الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: الرقائق والآداب والأذكار الكتاب: الرسالة التبوكية (ضمن مجموع الرسائل)[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٤)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ - ٧٥١)المحقق: محمد عزير شمسراجعه: سليمان بن عبد الله العمير - جديع بن جديع الجديع الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الخامسة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٩٣قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم[وبه نستعين وعليه نتوكل](١)قال الشيخ [الإمام العالم العلامة محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيِّم الجوزية](٢) رضي الله عنه وأرضاه- في كتابه الذي سَيَّرهُ من تبوكَ(٣) ثامن المحرَّمِ سنةَ ثلاث وثلاثينَ وسبع مئة من الهجرة النبوية، بعد إرسالِ المنظومةِ التي أولها(٤):إذا طَلَعَتْ شمسُ النهارِ فإنَّها … . . . . . . . . . . . . . . . . . .(١) من ط، د.(٢) من ط والنسخ الأخرى.(٣) كذا في الأصل وط. وفي ق، د، ر: "كتابه الذي كتبه في سيره. . .". وفي ش: "في رحلته إلى تبوك".(٤) مطلع قصيدة طويلة للمؤلف. والشطر الثاني:أَمارة تَسليمي عليكم فَسَلِّمُواوقد نُشِرَتْ هذه الميمية لأول مرة بالهند سنة ١٣١٦ ضمن مجموعة تسمى "أربح بضاعة في معتقد أهل السنة والجماعة" جمعها علي بن سليمان آل يوسف.
فصل(١)وبعدَ حمدِ اللهِ(٢) بمَحَامِدِه التي هو لها أهلٌ(٣)، والصلاةِ والسلام(٤) على خاتَم أنبيائِه ورُسله(٥) محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله سُبحانَه يقول في كتابه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)}(٦).وقد اشتملتْ هذه الآيةُ على جميعِ مَصالح العبادِ في معاشِهم ومعادِهم، فيما بينَهم في(٧) بعضِهم بعضًا، وفيما بينَهم وبينَ ربهم، فإن كلَّ عبد لا يَنْفَكُّ من(٨) هاتينِ الحالتينِ وهذينِ الواجبينِ: واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخَلْقِ.فأما ما بينه وبين الخلق من المعاشرةِ والمعاونةِ والصُّحبةِ، فالواجبُ عليه فيها أن يكون اجتماعُه بهم وصحبتُه لهم تعاونًا على مَرْضاةِ اللهِ وطاعتِه، التي هي غايةُ سعادةِ العبد وفلاحِه، ولا سعادةَ له(٩) إلا بها، وهي(١) "من الهجرة. . . فصل" ساقط من ط وسائر النسخ، وفيها مكانه: "ثم قال بعد كلام له سبق".(٢) ط: "أحمد الله" خطأ.(٣) ق، د، ر، ش: "وبعد حمد الله الذي هو له أهلًا"!(٤) "والسلام" ساقط من ق، د، ر، ش.(٥) ط: "رسله وأنبيائه".(٦) سورة المائدة: ٢.(٧) "في" ساقطة من ط.(٨) في بعض النسخ: "عن".(٩) "له" ساقطة من سائر النسخ.
"البِرُّ والتقوى" اللذانِ(١) هما جماع الدين(٢) كله، وإذا أُفرِدَ كلُّ واحد من الاسمينِ دخلَ فيه المسمَّى الآخر(٣)، إما تضمنا وإمّا لزومًا، ودخولُه فيه تضمنا أظهرُ؛ لأن البرَّ جزءُ مسمَّى التقوى، وكذلك التقوى فإنه(٤) جزءُ مسمَّى البر، وكونُ أحدِهما لا يَدخل في الآخر عند الاقتران لا يَدل على أنه لا يَدخلُ فيه عند الانفراد(٥).ونظيرُ هذا لفظ "الإيمان والإسلام"، "والإيمان والعمل الصالح"، و"الفقير والمسكين"، و"الفسوق والعصيان"، و"المنكر والفاحشة"(٦)، ونظائرُهُ كثيرة.وهذه قاعدة جليلة، مَن أحاطَ بها زالَ(٧) عنه إشكالات كثيرةٌ أَشْكَلَتْ(٨) على طوائفَ كثيرة من الناس. ولنذكرْ من هذا مثالا واحدا يُسْتَدَلُّ به على غيره، وهو "البرُّ والتقوى".فإن حقيقة البرِّ هو الكمالُ المطلوب(٩) من الشيء، والمنافع التي فيه والخيرُ، كما يَدلُّ عليه اشتقاق هذه اللفظةِ وتصاريفُها في الكلام.(١) في الأصل وسائر النسخ: "اللذين". والتصويب من ط.(٢) ق وبقية النسخ: "جماع الخير".(٣) في ط وسائر النسخ: "دخل في مسمى الآخر".(٤) "فإنه" ساقطة من سائر النسخ.(٥) ط: "انفراد الآخر".(٦) د: "الفاحش".(٧) ط: "زالت".(٨) في سائر النسخ: "عدة".(٩) "المطلوب" ساقطة من سائر النسخ.
