إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: الرقائق والآداب والأذكار الكتاب: إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٥)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)حققه: محمد عزير شمسخرج أحاديثه: مصطفى بن سعيد إيتيمراجعه: سليمان بن عبد الله العمير - محمد أجمل الإصلاحي الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الثالثة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
إغاثة اللهفانلابن القيم تحقيقمحمد عزير شمس
بسم الله الرحمن الرحيمربِّ يسِّر وأعنْ(١)الحمدُ لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله، وأنار قلوبَهم بمشاهدِ(٢) صفاتِ كماله، وتعرّف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله، فعلموا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل هو كما وصف به نفسَه وفوق ما يصفه به أحدٌ من خلقه في إكثاره وإقلاله، لا يُحصي أحدٌ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه على لسان مَن أكرمهم بإرساله؛ الأول الذي ليس قبله شيء، والآخِر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، والباطن الذي ليس دونه شيء، ولا يحجُب المخلوقَ عنه تستُّرُه بسِرْباله، الحي القيوم، الواحد الأحد، الفرد الصمد، المنفرد بالبقاء، وكل مخلوق مُنْتَهٍ إلى زواله، السميع الذي يسمع ضجيجَ الأصوات باختلاف اللغات على تفنُّن الحاجات، فلا يَشْغَلُه سمعٌ عن سمع، ولا تُغلّطه المسائل، ولا يتبرّم من إلحاح المُلِحّين في سؤاله، البصير الذي يرى دبيبَ النملة السوداء على الصخرة الصَّمَّاء في الليلة الظّلماء حيث كانت من سهله أو جباله، وألطفُ من ذلك رؤيته لتقلُّب قلب عبده، ومشاهدتُه لاختلاف أحواله؛ فإن أقبل إليه تلقَّاه، وإنما إقبالُ العبد عليه من إقباله، وإن أعرض عنه لم يَكِلْهُ إلى عدوِّه ولم يَدَعْهُ في إهماله، بل يكون(١) كذا في الأصل وظ. وفي م: "وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت". وفي ش: "وبه نستعين، ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا. وصلى الله على نبينا محمد وآله".(٢) في بقية النسخ: "بمشاهدة".
أرحمَ به من الوالدة بولدها الرفيقةِ به في حمله ورضاعه وفصاله(١)، فإن تاب فهو أفرحُ بتوبته من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدَوِّيَّة المُهْلِكَة إذا وجدها، وقد تهيَّأ لموته وانقطاع أوصاله(٢)،وإن أصرَّ على الإعراض، ولم يتعرض لأسباب الرحمة، بل أصرَّ على العصيان في إدباره وإقباله، وصالحَ عدوَّه وقاطعَ سيدَه، فقد استحق الهلاك، ولا يَهلِك على الله تعالى إلا الشقيُّ الهالك لعِظَم رحمته وسعة إفضاله.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا فردًا صمدًا، جلَّ عن الأشباه والأمثال، وتقدَّس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال، لا مانعَ لما أعطى ولا مُعطيَ لما منع، ولا رادَّ لحكمه ولا معقِّبَ لأمره، {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: ١]وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائم له بحقه، وأمينُه على وحيه وخِيَرتُه من خلقه، أرسله رحمةً للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحسرةً على الكافرين، وحجةً على العباد(٣) أجمعين، بعثَه على حينِ فترةٍ من الرسل، فهدى(٤) به إلى أقوم الطُّرُق(٥) وأوضح السُّبُل(٦)؛ وافترض على العباد(١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤) عن عمر بن الخطاب. وفيه: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها".(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٦٣٠٨) ومسلم (٢٧٤٤) عن ابن مسعود ..(٣) ش: "العالمين".(٤) ش: "فهداهم".(٥) ش: "الطريق".(٦) ش، ظ: "السبيل".
