا فلم يزل به عدو الله حتى أوقعه فيه، فما الظن بفراشة الحلم ومن عقله في جنب عقل أبيه كتفلة في بحر؟ ولكن عدو الله لا يخلص إلى المؤمن إلا غيلة على غرة وغفلة، فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله.فإذا أراد الله بعبده خيراً فتح له من أبواب (التوبة) والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات ما تكون تلك السيئة به رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أوقعه.وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار.قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه منه مشفقاً وجلاً باكياً نادماً مستحياً من ربه تعالى ناكس الرأس بين يديه منكسر القلب له، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد
وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.ويفعل الحسنة فلا يزال يمن بها على ربه ويتكبر بها ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول فعلت وفعلت، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيراً ابتلاه بأمر يكسره به ويذل به عنقه ويصغر به نفسه عنده، وإن أراد به غير ذلك خلاه وعجبه وكبره، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه.فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك، والخذلان أن يكلك الله تعالى إلى نفسك.فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللجأ إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبره وغناه وحمده.فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.قال شيخ الإسلام: العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» فجمع في قوله صلي الله عليه وسلم أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلساً، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلق به ولا وسيلة منه يمن بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف، والافلاس المحض، دخول من كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد
ضرورته إلى ربه عز وجل، وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تجبر، إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته.ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى.والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام.ومنشأ هذين الأصلين عن ذينك الأصلي المتقدمين وهما مشاهدة المنة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام، وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غره وغيلة، وما أسرع ما ينعشه الله عز وجل ويجبره ويتداركه برحمته. استقامة القلب(فصل) وإنما يستقيم له هذا باستقامة قلبه وجواره.فاستقامة القلب بشيئين:(أحدهما) أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب، فإذا تعارض حب تعالى الله وحب غيره سبق حب الله تعالى حب ما سواه، فرتب على ذلك مقتضاه.ما أسهل هذا بالدعوى وما أصعبه بالفعل، فعند الامتحان، يكرم المرء أو يهان.وما أكثر ما يقدم العبد ما يحبه هو ويهواه أو يحبه كبيره وأميره وشيخه وأهله على ما يحبه الله تعالى.فهذا لم تتقدم محبة الله تعالى في قلبه جميع المحاب، ولا كانت هي الملكة المؤمرة عليها، وسنة الله تعالى فيمن هذا شأنه أن ينكد عليه محابه وينغصها عليه ولا ينال شيئاً منها إلا بنكد وتنغيص، جزاء له على إيثار هواه وهوى من يعظمه من الخلق أو يحبه على محبة الله تعالى.وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد ولا يدفع أن من أحب شيئاً سواه عذب به ولا بد، وأن من خاف غيره سلط عليه، وأن من اشتغل بشيء غيره كان شؤماً عليه، ومن آثر غيره عليه لم يبارك فيه، ومن أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولا بد.(الأمر الثاني) الذي يستقيم به القلب تعظيم الأمر والنهى، وهو ناشيء عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله تعالى ذم من لا يعظم أمره ونهيه، قال سبحانه وتعالى: {ما لكم لا ترجون لله وقاراً} قالوا في تفسيرها: ما لكم لا تخافون لله تعالى عظمة.
