الوابل الصيب - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: الرقائق والآداب والأذكار الكتاب: الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)المحقق: عبد الرحمن بن حسن بن قائدراجعه: حاتم بن عارف الشريف - يحيي بن عبد الله الثمالي الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الخامسة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٥٣٢قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيموبه نستعينهذه رسالة كتبها شيخنا الإمام العالم الحَبْر العلّامة شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، المعروف بابن قيم الجوزية، تغمده الله برحمته، إلى بعض إخوانه، وسمّاها "الكلم الطيب والعمل الصالح"، وهي كما سمّاها(١).قال:بسم الله الرحمن الرحيماللهُ سبحانه وتعالى المسئُول(٢) المرجوُّ الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يُسْبِغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنةً(٣)، وأن يجعلكم ممن إذا أنْعَم الله عليه شكر، وإذا ابْتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإن هذه الأمور الثلاثة هي عُنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه، ولا يَنْفَكُّ عبدٌ عنها أبدًا، فإنّ العبد دائمًا يتقلَّبُ بين هذه الأطباق الثلاث.نِعَمٌ من الله تعالى تترادف عليه، فَقَيْدُها الشكر، وهو مبنيّ على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وتصريفها في مرضاة(١) هذه المقدمة انفردت بها النسخة (ت).(٢) (ت): "الله سبحانه المرجوّ".(٣) (ت) و (ق): "باطنة وظاهرة".
وَليِّها ومُسْدِيها ومعطيها(١). فإذا فعل ذلك فقد شكرها، مع تقصيره في شكرها(٢).الثاني: مِحَنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضُه فيها الصبر والتسليم(٣).والصبر: حبس النفس عن التَّسخُّط بالمقدور، وحبس اللِّسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية(٤)، كاللَّطْم، وشق الثياب، ونتف الشعر، ونحو ذلك.فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام بها(٥) العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوبًا؛ فإن الله سبحانه وتعالى لم يَبْتلِهِ ليُهْلِكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديّته، فإن لله تعالى على العبد عبوديةً في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يُحِبّ، وأكثر الخلق يُعْطُون العبودية فيما يُحِبُّون، والشأنُ في إعطاء العبودية في المكاره، فَبِه تَفاوتَتْ(٦) مراتبُ العباد، وبِحَسَبه(١) "ومعطيها" من (ح).(٢) ذكر المصنّف رحمه الله تعالى في "مدارج السالكين" (٢/ ٢٥٤) أنّ الشكر مبنيّ على خمس قواعد: الثلاث المذكورة هنا، وخضوع الشاكر للمشكور، وحبُّه له.(٣) (ح) و (ق): "والتسلّي"، وفي (م): "التسليم والصبر".(٤) "المعصية" ساقطة من (ت).(٥) (ح) و (ق): "به".(٦) (ت): "ففيه تتفاوت"، وفي (ح): "ففيه تفاوت"، وفي (ق): "ففيه تفاوتت".
كانت منازلهم عند الله تعالى.فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى نفسه وعياله عبودية، هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركُ المعصية التي اشتدَّتْ دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكنْ فرقٌ عظيم بين العبوديتَيْن.فمن كان عبدًا لله في الحالَيْن، قائمًا بحقه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي يتناوله قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: ٣٦] وفي القراءة الأخرى (عباده)(١)، وهما سواء؛ لأن المفرد مضاف، فيعمُّ عموم الجمع.فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وَجَد خيرًا فليحمد الله، ومن وَجَد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه.وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوّه عليهم سلطان.قال الله تعالى: {إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: ٤٢].ولما علم عدوُّ الله إبليس أن الله تعالى لا يُسْلِم عباده إليه، ولا يُسَلِّطُه عليهم قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)} [ص: ٨٢، ٨٣]. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا(١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (٥٦٢)، و "التبصرة" لمكّي بن أبي طالب (٦٥٩).
فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} [سبأ: ٢٠، ٢١]، فلم يجعل لعدوه سلطانًا على عباده المؤمنين؛ فإنهم في حِرْزه وكلاءته، وحفظه، وتحت كَنَفِه، وإنْ اغتال عدوُّه أحدَهم كما يغتال اللصُّ الرجلَ الغافل، فهذا لابد منه؛ لأن العبد قد بُلِي بالغفلة والشهوة والغضب.ودخولُه على العبد من هذه الأبواب الثلاثة، ولو احترز العبد ما احترز، فلابد له من غفلة، ولابد له من شهوة، ولابد له من غضب، وقد كان آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم من(١) أحلم الخلق، وأرجحهم عقلًا، وأثبتهم(٢)، ومع هذا فلم يزل به عدوُّ الله حتى أوقعه فيما أوقعه فيه، فما الظن بِفَراشَةِ الحِلْمِ(٣)، ومَنْ عَقْلُه في جنب عقل أبيه كتفلةٍ في بحر؟!ولكنّ عدو الله لا يَخْلُصُ إلى المؤمن إلا غِيلةً على غِرّةٍ وغفلة، فَيُوقِعُه، ويظن أنه لا يستقيل(٤) ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الواقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضلُ الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته(١) "مِن" من (ح)، وفي (ق): "أحكم الخلق وأرجحهم وأثبتهم".(٢) "وأثبتهم" من (ح) و (م) و (ق).(٣) (ت) و (م): "بفراش الحلم".والعربُ تضربُ بالفَراشِ المثلَ في خِفَّة الحِلْم، كما تراه في "ثمار القلوب" للثعالبي (٢/ ٧٣١).وقد ورد هذا التركيب: "فراشة الحِلْم" في بيتٍ اختُلِفَ في نِسْبته. انظره في: "تاريخ الطبري" (٧/ ٤٣٤)، و "المستقصى" (١/ ١٢) للزمخشري.(٤) كذا في الأصول التي بين يديّ: "يستقيل" (بالياء)، ولعلّه الصواب، وفي مطبوعات الكتاب التي وقفتُ عليها: "يستقبل".
من(١) وراء ذلك كلّه.فإذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له بابًا من أبواب التوبة، والندم، والانكسار، والذل، والافتقار، والاستغاثة به(٢)، وصِدْقِ اللَّجأ إليه، ودوام التضرع، والدعاء، والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات = ما تكون تلك السيئة به سبب رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أُوقِعْهُ.وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يَدْخُلُ به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصْبَ عينيه، خائفًا منه مُشفِقًا وَجِلًا باكيًا نادمًا(٣)، مستحيًا من ربه تعالى، ناكس الرأس بين يديه، منكسر القلب له(٤)؛ فيكون ذلك الذنب سبب سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب(٥) أنفع له من(١) (ح) و (ت) و (ق): "ومغفرته وراء ذلك كلّه".(٢) (ح): "والاستعانة به".(٣) "نادمًا" من (ح) و (ق).(٤) روى الإمام أحمد في "الزهد" (٣٩٧)، وابن المبارك في "الزهد" (١٦٢) من مرسل الحسن البصري: "إن العبد ليُذْنِب الذّنب فيدخل به الجنة. قيل: كيف؟ قال: يكون نصْب عينيه ثابتًا قارًّا حتى يدخل الجنة".وجاء هذا المعنى من قول أبي موسى وأبي أيوب رضي الله عنهما، ومن قول الحسن وأبي حازم.انظر: "الزّهد" لهنّاد (٩١٠، ٩١١)، ولابن المبارك (١٦٣، ١٦٤)، ولأحمد (٢٧٧)، و"الحلية" لأبي نعيم (٣/ ٢٤٢)، و (٧/ ٢٨٨)، و"شعب الإيمان" للبيهقي (١٢/ ٥٣٢).(٥) من قوله: "سبب سعادة العبد" إلى هنا، ساقط من (ت) و (ح) و (ق).