ومنه "البُرُّ" بالضم؛ لكثرة منافعِه(١) وخيرِه بالإضافةِ إلى سائرِ الحُبوب.ومنه رجلٌ بارٌ، وبَرٌّ، وكِرَامٌ بَرَرةٌ، والأبرار(٢).فالبرُّ كلمةٌ لجميع أنواعِ الخير والكمال المطلوب من العبد، وفي مقابلتِه "الإثْم". وفي حديث النَّواس بن سَمْعَان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [له](٣): "جئْتَ تَسأل عن البرِّ والإثم"(٤)؛ فالإثم كلمةٌ جامعةٌ للشرِّ(٥) والعيوبَ التي يُذَمُّ العبدُ عليها(٦).فيدخل في مسمى البرِّ الإيمان وأجزاؤه الظاهرة والباطنة، ولا ريبَ أن التّقوى جزءُ هذا المعنى، وأكثر ما يُعبرُ بالبِرِّ عن(٧) بِرِّ القلب، وهو وجود طَعْمِ الإيمان [فيه](٨) وحَلاوته، وما يلزم ذلك من طمأنينته وسلامتِه وانشراحِه وقوته وفَرحِه بالإيمان، فإن للإيمان(١) في ط: "لمنافعه". وفي سائر النسخ: "منافعه كثيرة".(٢) "والأبرار" ساقطة من سائر النسخ.(٣) زيادة من ط وسائر النسخ.(٤) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٤/ ٢٢٨) والدارمى (٢٥٣٦) من حديث وابصة بن معبد. أما حديث النواس بن سمعان، ففيه: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال: "البر حسنُ الخلق، والإثم ما حاكَ في صدرك، وكرهتَ أن يطلعَ عليه الناس". أخرجه مسلم (٢٥٥٣).(٥) ط: "للشرور".(٦) في بعض النسخ: "يذم بها".(٧) ط: "يعبر عن" وسائر النسخ: "يعبر عنه" بحذف "بالبر".(٨) زيادة من ط وسائر النسخ.
فرحةً وحلاوةً ولَذَاذَةً(١) في القلب، فمن لم يَجِدْها فهو فاقدٌ للإيمان(٢) أو ناقصُه، وهو من القسم الذين(٣) قال الله عز وجل فيهم: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}(٤).فهؤلاء -على أصح القولين- مسلمون غير منافقين، وليسوا بمؤمنين(٥)، إذ لم يدخل الإيمان في قلوبهم؛ فيباشرها حقيقته(٦).وقد جمعَ [الله](٧) تعالى خصالَ البرِّ في قوله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)}(٨).فأخبر سبحانه أن البرَّ هو الإيمان به(٩)، وبملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وهذه هي أصول الإيمان الخمس(١٠) التي لا قِوامَ للإيمان إلا بها.(١) ط وسائر النسخ: "لذة".(٢) ط: "فاقد الإيمان".(٣) ط: "الذي".(٤) سورة الحجرات: ١٤.(٥) ر، ش: "مؤمنين".(٦) ط: "حقيقة".(٧) من ط، ق.(٨) سورة البقرة: ١٧٧.(٩) ط: "بالله".(١٠) ق، ر: "الخمسة". وسقطت من د.
وأنه(١) الشرائع الظاهرة: من إقَامِ(٢) الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنفقات الواجبة.وأنه(٣) الأعمال القلبية(٤) التي هي حقائقُه(٥)؛ من الصبر والوفاء بالعهد.فتناولَتْ هذه الخصال جميعَ أقسام الدين: حقائقه وشرائعه، والأعمال المتعلقة بالجوارح وبالقلب(٦)، وأصول الإيمان الخمس.ئم أخبر سبحانه أن هذه(٧) خصالُ التقوى بعينها، فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)}.وأما التقوى فحقيقتها العملُ بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا(٨) فيفعل ما أمره الله به إيمانًا بالأمر، وتصديقًا بموعدِه(٩)، ويتركُ ما نهى الله عنه إيمانًا بالنهي، وخوفًا من وعيدِه.كما قال طَلْقُ بن حَبِيب: "إذا وقعتِ الفتنةُ فادفعوها(١٠) بالتقوى"،(١) ط: "وأنها".(٢) ط: "إقامة".(٣) ط: "وأنها".(٤) في سائر النسخ: "الصالحة".(٥) في سائر النسخ: "حقائق".(٦) ط وسائر النسخ: "والقلب".(٧) ط: "عن هذه أنها هي". سائر النسخ: "هذه هي".(٨) ط وسائر النسخ: "أو نهيا".(٩) ط: "بوعده".(١٠) ط: "فاطفؤها".