ما أحسن ما قال شيخ الاسلام في تعظيم الامر والنهي: هو أن لا يعارضا بترخص جاف، ولا يعرضا لتشديد غال، ولا يحملا على علة توهن الانقياد.ومعنى كلامه أن أول مراتب تعظيم الحق عز وجل تعظيم أمره ونهيه، وذلك المؤمن يعرف ربه عز وجل برسالته التي أرسل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس ومقتضاها الانقياد لامره ونهيه، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله عز وجل واتباعه، وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالاً على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالايمان والتصدق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الاكبر.فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق، وطلب المنزلة والجاه عندهم، ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم، وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع صلى الله عليه وسلم على المناهي.فهذا ليس فعله وتركه صادراً عن تعظيم الأمر والنهي ولا تعظيم الآمر والناهي، فعلامة التعظيم لللأوامر رعاية أوقاتها وحدودها والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحينها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها، كمن يحزن على فوت الجماعة ويعلم أنه تقبلت منه صلاته منفرداً فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضعفاً.ولو أن رجلاً يعاني البيع والشراء تفوته صفقة واحدة في بلده من غير سفر ولا مشقة قيمتها سبعة وعشرون ديناراً لأكل يديه ندماً وأسفاً، فكيف وكل ضعف مما تضاعف به صلاة الجماعة خير من ألف وألف ألف وما شاء الله تعالى.فإذا فوت العبد عليه هذا الربح قطعاً ـ وكثير من العلماء لا صلاة له ـ وهو بارد القلب فارغ من هذه المصيبة غير مرتاع لها، فهذا عدم تعظيم أمر الله تعالى في قلبه، وكذلك إذا فاته أول وقت الذي هو رضوان الله تعالى، أو فاته الصف الأول الذي يصلي الله وملائكته على ميامنه، ولو يعلم العبد فضيلته لجالد عليه ولكانت قرعة.وكذلك فوت الجمع الكثير الذي تضاعف الصلاة بكثرته وقلته.كلما كثر الجمع كان أحب إلى الله عز وجل، وكلما بعدت الخطا كانت خطوة تحط خطيئة، وأخرى ترفع درجة.وكذلك فوت الخشوع في الصلاة وحضور القلب فيها بين يدي الرب تبارك وتعالى الذي هو روحها ولبها، فصلاة بلا خشوع ولا حضور كبدن ميت لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يهدي إلى مخلوق مثله عبداً ميتاً أو جارية ميتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها من ملك أو من أمير أو غيره؟ فهكذا سواء الصلاة الخيالية عن الخشوع والحضور وجمع الهمة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد ـ أو الأمة ـ الميت الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا، ولا يثبه عليها، فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها كما في السنن ومسند الإمام أحمد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال «إن العبد ليصلي الصلاة وما كتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها حتى بلغ عشرها» .وينبغي أن يعلم أن سائر الأعمال تجري هذا المجرى، فتفاضل الأعمال عند الله تعالى بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها.وهذا العمل الكامل هو الذي يكفر السيئات تكفيراً كاملاً، والناقص بحسبه.وبهاتين القاعدتين تزول إشكالات كثيرة وهما.تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان، وتكفير العمل للسيئات بحسب كماله ونقصانه.وبهذا يزول الاشكال الذي يورده من نقص حظه من هذا الباب على الحديث الذي فيه «أن صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء يكفر سنة» قالوا: فإذا كان دأبه دائماً انه يصوم يوم عرفة فصامه وصام يوم عاشوراء، فكيف يقع تكفير ثلاث سنين كل سنة، وأجاب بعضهم عن هذا بأن ما فضل عن التكفير ينال به الدرجات.ويالله العجب، فليت العبد إذا أتى بهذه المكفرات كلها أن تكفر عنه سيئاته باجتماع بعضها إلى بعض، والتكفير بهذه مشروط بشروط، موقوف على انتفاء الموانع كلها فحينئذ يقع التكفير، وأما عمل شملته الغفلة أو لأكثره، وفقد الإخلاص الذي هو روحه، ولم يوف حقه، ولم يقدره حق قدره، فأي شيء يكفر هذا؟ فإن وثق العبد من عمله بأنه وفاه حقه الذي ينبغي له ظاهراً وباطناً، ولم يعرض له مانع يمنع تفكيره ولا مبطل يحبطه ـ من عجب أو رؤية نفسه فيه أو يمن به أو يطلب من العباد تعظيمه به أويستشرف بقلبه لمن يعظمه عليه أو يعادي من لا يعظمه عليه ويرى أنه قد بخسه حقه وأنه قد استهان بحرمته ـ فهذا أي شيء يكفر؟
ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه.فالرياء وإن دق محبط للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصر، وكون العمل غير مقيد باتباع السنة أيضاً موجب لكونه باطلاً، والمن به على الله تعالى بقلبه مفسد له، وكذلك المن بالصدقة والمعروف والبر والاحسان والصلة مفسد لها.كما قال سبحانه وتعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} وأكثر الناس ما عندهم خبر من السيئات التي تحبط الحسنات، وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} فحذر المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يجهر بعضهم لبعض، وليس هذا بردة، بل معصية تحبط العمل وصاحبها لا يشعر بها، فما الظن بمن قم على قول الرسول صلى الله عليه وسلم وهدية وطريقه قول غيره وهديه وطريقه؟أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر؟ ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» ومن هذا قول عائشة رضى الله تعالى عنها وعن أبيها لزيد بن أرقم رضى الله عنه لما باع بالعينة: إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن يتوب.وليس التبايع بالعينة ردة، وإنما غايته أنه معصية، فمعرفة ما يفسد الأعمال في حال وقوعها ويبطلها ويحبطها بعد وقوعها من أهم ما ينبغي أن يفتش عليه العبد ويحرص على عمله ويحذره.وقد جاء في أثر معروف إن العبد ليعمل العمل سراً لا يطلع عليه أحداً إلا الله تعالى فيتحدث به فينتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية ثم يصير في ذلك الديوان على حسب العلانية فإن تحدث به للسمعة وطلب الجاه والمنزلة عند غير الله تعالى أبطله كما لو فعله لذلك.فإن قيل: فإذا تاب هذا هل يعود إليه ثواب العمل؟ قيل: إن كان قد عمله لغير الله تعالى وأوقعه بهذه النية فإنه لا ينقلب صالحاً بالتوبة، بل حسب التوبة أن تمحو عنه عقابه
فيصير لا له ولا عليه.وإما أن عمله لله تعالى خالصاً ثم عرض له عجب ورياء أو تحدث به ثم تاب من ذلك وندم فهذا قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط.وقد يقال: إنه لا يعود إليه بل يستأنف العمل.والمسألة مبنية على أصل، وهو أن الردة هل تحبط العمل بمجردها أو لا يحبطه إلا الموت عليها؟ فيه للعلماء قولان مشهوران وهما روايتان عن الإمام أحمد رضى الله عنه.فإن قلنا تحبط العمل بنفسها فمتى أستلم استأنف العمل وبطل ما كان قد عمل قبل الاسلام.وإن قلنا لا يحبط العمل إلا إذا مات مرتداً، فمتى عاد إلى الاسلام عاد إليه ثواب عمله.وهكذا العبد إذا فعل حسنة ثم فعل سيئة تحبطها ثم تاب من تلك السيئة هل يعود إليه ثواب تلك الحسنة المتقدمة؟ يخرج على هذا الاصل.ولم يزل في نفسي من هذه المسألة: ولم أزل حريصاً على الصواب فيها وما رأيت أحداً شفي فيها، والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم وبه المستعان ولا قوة إلا به ـ ان الحسنات والسيئات تتدافع وتتقابل ويكون الحكم فيها للغالب وهو يقهر المغلوبين ويكون الحكم له حتى كان المغلوب لم يكن، فإذا غلبت على العبد الحسنات رفعت حسناته الكثيرة سيئاته، ومتى تاب من السيئة ترتبت على توبته منها حسنات كثيره قد تربى وتزيد على الحسنة التي حبطت بالسيئة، فإذا عزمت التوبة وصحت ونشأت من صميم القلب أحرقت ما مرت عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن، فإن التائب من الذنب لا ذنب له.وقد سأل حكيم بن حزام رضى الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن عتاقة وصلة وبر فعله في الشرك: هل يثاب عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم أسلمت على ما أسلفت من خير فهذا يقتضي أن الاسلام أعاد عليه ثواب تلك الحسنات التي كانت باطلة بالشرك، فلما تاب من الشرك عاد إليه ثواب حسناته المتقدمة.فهكذا إذا تاب العبد توبة نصوحاً صادقة خالصة أحرقت ما كان قبلها من السيئات وأعادت عليه ثواب حسناته، يوضح هذا أن السيئات هي أمراض قلبية، كما أن الحمى والاوجاع وأمراض بدنية، والمريض إذا عوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وأفضل منها حتى كأنه لم يضعف قط.