طاعات كثيرةٍ؛ بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.ويفعل الحسنة فلا يزال يَمُنُّ بها على ربه، ويتكبر بها، ويَرى نفسه، ويعجب بها، ويستطيل بها، ويقول: فعلتُ، وفعلتُ؛ فيورثه ذلك(١) من العجب والكِبْر، والفخر والاستطالة، ما يكون سبب هلاكه. فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيرًا ابتلاه بأمرٍ يَكْسِرُه به، ويُذِلُّ به عُنُقَه، ويُصَغِّرُ به نَفْسَه عنده. وإن أراد به غير ذلك، خَلَّاهُ وعُجْبَه وكِبْره، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه؛ فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق: أن لا يكِلَك الله تعالى إلى نفسك، والخذلان: أن يَكِلَكَ الله تعالى إلى نفسك(٢).فمن أراد الله به خيرًا فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللَّجَأِ إلى الله تعالى، والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه، وجهلها، وظلمها، وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه، وإحسانه، ورحمته(٣)، وجوده، وبِرّه، وغِناه، وحمده.فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما، فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.قال شيخ الإسلام(٤): "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المِنَّة،(١) "ذلك" من (م).(٢) من قوله: "والخذلان" إلى هنا، ساقط من (ت).(٣) "ورحمته" من (ح).(٤) كذا في (ت) و (ح) و (ق) وهو الصواب، والمراد به: أبو إسماعيل الهروي =
ومطالعة عيب النفس والعمل".وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، حديثِ "سَيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللَّهم أنت ربي لا إله إلا أنتَ، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شَرِّ ما صنعتُ، أبوء لكَ بنعمتِك عليَّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنَّه لا يغفر الذنوبَ إلا أنتَ"(١).فجمع في قوله صلى الله عليه وسلم: "أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي" بين مشاهدة المنّة، ومطالعة عيب النفس والعمل.فمشاهدةُ المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليِّ النعم= الأنصاري (ت: ٤٨١)، صاحبُ "منازل السائرين"، وعبارته هذه فيه (ص: ١١ - تحقيق: دي لوجييه). وانظر: "مدارج السالكين" (١/ ٢٤٣).وقد عزا ابن القيّم هذه العبارة صراحةً إلى أبي إسماعيل الأنصاري في "شفاء العليل" (١/ ٨٨)، وكذا فعل شيخ الإسلام ابن تيمية في "رسالة في تحقيق الشكر" (١/ ١١٦ - جامع الرسائل).ووقع في (م) -وهي نسخة متأخّرة-: "شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه".وهذا اجتهادٌ من الناسخ أخطأ فيه، ظنّ أن شيخ الإسلام هنا هو ابن تيمية فزاده من عنده. ووقع في مثله ابن ناصر الدين الدمشقيّ، فنقل في "الردّ الوافر" (١٢٦) عن ابن القيّم عن شيخ الإسلام ابن تيمية هذه العبارة، وما أظنُّه أخذها إلّا من هذا الموضع؛ فقد نقل من هذا الكتاب كثيرًا من العبارات التي أوردها ابن القيم عن شيخه.وتبعه على ذلك مرعي الكرمي في "مختصره" "الشهادة الزكيّة" (٣٥).(١) أخرجه البخاري (٦٣٢٣) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.
والإحسان، ومطالعةُ عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار، والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسًا.وأقربُ بابٍ دخل منه العبد على الله تعالى باب الإفلاس(١)، فلا يرى لنفسه حالًا، ولا مقامًا، ولا سببًا يتعلق به، ولا وسيلة منه يَمُنُّ بها(٢)، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرْف، والإفلاس المَحْض، دخولَ من قد كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سُوَيْدائه فانصدع، وشملته الكَسْرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه عز وجل وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقةً تامةً، وضرورةً كاملةً إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه طرفة عينٍ هَلَكَ، وخسر خسارة لا تُجْبَر؛ إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته.ولا طريق إلى الله تعالى أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدَّعْوى!.والعبوديةُ مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام. ومنشأ هذين الأصلين عن ذَيْنِكَ الأصلين المتقدمَيْن، وهما: مشاهدة المِنّة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام.(١) انظر: "مدارج السالكين" (٣/ ٣٨).(٢) كذا في (ح) و (ق)، وفي (ت): "يمُتُّ بها"، وفي (م): "ولا وسيلة ولا مِنّة يمنُّ بها".
وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غِرَّةٍ وغفلة، وما أسرع ما يُنْعِشُه الله عز وجل ويَجْبُره، ويتداركه برحمته(١).(١) (ت) و (ق): "ويرحمه".