طاعتَه ومحبته، وتعظيمَه وتوقيره والقيامَ بحقوقه، وسدَّ إلى جنته جميعَ الطرق؛ فلم يفتحْ لأحدٍ إلا من طريقه، فشرح له صدره، ووضع عنه وِزرَه، ورفع له ذِكْره، وجعل الذِّلَّة والصَّغار على من خالف أمره(١)، وأقسم بحياته في كتابه المبين(٢) وقرنَ اسمَه باسمه؛ فلا يُذكر إلا ذُكر معه، كما في التشهد والخُطَب والتأذين.فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائمًا بأمر الله تعالى، لا يردُّه عنه رادٌّ، مشمِّرًا في مرضاة الله تعالى، لا يصدُّه عن ذلك صادٌّ، إلى أن أشرقتِ الدنيا برسالته ضياءً وابتهاجًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا أفواجًا، وسارت دعوتُه مسيرَ الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيّم ما بلَغ الليل والنهار، ثم استأثر الله تعالى به ليُنجِز له ما وعده به في كتابه المبين، بعد أن بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، وأقام الدين، وترك أمته على البيضاء الواضحة البينة للسالكين، وقال: {هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: ١٠٨].أما بعد، فإن الله سبحانه وتبارك وتعالى لم يخلق خلقه سُدًى مُهمَلًا(٣)، بل جعلهم مَوْرِدًا للتكليف، ومحلًّا للأمر والنهي، [٢ أ] وألزمَهم فَهْمَ ما أرشدهم إليه مجملًا ومفصَّلًا، وقسَّمهم إلى شقي وسعيد، وجعل لكل واحد من الفريقين منزلًا، وأعطاهم موادَّ العلم والعمل: من القلب، والسمع،(١) كما في الحديث الذي أخرجه أحمد (٢/ ٥٠، ٩٢)، وأبو داود (٤٠٣١) عن ابن عمر.(٢) في قوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: ٧٢].(٣) في بعض النسخ: "هملًا".
والبصر، والجوارح، نعمةً منه وتفضُّلًا؛ فمن استعمل ذلك في طاعته، وسلك به طريقَ معرفته على ما أرشد إليه ولم يَبْغِ عنه عُدولًا، فقد قام بشكر ما أُوتيَه من ذلك، وسلك به إلى مرضاة الله سبيلًا، ومن استعمله في إرادته وشهواته ولم يَرْعَ حق خالقه فيه، تحسَّر(١) إذا سُئل عن ذلك، وحزن حزنًا طويلًا؛ فإنه لا بدَّ من الحساب على حق هذه الأعضاء؛ لقوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: ٣٦].و لما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود، الذي تَصدُر كلُّها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الإقامة والزيغ، وتتَّبعه فيما يعقده من العزم أو يُحلُّه، قال النبى صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في الجسد مُضْغَةً؛ إذا صَلَحَتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله"(٢)، فهو مَلِكها، وهى المنفِّذة(٣) لما يأمرها به، القابلة لما يأتيها(٤) من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدُر عن قصده ونيته، وهو المسؤول عنها كلها؛ لأن كل راعٍ مسؤولٌ عن رعيته(٥) = كان(٦) الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون، والنظرُ في(١) في الأصل: "يخسر" تصحيف.(٢) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير. والفقرة الأخيرة من الحديث ساقطة من الأصل وم.(٣) ش: "المنقادة".(٤) م: "يتهيأ".(٥) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٨٩٣)، ومسلم (١٨٢٩) عن ابن عمر.(٦) جواب: "لما" في أول الفقرة.
أمراضه وعلاجها أهمَّ ما تنسَّك(١) به الناسكون.ولمَّا علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه؛ أجلبَ عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزيَّن له من الأحوال(٢) والأعمال ما يصدُّه به عن الطريق، وأمدَّه من أسباب الغَيّ بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصبَ له من المصايد والحبائل ما إن سَلِم من الوقوع فيها لم يَسلَمْ من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة(٣) بالله تعالى، والتعرُّضِ لأسباب مرضاته، والْتِجَاءِ القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته، والتحقُّق بِذُلِّ العبودية الذي هو أولى ما تلبَّس به الإنسان ليحصل له الدخول في ضمانِ {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: ٤٢]؛ فهذه الإضافة هي القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها بسبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب بإخلاص(٤) العلم ودوام اليقين، فإذا أُشرب القلبُ العبوديةَ والإخلاص صار عند الله من المقربين، وشَمِلَه استثناءُ {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: ٤٠].ولمَّا منَّ الله الكريم بلطفه بالاطِّلاع على ما أَطْلَعَ عليه من أمراض القلوب وأدوائها، وما يَعرِض لها من وساوس الشياطين أعدائها، وما تُثْمِرُها(٥) تلك(١) في الأصل: "يتنسك". والمثبت من سائر النسخ.(٢) ظ: "الأقوال".(٣) م: "الاستغاثة".(٤) في الأصل: "إخلاص". والمثبت في سائر النسخ.(٥) ح: "تثمر".