فالقوة المتقدمة بمنزلة الحسنات، والمرض بمنزلة الذنوب، والصحة والعافية بمنزلة التوبة، وكما أن المريض من لا تعود إليه صحته أبداً لضعف عافيته، ومنهم من تعود صحته كما كانت لتقاوم الأسباب وتدافعها ويعود البدن إلى كماله الأول، ومنهم من يعود أصح مما كان وأقوى وأنشط لقوة أسباب العافية وقهرها وغلبتها لاسباب الضعف والمرض حتى ربما كان مرض هذا سبباً لعافيته كما قال الشاعر:لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعللفهكذا العبد بعد التوبة على هذه المنازل الثلاث.والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.(دلائل تعظيم الأمر والنهي)(فصل) وأما علامات تعظيم المناهي، فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها، كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها.وأن يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، وأن يجانب الفضول من المباحثات خشية الوقوع في المكروه، ومجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو اليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها، فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحرماته.ومن علامات تعظيم النهي أن يغضب الله عز وجل إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزناً وكسرة إذا عصى الله تعالى في أرضه، ولم يضلع باقامة حدوده وأوامره، ولم يستطع هو أن يغير ذلك.ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافياً غير مستقيم على المنهج الوسط، مثال ذلك أن السنة وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر فالترخص الجافي أن يبرد إلى فوات الوقت أو مقاربة خروجه فيكون مترخصاً جافياً، وحكمة هذه الرخصة أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور ويفعل العبادة بتكره وضجر، فمن حكمة الشارع صلى الله عليه وسلم أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر فيصلي العبد بقلب حاضر، ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والاقبال على الله تعالى.ومن هذا نهيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي بحضرة الطعام أو عند مدافعة البول والغائط، لتعلق قلبه من ذلك بما يشوش عليه
مقصود الصلاة ولا يحصل المراد منها، فمن فقه الرجل في عبادته أن يقبل على شغله فيعمله، ثم يفرغ قلبه للصلاة فيقوم فيها وقد فرغ قلبه لله تعالى ونصب وجهه له وأقبل بكليته عليه، فركعتان من هذه الصلاة يغفر للمصلي بهما ما تقدم من ذنبه.والمقصود أن لا يترخص ترخصاً جافياً.ومن ذلك أنه أرخص للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند العذر وتعذر فعل كل صلاة في وقتها لمواصلة السير وتعذر النزول أو تعسيره عليه، فإذا قام في المنزل اليومين والثلاثة أو أقام اليوم فجمعه بين الصلاتين لا موجب له لتمكنه من فعل كل صلاة في وقتها من غير مشقة، فالجمع ليس سنة راتبة كما يعتقد أكثر المسافرين أن سنة السفر الجمع سواء وجد عذر أو لم يوجد، بل الجمع رخصة، والقصر سنة راتبة، فسنة المسافر قصر الرباعية سواء كان له عذر أو لم يكن، وأما جمعه بين الصلاتين فحاجة ورخصة، فهذا لون وهذا لون.ومن هذا أن الشبع في الأكل رخصة غير محرمة فلا ينبغي أن يجفو العبد فيها حتى يصل به الشبع إلى حد التخمة والامتلاء فيتطلب ما يصرف به الطعام فيكون همه بطنه قبل الأكل وبعده، بل ينبغي للعبد أن يجوع ويشبع ويدع الطعام وهو يشتهيه، وميزان ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» ولا يجعل الثلاثة الأثلاث كلها للطعام وحده.وأما تعريض الأمر والنهي للتشديد الغالي فهو كمن يتوسوس في الوضوء متغالياً فيه حتى يفوت الوقت، أو يردد تكبيرة الأحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة أو يكاد تفوته الركعة، أو يتشدد في الورع الغالي حتى لا يأكل شيئاً من طعام عامة المسلمين خشية دخول الشبهات عليه.ولقد دخل هذا الورع الفاسد على بعض العباد الذين نقص حظهم من العلم حتى امتنع أن يأكل شيئاً من بلاد الاسلام وكان يتقوت بما يحمل إليه من بلاد النصارى ويبعث بالقصد لتحصيل ذلك، فأوقعه الجهل المفرط والغلو الزائد في إساءة الظن بالمسلمين وحسن الظن بالنصارى نعوذ بالله من الخذلان.فحقيقة التعظيم للامر والنهي أن لا يعارضا بترخص جاف، ولا يعرضا لتشديد غال.فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله عز وجل بسالكه، وما أمر الله عز وجل بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصير وتفريط، وإما افراط وغلو.فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين، فإنه يأتي إلى قلب العبد فيستامه، فإن وجد فيه فتوراً وتوانياً وترخيصاً
يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا * يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما} وخطب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوماً، فلما كانت الشمس على روؤس الجبال وذلك عند الغروب قال: «إنه لم يبقى من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه» فليتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث، وليعلم أي شيء حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي في الدنيا بأسرها، ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بحظ خسيس لا يساوي شيئاً، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ موفوراً وأكمل منه، كما في بعض الآثار: ابن آدم بع الدنيا بالآخرة تربحهما جميعاً، ولا تبع الآخرة بالدنيا تخسرهما جميعاً.وقال بعض السلف: ابن آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من أحوج.فإن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظاماً.وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول في خطبته: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدى.وإن لكم معاداً يجمعكم الله عز وجل فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، فخاب وشقي عبد أخرجه الله عز وجل من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السموات والأرض.وإنما يكون الأمان غداً لمن خاف الله تعالى واتقى، وباع قليلاً بكثير، وفانياً بباق، وشقاوة بسعادة.ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين، وسيخلفه بعدكم الباقون؟ ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غادياً رائحاً إلى الله قد قضى نحبه، وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟والمقصود أن الله عز وجل قد أمد العبد في هذه المدة اليسيرة بالجنود والعدد والأمداد، وبين له بماذا يحرز نفسه من عدوه، وبماذا يفتك نفسه إذا أسر.
وقد روى الإمام أحمد رضي الله عنه والترمذي من حديث الحارث الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن الله سبحانه وتعالى أمر يحي بن زكريا صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعلموا بها، وأنه كاد أن يبطيء بها، فقال له عيسى عليه السلام: إن الله تعالى أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحي: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب.فجمع يحي الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعد على الشرف، فقال: إن الله تبارك وتعالى أمرني بخمس كلمات أن أعملهن وآمركم أن تعملوا بهن: أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وإن من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأد إلي.فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده.فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يكن يلتفت.وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك كلهم يعجب أو يعجبه ريحه، وأن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك.وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك مثل رجل أسره العدو فأوثقوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم.وأمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى.قال النبي صلي الله عليه وسلم وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة.فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع.ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم فقال رجل: يارسول الله، وإن صلى وصام؟ قال وإن صلى وصام فادعوا بدعوا الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، فقد ذكر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم الشأن ـ الذي ينبغي لكل مسلم حفظه وتعقله ـ ما ينجي من الشيطان وما يحصل
أخذه من هذه الخطة فثبطه وأقعده وضربه بالكسل والتواني والفتور، وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك، حتى ربما ترك العبد المأمور جملة.وإن وجد عنده حذراص وجداً وتشميراً ونهضة وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد وسول له أن هذا لا يكفيك وهمتك فوق هذا، وينبغي لك أن تزيد على العاملين، وأن لا ترقد إذا رقدوا، ولا تفطر إذا أفطروا، وأن لا تفتر إذا فتروا، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعاً، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها، ونحو ذلك من الإفراط والتعدي، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم، كما يحمل الأول على التقصير دونه وأن لا يقربه، ومقصود من الرجلين إخراجهما عن الصراط المسقيم: هذا بأن لا يقربه ولا يدلو منه، وهذا بأن يجاوزه ويتعداه.