فصل وإنما يستقيم له هذا باستقامة قلبه وجوارحه؛ فاستقامة القلب بشيئين:أحدهما: أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحابِّ(١)، فإذا تعارض حب الله تعالى وحب غيره سبق حُبُّ الله تعالى حُبَّ ما سواه، فرتّب على ذلك مقتضاه.وما أسهل هذا بالدعوى، وما أصعبه بالفعل!، فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان.وما أكثر ما يُقَدِّم العبد ما يحبه هو ويهواه، أو يحبه كبيره أو أميره أو شيخه أو أهله على ما يحبه الله تعالى، فهذا لم تتقدم محبة الله تعالى في قلبه جميع المحابّ، ولا كانت هي الحاكمة عليها، المؤمَّرة عليها، وسُنَّةُ الله تعالى فيمن هذا شأنه أن يُنَكِّدَ عليه مَحَابَّه، ويُنَغِّصها عليه، فلا ينال شيئًا منها إلا بنكدٍ وتنغيصٍ، جزاءً له على إيثاره هواه وهوى من يُعَظِّمُه من الخلق أو يُحِبُّه(٢) على محبة الله تعالى.وقد قضى الله عز وجل قضاءً لا يُردُّ ولا يُدْفَع، أن من أحب شيئًا سواه عُذِّبَ به ولا بُدّ، وأنّ من خاف غيره سُلِّطَ عليه، وأن من اشتغل بشيء غيره كان شُؤْمًا عليه، ومن آثر غيره عليه لم يُبارك له فيه، ومن(١) (ت): "تتقدم عنده جميع المحابّ".(٢) (م): "أو يحبّه أو يقدم محبته".
أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولابُدّ(١). الأمر الثاني الذي يستقيم به القلب: تعظيم الأمر والنهي؛ وهو ناشئٌ عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله تعالى ذم من لا يُعَظِّمه، ولا يُعَظِّم أمره ونهيه، قال الله سبحانه وتعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: ١٣]. قالوا في تفسيرها: مالكم لا تخافون لله تعالى عظمة(٢).وما أحسن ما قال شيخ الإسلام في تعظيم الأمر والنهي: "هو أن لا يُعارَضا بترخيصٍ جافٍّ، ولا يُعَرَّضا لتشديدٍ غالٍ(٣)، ولا يحملا على علةٍ تُوهِنُ الانقياد"(٤).ومعنى كلامه: أن أول مراتب تعظيم الحق عز وجل: تعظيم أمره ونهيه، وذلك لأن المؤمن يعرفُ ربَّهُ عز وجل برسالته التي أرسل بها رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، ومقتضاها الانقياد لأمره ونهيه، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله عز جل واتِّباعه، وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن(٥) لأمر الله تعالى ونهيه دالًّا على تعظيمه لصاحب الأمر(١) من قوله: "وأنّ من خاف غيره" إلى هنا، ساقط من (ت) و (ق).(٢) (ت): "ما لكم لا ترجون لله عظمة".وانظر: "تفسير ابن جرير" (٢٣/ ٦٣٤)، و"الدر المنثور" (٨/ ٢٩١ - ٢٩٢).(٣) (ت): "ولا يعارضا بتشديد"، و (م): "ولا بتشديد غال"، والمثبت من (ح) و (ق)، و"المنازل".(٤) "منازل السائرين" للهروي (٦٥)، وانظر ما تقدم (ص: ١١).(٥) (ت) و (م): "تعظيمه".
والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالإيمان والتصديق، وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر.فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر؛ لنظر الخلق، وطلب المنزلة والجاه عندهم، ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم، وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود(١) التي رتبها الشارع صلى الله عليه وسلم على المناهي، فهذا ليس فعله وتركه صادرًا عن تعظيم الأمر والنهي، ولا عن تعظيم الآمر الناهي.فعلامة التعظيم للأوامر: رعايةُ أوقاتها وحدودها، والتفتيشُ على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرصُ على تحسينها، وفعلُها(٢) في أوقاتها، والمسارعةُ إليها عند وجوبها، والحزنُ والكآبة والأسف عند فوات حق من حقوقها، كمن يحزن على فوت الجماعة، ويعلم أنه لو تُقُبِّلَتْ منه صلاته منفردًا فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضِعفًا.ولو أن رجلًا يعاني البيع والشراء يفوته في صفقة واحدة في بلده من غير سفر ولا مشقّةٍ سبعة وعشرون دينارًا لأكل يديه ندمًا وأسفًا(٣). فكيف وكُلُّ ضِعْفٍ مما تضاعف به صلاة الجماعة خير من أَلْفٍ، وأَلْفِ أَلْفٍ، وما شاء الله تعالى؟!فإذا فَوَّت العبد عليه هذا الربح خسر(٤) قطعًا!(١) (ت): "العقوبات".(٢) "وفعلها" من (م).(٣) "وأسفًا" من (م) و (ح) و (ق).(٤) "خسر" ساقطة من (ت) و (ح) (ق).