قالوا: وما التقوى؟ قال: "أن تعملَ بطاعةِ الله على نور من الله، ترجو ثوابَ الله، وأن تتركَ معصية اللهِ على نور من الله، تخاف عقاب(١) الله".(٢)وهذه(٣) من أحسنِ ما قيل في حَدِّ التقوى(٤)، فإن كلَّ عمل لابدَّ له من مبدأ وغاية، فلا يكون العملُ طاعةً وقُرْبةً حتى يكون مصدرُه عن الإيمان، فيكون الباعثُ عليه هو الإيمان المحض، لا العادةُ ولا الهوى ولا طلبُ المَحْمَدَةِ والجاهِ وغير ذلك، بل لابدَّ أن يكون مبدؤه محض الإيمان، وغايته ثوابَ الله تعالى، وابتغاءَ مرضاتِه، وهو الاحتساب.و [لهذا](٥) كثيرا ما يُقْرَنُ بين هذين الأصلين في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا" و"من قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا"(٦)، ونظائره.(١) ق، د: "عذاب".(٢) أخرج هذا الأثر: ابن المبارك في الزهد (ص ٤٧٣) وهناد في الزهد (١/ ٢٩٦) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٤) والبيهقي في الزهد (رقم ٩٦٣) وغيرهم، وإسناده صحيح.(٣) ط: "وهذا".(٤) قال الذهبي في "السير" (٤/ ٦٠١) تعليقًا على هذا القول: أبدعَ وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بتَروٍّ من العلم والاتباع. ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله. لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفًا من الله، لا ليُمدَح بتركها. فمن داومَ على هذه الوصية فقد فاز.(٥) من ط وسائر النسخ.(٦) قطعتان من حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (١٩٠١ ومواضع أخرى) ومسلم (٧٦٠).
فقوله: "على نورِ من الله" إشارة إلى الأصل الأول، وهو الإيمان الذي هو مصدرُ العملِ، والسببُ الباعث عليه.وقوله: "ترجو ثوابَ الله" إشارة إلى الأصل الثاني، وهو الاحتساب، وهو الغاية التي لأجلها يوقع(١) العملُ، ولها يُقْصَدُ به.ولا ريبَ أن هذا جامعٌ(٢) لجميع أصول الإيمان وفروعه، وأن البرَّ داخل فى هذا المسمى.وأما عند اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} فالفرقُ بينهما فرق بين السَّبَب المقصودِ لغيره والغايةِ المقصودةِ لنفسِها؛ فإن البرَّ مطلوب لذاتِه، إذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاحَ له بدونه، كما تقدَّم.وأما التقوى فهي الطريق الموصِلةُ(٣) إلى البرِّ، والوسيلةُ إليه، ولفظُها يدلُّ على هذا؛ فإنها فَعْلى من وَقَى يَقِيْ، وكان أصلُها وَقوَى، فقَلَبوا الواو تاء، كما قالوا: تُرَاث من الوراثة، وتُجَاه من الوجه، وتُخَمَة من الوخم(٤)، ونظائرهُ(٥)، فلفظُها دالٌ على أنها من الوقاية، فإن المُتَّقِيَ قد جعلَ(٦) بينه وبين النار وِقاية، فالوقايةُ من(١) ط: "وقع".(٢) ط: "اسم".(٣) ط: وسائر النسخ: "الموصل".(٤) ط: "الوخمة".(٥) ط: "نظائرها".(٦) في بعض النسخ: "يجعل".