وقد فتن بهذا أكثر الخلق، ولا ينجي من ذلك إلا علم راسخ وإيمان وقوة على محاربته ولزوم الوسط.والله المستعان.ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله عز وجل، بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه ممتثلاً ما أمر به سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر، فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه حمله ذلك على مزيد الانقياد والتسليم، ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه كما حمل ذلك كثيراً من زنادقة الفقراء والمنتسبين إلى التصوف، فإن الله عز وجل شرع الصلوات الخمس إقامة لذكره واستعمالاً للقلب والجوارح واللسان في العبودية، وإعطاء كل منها قسطه من العبودية التي هي المقصود بخلق العبد، فوضعت الصلاة على أكمل مراتب العبودية.فإن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الآدمي واختاره من بين سائر البرية، وجعل قلبه محل كنوزه من الإيمان والتوحيد والاخلاص والمحبة والحياء والتعظيم والمراقبة، وجعل ثوابه إذا قدم عليه أكمل الثواب وأفضله، وهو النظر إلى وجهه والفوز برضوانه ومجاورته في جنته، وكان مع ذلك قد ابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة، وابتلاه بعدوه إبليس لا يفتر عنه، فهو يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه فتميل نفسه معه، لأنه يدخل عليها بما تحب، فينفق هو ونفسه وهواه على العبد: ثلاثة مسلطون آمرون، فيبعثون الجوارح في قضاء وطرهم، والجوارح آلة منقادة فلا يمكنها إلا الانبعاث، فهذا شأن هذه الثلاثة وشأن الجوارح، فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أمروا وأين يمموا.هذا مقتضى حال العبد، فاقتضت رحمة ربه العزيز الرحيم به أن أعانه بجند آخر وأمده بمدد آخر يقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه، فأرسل إليه رسوله وأنزل عليه كتابه وأيده بملك كريم يقابل عدوه الشيطان، فإذا أمره الشيطان بأمر أمره الملك بأمر ربه وبين له ما في طاعة العدو من الهلاك، فهذا يلم به
مرة وهذا مرة، والمنصور من نصره الله عز وجل، والمحفوظ من حفظه الله تعالى، وجعل له مقابل نفسه الأمارة نفساً مطمئنة إذا أمرته النفس الأمارة بالسوء نهته عنه النفس المطمئنة، وإذا نهته الأمارة عن الخير أمرته به النفس المطمئنة.فهو يطيع هذه مرة وهذه مرة، وهو الغالب منهما، وربما انقهرت إحداهما بالكلية قهراً لا تقوم معه أبداً.وجعل له مقابل الهوى الحامل له على طاعة الشيطان والنفس الأمارة نوراً وبصيرة وعقلاً يرده عن الذهاب مع الهوى الحامل له على طاعة الشيطان والنفس الأمارة نوراً وبصيرة وعقلاً يرده عن الذهاب مع الهوى، فكلما أراد أن يذهب مع الهوى ناداه العقل والبصيرة والنور: الحذر الحذر، فإن المهالك والمتالف بين يديك وأنت صيد الحرامية وقطاع الطريق إن سرت خلف هذا الدليل.فهو يطيع الناصح مرة فيبن له رشده ونصحه، ويمشي خلف دليل الهوى مرة فيقطع عليه الطريق ويؤخذ ماله ويسلب ثيابه فيقول: ترى من أين أتيت؟والعجب أنه يعلم من أين أتي، ويعرف الطريق التي قطعت عليه وأخذ فيها ويأبى إلا سلوكها، لأن دليلها قد يمكن منه وتحكم فيه وقوي عليه، ولو أضعفه بالمخالفة له وزجره إذا دعاه ومحاربته إذا أراد أخذه لم يتمكن منه، ولكن هو مكنه من نفسه وهو أعطاه يده، فهو بمنزلة الرجل يضع يده في يد عدوه فيباشر ثم يساومه سوء العذاب، فهو يستغيث فلا يغاث، فهكذا يستأسر للشيطان والهوى ولنفسه الأمارة ثم يطلب الخلاص فيعجز عنه، فلما أن بلي العبد بما بلي به أعين بالعساكر والعدد والحصون، وقيل: قاتل عدوك وجاهده، فهذه الجنود خذ منها ما شئت، وهذه الحصون تحصن بأي حصن شئت منها ورابط إلى الموت، فالأمر قريب ومدة المرابطة يسيرة جداً، فكأنك بالملك الأعظم وقد أرسل إليك رسله فنقلوك إلى داره واسترحت من هذا الجهاد وفرق بينك وبين عدوك وأطلقت في داره الكرامة تتقلب فيها كيف شئت وسجن عدوك في أصعب الحبوس وأنت تراه.فالسجن الذي كان يريد أن يودعك فيه قد أدخله وأغلقت عليه أبوابه وأيس من الروح والفرج، وأنت فيما اشتهت نفسك، وقرت عينك، جزاء على صبرك في تالك المدة اليسيرة ولزومك الثغر للرباط، وما كانت إلا ساعة ثم انقضت وكأن الشدة لم تكن.فإن ضعفت النفس عن ملاحظة قصر الوقت وسرعة انقضائه فليتدبر قوله عز وجل: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة} وقوله عز وجل: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} وقوله عز وجل: {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين * قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون} وقوله عز وجل: {