وكثير من العلماء يقول: لا صلاة له وهو بارد القلب، فارغٌ من هذه المصيبة، غير مُرْتَاعٍ لها؛ فهذا من عدم تعظيم أمر الله تعالى في قلبه.وكذلك إذا فاته أول الوقت الذي هو رضوان الله تعالى، أو فاته الصف الأول الذي يصلي الله وملائكته على ميامنه، ولو يعلم العبد فضيلته لجالد عليه، ولكانت قرعة.وكذلك فَوْتُ الجَمْعِ الكثير الذي تُضاعَفُ الصلاة بكثرته وقلته، وكلما كثر الجَمْعُ كان أحب إلى الله عز وجل، وكلما بَعُدَت الخُطا كانت خطوةٌ تحطُّ خطيئة، وأخرى ترفع درجة. وكذلك فَوْتُ الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها بين يدي الرب عز وجل الذي هو روحُها ولُبُّها، فصلاةٌ بلا خشوعٍ ولا حُضورٍ كبدن ميت لا روح فيه. أفلا يستحي العبد أن يُهدي إلى مخلوقٍ مثله عبدًا ميتًا، أو جارية ميتة؟! فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قَصَده بها، من ملك، أو أمير، أو غيره؟!فهكذا سواء، الصلاةُ الخاليةُ عن الخشوع والحضورِ وجمعِ الهمة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد -أو الأمَة- الميت، الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك؛ ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه -وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا(١) - ولا يثيبه عليها؛ فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها، كما في "السنن" و"مسند الإمام أحمد" وغيره عن النبي(١) وفي إسقاطها الفرض في أحكام الدُّنيا خلافٌ حرّره المصنّف وبسطه في "مدارج السالكين" (١/ ٥٦٣ - ٥٦٧)، واختار إسقاطها الفرض، كما أشار إليه هنا.
صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن العبد ليصلي الصلاة وما كُتِب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خُمسها، حتى بلغ عُشرها"(١).وينبغي أن يُعْلَم أن سائر الأعمال تجري هذا المجرى، فَتَفاضُلُ الأعمال عند الله تعالى بِتفاضُلِ ما في القلوب من الإيمان، والإخلاص، والمحبة وتوابعها، وهذا العمل الكامل هو الذي يكفِّر تكفيرًا كاملًا، والناقصُ بِحَسَبِه.وبهاتين القاعدتين تزول إشكالاتٌ كثيرة، وهما: تفاضلُ الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان(٢)، وتكفيرُ العمل للسيئات بحسب كماله ونقصانه.وبهذا يزول الإشكال الذي يورده من نَقَص حظُّه من هذا الباب على الحديث الذي فيه: "إن صوم يوم عرفة يُكَفِّر سنتين، ويوم عاشوراء يُكَفِّر سنة"(٣).(١) أخرجه أبو داود (٧٨٦)، والنسائي في "الكبرى" (٦١٤، ٦١٥) وأحمد (٦/ ٤٠٨ - ٤٠٩) وغيرهم عن عمار بن ياسر رضي الله عنه.وصححه ابن حبان (١٨٨٩)، والعراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (١/ ١٢٠).وفي إسناده اختلاف لا يقدح في صحته. انظر: "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٥ - ٢٦) للبخاري، و"تهذيب الكمال" (١٥/ ٣٩٣).(٢) انظر: "منهاج السنة" (٦/ ٢٢١ - ٢٢٦) لشيخ الإسلام ابن تيمية، و"المنار المنيف" للمصنّف (٢٤ - ٢٥)، و"سير أعلام النبلاء" (١١/ ٤١٩ - ٤٢٠).(٣) أخرجه مسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.