باب دفع الضرر، والبرُّ من باب تحصيلِ النفع(١)، فالتقوى كالحِمْيَةِ(٢)، والبرُّ كالعافية والصحة.وهذا بابٌ شريفٌ يُنتَفَعُ به انتفاعٌ عظيمٌ(٣) في فهم ألفاظ القرآن ودلالتِه، ومعرفةِ حدودِ ما أنزل الله على رسوله؛ فإنه هو العلم النافع، وقد ذمَّ سبحانَه(٤) في كتابه من ليس له علم بحدود ما أنزله(٥) على رسوله. فإن عدمَ العلمِ بذلك مستلزم مفسدتين عظيمتين:إحداهما(٦): أن يدخل في مسمَّى اللفظ ما ليس منه؛ فيُحكَم له بحكم المراد من اللفظ؛ فيُسَوَّى(٧) بين ما فرقَ الله بينهما.والثانية: أن يخرج من مُسَمَّاه(٨) بعضُ أفرادِه الداخلةِ تحتَه؛ فيُسْلَب عنه حكمُه؛ فيفرَّق بين ما جمعَ الله بينهما.والذّكيُّ الفَطِنُ يَتَفَطَّن لأفراد هذه القاعدةِ وأمثلتِها(٩)، فيَرى أن(١) "والبر. . . النفع" ساقطة من ط.(٢) "كالحمية" ساقطة من ط. ووقع في سائر النسخ اضطراب بعد "نظائره" أفسد المعنى.(٣) ط: "انتفاعًا عظيما".(٤) ط: "الله تعالى".(٥) ط: "أنزل الله".(٦) في الأصل وبعض النسخ: "أحدهما"، والمثبت من ط.(٧) ط: "فيساوي".(٨) ط: "مسمى".(٩) ط: "أمثالها".
كثيرًا من الاختلاف أو أكثرهُ إنما نَشَأَ عن(١) هذا الموضع، وتفصيلُ هذا لا يَفِيْ به كتابٌ ضخم.ومن هذا لفظُ "الخمر"؛ فإنه اسم شامل لكل مُسكِر، فلا يجوز إخراجُ بعض المسكراتِ منه، ويُنفَى عنها(٢) حكمه.وكذلك لفظُ "الميسر"، وإخراج بعض أنواع القِمارِ منه.وكذلك لفظُ "النكاح"، وإدخال ما ليس بنكاح في مسمَّاه.وكذلك لفظ "الربا"، وإخراج بعض أنواعه منه، وإدخال ما ليس برِبًا فيه.وكذلك لفظُ "الظلم والعدل"، و"المعروف والمنكر"، ونظائره أكثر من أن تُحصى(٣).والمقصودُ أن المقصودَ من اجتماع الناس وتعاشُرِهم التعاونُ على البر والتقوى؛ فيُعِيْن كلّ واحد صاحبَه على ذلك علما وعملا. فإنَّ العبدَ وحدَه لا يَستقلّ بعلمِ ذلك ولا بالقدْرَةِ عليه، فاقتضتْ حكمةُ الربِّ سبحانَه أن جعل النوعَ الإنساني قائمًا بعضه ببعضٍ(٤)،(١) ط: "ينشأ من".(٢) في سائر النسخ: "ينتفى عنه".(٣) في الأصل: "يحصى". والمثبت من ط وسائر النسخ. وانظر الكلام على هذه الأسماء في "قاعدة في الأسماء التي علَّق الله بها الأحكام" لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٣٥ - ٢٥٩)، وراجع أيضًا (٧/ ١٦٢ - ١٦٩).(٤) ط: "ببعضه".
معينًا بعضه لبعض.ثم قال تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.والإثم والعدوان في جانب النهي نظيرُ البرِّ(١) والتّقوى في جانب الأمر.والفرق ما بين الإثم والعدوان فوق ما بين محَرَّمِ الجِنْس ومُحَرَّم القَدْر(٢).فالإثم: ما كان حرامًا لجنسه.والعدوان: ما حُرِّمَ الزيادة(٣) في قَدْره، وتعدِّي ما أباحَ الله منه.فالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، ونحوها إثم. ونكاح الخامسة، واستيفاءُ المجْنيِّ عليه أكثرَ من حقه، ونحوه عُدْوان.فالعدوان هو تَعَدِّي حدود الله(٤) التي قال فيها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)}.(٥) وقال في موضع آخر: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}(٦). فنهى عن تعدّيها في آية، وعن قُرْبانها في آية. وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلةُ(١) في الأصل: "كالبر". والمثبت من ط وسائر النسخ.(٢) انظر كلام المؤلف في الفرق بينهما في "مدارج السالكين" (١/ ٣٦٨ - ٣٧١).(٣) ط: "لزيادة".(٤) في سائر النسخ: "حدود ما أنزل الله".(٥) سورة البقرة: ٢٢٩.(٦) سورة البقرة: ١٨٧.