الوساوس من الأعمال، وما يكتسب القلبُ بعدها من الأحوال، فإن العمل السيئ مصدره عن فساد قصد القلب، ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة، فيزداد مرضًا على مرضه حتى يموت، ويبقى لا حياة فيه ولا نور له، وكل ذلك من انفعاله(١) لوسوسة الشيطان، وركونه إلى عدوه الذي لا يفلح إلَاّ من جاهره بالعصيان =أردتُ أن أقيِّد ذلك في هذا الكتاب؛ لأستذكره معترفًا فيه لله بالفضل والنعمة(٢)؛ وينتفع به من نظر فيه داعيًا لمؤلفه بالمغفرة والرحمة(٣)، وسميته "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان"، ورتَّبته ثلاثة عشر بابًا:الباب الأول: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت.الباب الثاني: في ذكر حقيقة مرض القلب [٢ ب].الباب الثالث: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبعية وشرعية.الباب الرابع: في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه.الباب الخامس: في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مُدرِكًا للحق، مريدًا له، مُؤْثِرًا له على غيره.الباب السادس: في أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاحَ إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحبَّ إليه من كل ما سواه.(١) م: "افعاله". وهو تصحيف.(٢) ح: "الإحسان".(٣) زيد بعدها في ح: "والرضوان".
الباب السابع: في أن القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه.الباب الثامن: في زكاءِ القلب.الباب التاسع: في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه.الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته.الباب الحادي عشر: في علاج مرض(١) القلب من استيلاء النفس عليه.الباب الثاني عشر: في علاج مرض القلب بالشيطان.الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم.وهو الباب الذي لأجله وُضِعَ الكتاب، وفيه فصول جَمَّةُ الفوائد حسنة المقاصد.والله تعالى يجعله خالصًا لوجهه، مؤمِّنًا من الكَرّة الخاسرة، وينفع به مصنفه وكاتبه، والناظر فيه في الدنيا والآخرة، إنه سميع عليم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.(١) "مرض"ساقطة من الأصل.
الباب الأولفي انقسام القلوب إلى صحيحٍ وسقيمٍ ومَيّتٍلما كان القلب يوصف بالحياة وضدِّها، انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة:فالقلب الصحيح هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، والسليم هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطويل والقصير والظريف.فالسليم: القلب الذي قد صارت السلامة صفةً ثابتة له، كالعليم والقدير، وأيضًا فإنه ضد المريض والسقيم والعليل.وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمرُ الجامع لذلك: أنه الذي قد سَلِمَ من كل شهوة تخالف أمرَ الله ونهيَه، ومن كل شبهةٍ تُعارِض خبره، فسَلِم من عبودية ما سواه، وسَلِم من تحكيم غير رسوله؛ فسلِم من محبة غير الله معه، ومن خوفه ورجائه(١) والتوكلِ عليه، والإنابة إليه، والذلِّ له، وإيثارِ مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلُح إلا لله وحده.فالقلب السليم هو الذي سَلِمَ من أن يكون لغير الله فيه شركٌ(٢) بوجهٍ(١) ح: "فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه".(٢) ش: "شريك".