للعبد به الفوز والنجاة في دنياه وأخراه، فذكر مثل الموحد والمشرك: فالموحد كمن عمل لسيده في داره وأدى لسيده ما استعمله فيه، والمشرك كمن استعمله سيده في داره فكان يعمل ويؤدي خراجه وعمله إلى غير سيده، فهكذا المشرك يعمل لغير الله تعالى في دار الله تعالى ويتقرب إلى عدو الله بنعم الله تعالى.ومعلوم أن العبد من بني آدم لو كان مملوكه كذلك لكان أمقت المماليك عنده وكان أشد شيئاً غضباً عليه وطرداً له وإبعاداً، وهو مخلوق مثله كلاهما في نعمة غيرهما، فكيف برب العالمين الذي ما بالعبد من نعمة فمنه وحده لا شريك له، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يصرف السيئات إلا هو، وهو وحده المنفرد بخلق عبده ورحمته وتدبيره ورزقه ومعافاته وقضاء حوائجه، فكيف يليق به مع هذا أن يعدل به غيره في الحب والخوف والرجاء والحلف والنذر والمعاملة، فيحب غيره كما يحبه أو أكثر، ويخاف غيره ويرجوه كما يخافه أو أكثر، وشواهد أحوالهم ـ بل وأقوالهم وأعمالهم ـ ناطقة بأنهم يحبون أنداده من الاحياء والأموات ويخافونهم ويرجونهم ويطلبون رضاءهم ويهربون من سخطهم أعظم مما يحبون الله تعالى ويخافون ويرجون ويهربون من سخطه، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله عز وجل، قال الله سبحانه وتعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} .والظلم عند الله عز وجل يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يشرك به.وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئاً، وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً، فإن الله تعالى يستوفيه كله.وديوان لا يعبأ الله به، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه عز وجل، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محواً، فإنه يمحي بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة ونحو ذلك، بخلاف ديوان الشرك فإنه لا يمحى إلا بالتوحيد، وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها.ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله عز وجل حرم الجنة على أهله، فلا تدخل الجنة نفس مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد فإن التوحيد هو مفتاح بابها، فمن لم يكن معه مفتاح لم يفتح له بابها، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يمكن الفتح به.والنهي عن
المكر وصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وبر الوالدين، فأي عبد اتخذ في هذه الدار مفتاحاً صالحاً من التوحيد وركب فيه أسناناً من الأوامر جاء يوم القيامة إلى باب الجنة ومعه مفتاحها الذي لا يفتح إلا به فلم يعقه عن الفتح عائق، اللهم إلا أن تكون له ذنوب وخطايا وأوزار لم يذهب عنه أثرها في هذه الدار بالتوبة والاستغفار، فإنه يحبس عن الجنة حتى يتطهر منها، وان لم يطهره الموقف وأهواله وشدائده فلا بد من دخول النار ليخرج خبثة فيها ويتطهر من درنه ووسخه، ثم يخرج منها فيدخل الجنة فإنها دار الطيبين لا يدخلها إلا طيب.قال سبحانه وتعالى {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة} وقال تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} فعقب دخولها على الطيب بحرف الفاء الذي يؤذن بأنه سبب للدخول أي بسبب طيبكم قيل لكم ادخلوها.وأما النار فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب ودار الخبيثين، فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشئ لتراكب بعضه على بعض، ثم يجعله في جهنم مع أهله فليس فيها إلا خبيث.ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشينه خبيث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب، دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة، فإنه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنه إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة، ولا يبقي إلا دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض. الالتفات في الصلاةوقوله في الحديث «وأمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» الالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان.(احدهما) التفات القلب عن الله عز وجل إلى غير الله تعالى (الثاني) التفات البصر وكلاهما منهي عنه.ولا يزال الله مقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاً على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره أعرض الله تعالى عنه.وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في صلاته فقال «