بين الحلال والحرام، ونهاية الشيء تارةً تدخل فيه فتكون منه، وتارة لا تكون داخلةً فيه فيكون لها حكم مقابلِه(١). فبالاعتبار الأول نَهَى عن تعدِّيها، وبالاعتبار الثاني نَهَى(٢) عن قربانها.فصلفهذا حكمُ العبدِ فيما بينه وبين الناس، وهو أن تكون مخالطته لهم تعاونًا على البر والتَّقوى، علمًا وعملًا.وأما حالُه فيما بينَه وبينَ الله تعالى: فهو إيثارُ طاعتِه، وتجنُّب معصيتِه، وهو قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ}.فأرشدت الآيةُ إلى ذكرِ واجبِ العبدِ بينَه وبينَ الخلق، وواجبِهِ(٣) بينَه وبينَ الحقّ.ولا يتمُّ الواجب الأول(٤) إلا بعَزلِ نفسِه من الوسطِ، والقيامِ بذلك لمحض النصيحة والإحسانِ ورعايةِ الأمر.ولا يَتِمُّ له أداء الواجب الثاني إلا بعَزْلِ الخلقِ من البَيْنِ، والقيامِ به لله(٥) إخلاصًا ومحبةً وعُبودية.(١) ط: "المقابلة".(٢) "نهى" ساقطة من ط.(٣) في بعض النسخ: "وواجب".(٤) "الأول" ساقطة من ط.(٥) ط: "له بالله".
فينبغي التّفطُّنُ لهذه الدَّقيقة التي كلُّ خللٍ يدخلُ على العبد في أداء هذين الواجبين(١) إنما هو من عدمِ مراعاتِها علمًا وعملًا.وهذا هو(٢) معنى قول الشيخ عبد القادر قدَّسَ الله روحَه: "كنْ مع الحقّ بلا خَلْق، ومع الخلق بلا نَفْس، ومن لم يكن كذلك لم يزل في تخبيط، ولم يزل أمره فُرطًا"(٣).والمقصود بهذه المقدمة ذِكرُ(٤) ما بعدها.فصللما فَصَلَتْ عِيْرُ السَّيْر(٥)، واستوطنَ المسافر دارَ الغُربةِ، وحِيْلَ بينه وبينَ مَأْلوفاته وعوائدِه المتعلقة بالوطنِ ولوازمِه، أحدثَ له ذلك نظرًا آخر(٦)؛ فأجالَ فِكْرَه في أهمِّ ما يَقطَعُ به منازلَ سفرِه(٧) إلى الله ويُنفِقُ فيه بقيةَ عمره، فأرشدَه مَن بيدِه الرشد إلى أن أهمَّ شيء يَقصِده إنما هو الهجرة إلى الله ورسوله، فإنها فرضُ عينٍ(٨)(١) ط: "الأمرين الواجبين".(٢) "هو" ساقطة من ط.(٣) انظر "الكواكب السائرة" (٣/ ١١٥). وفيه ذكر بعض من نظم في هذا المعنى.(٤) "ذكر" ساقطة من ط.(٥) ط: "فصل عير السفر".(٦) "آخر" ساقطة من ط.(٧) ط: "السفر".(٨) في الأصل: "معين"، والمثبت من ط وسائر النسخ.
على كلِّ أحد في كلِّ وقت، وأنه لا انفكاكَ لأحد من وجوبها، وهي مطلوبُ الله ومراده من العباد، إذ الهجرة هجرتان:هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، وليس المرادُ الكلامَ فيها.والهجرة الثانية هجرةٌ(١) بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة(٢) هنا. وهذه الهجرةُ هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسدِ تابعةٌ لها، وهي هجرة تتضمنُ "من" و"إلى":فيهاجرُ بقلبه من محبة غير الله إلى محبته.ومن عبوديةِ غيره إلى عبوديته.ومن خوفِ غيرِه ورجائِه والتوكلِ عليه إلى خوفِ الله ورجائِه والتوكلِ عليه.ومن دعاء غيرِه وسؤالِه والخضوع له والذُّلِّ له(٣) والاستكانةِ له إلى دُعاءِ ربِّه(٤) وسؤالِه والخضوعِ له والذلِّ والاستكانةِ له(٥).وهذا هو(٦) بعينه معنى الفرار إليه، قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}(٧). فالتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه.(١) ط: "الهجرة".(٢) في الأصل: "المقصود". والمثبت من ط وسائر النسخ.(٣) "له" ساقطة من ط.(٤) ط: "دعائه".(٥) "إلى دعاء. . . الاستكانة له" ساقطة من سائر النسخ.(٦) "هو" ساقطة من ط.(٧) سورة الذاريات: ٥٠.