ما، بل قد خلصتْ عبوديته لله تعالى: إرادةً، ومحبةً، وتوكلًا، وإنابةً، وإخباتًا، وخشيةً، ورجاءً، وخلصَ عملُه لله، فإن أحبَّ أَحَبَّ في الله، وإن أبْغضَ أبْغضَ في الله، وإن أعْطَى أعطى لله، وإن مَنَع منع لله(١). ولا يكفيه هذا حتى يَسْلَم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله صلى الله عليه وسلم، فيَعقِد قلبَه معه عقدًا محكمًا على الائتمام والاقتداء به وحدَه دون كل أحد، في الأقوال والأعمال: أقوال القلب وهي العقائد؛ وأقوال اللسان وهي الخبر عما في القلب؛ وأعمال القلب، وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها؛ وأعمال الجوارح، فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دِقّه وجِلّه هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول [٣ أ] ولا عمل، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: ١] أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر.قال بعض السلف: ما من فَعلةٍ وإن صغُرت إلا يُنشر لها ديوانان: لِمَ؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟فالأول سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا، من محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودُّد والتقرُّب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟ومحلُّ هذا السؤال: أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك؟! أم(١) أشار المؤلف إلى حديث أخرجه أبو داود (٤٨٦١) عن أبي أمامة، وهو حديث حسن.
فعلته لحظك وهواك؟والثاني سؤال عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك التعبد؛ أي: هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي؟ أم كان عملًا لم أشرعه ولم أرْضَهُ؟فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة؛ فإن الله سبحانه لا يقبل عملًا إلا بهما.فطريق التخلُّص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص.وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادة تُعارِض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع.فهذه حقيقة سلامة القلب الذي ضمِنتْ له النجاة والسعادة.فصلوالقلب الثاني ضِدُّ هذا، وهو القلب الميت الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقفٌ مع شهواته ولذاته(١)، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى ــ إذا فاز بشهوته وحظه ــ رضي ربُّه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبًّا(٢)، وخوفًا، ورجاءً، ورضًا، وسخطًا، وتعظيمًا، وذلًّا، إن أحَبَّ أحَبَّ لهواه، وإن أبغض أبغضَ لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه، فهواه آثَرُ عنده وأحب إليه من رضا مولاه؛ فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائسه، والغفلة(١) الأصل، م، ش: "وإراداته" والمثبت من ظ، ث، ح.(٢) ش: "حياء".
مركبه، فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية معمور، وبسكرة الهوى وحبِّ العاجلة مغمور، يُنادَى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح ويتّبع كل شيطان مريد؛ الدنيا تُسخطه وتُرضيه، والهوى يُصِمُّه عما سوى الباطل ويُعميه؛ فهو في الدنيا كما قيل في ليلى:عَدُوٌّ لِمَنْ عَادَتْ وَسِلْمٌ لأهْلِهَا … وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبَّ وَقَرَّبَا(١)فمخالطة صاحب هذا القلب سُقْمٌ، ومعاشرته سُمٌّ، ومجالسته هلاك.فصلوالقلب الثالث قلبٌ له حياة وبه علّة؛ فله مادتان، تَمُدُّه هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لِمَا غلب عليه منهما، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات، وإيثارها، والحرص على تحصيلها، والحسد، والكِبْر، والعُجْب، وحب العلوّ(٢) في الأرض بالرياسة: ما هو مادة هلاكه وعَطَبِهِ، وهو مُمتحَنٌ بين داعيين: داعٍ يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة(٣)، وداعٍ يدعوه إلى العاجلة، وهو إنما يجيب أقربهما منه بابًا، وأدناهما إليه جوارًا.فالقلب الأول حيٌّ مُخْبِتٌ(٤) ليِّنٌ واعٍ.والثاني يابسٌ ميتٌ.(١) البيت ضمن أبيات في «الأغاني» (٨/ ٢١٦) بلا نسبة. قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: الحاشية ليست (هكذا) في المطبوع. وتم التصويب من الأصل الوارد من «عطاءات العلم» جزاهم الله خيرا(٢) ح: "الفساد".(٣) الأصل: "الأخرى" والمثبت في سائر النسخ.(٤) ش: "مجيب".
والثالث مريض؛ فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العَطَب أدنى.وقد جمع الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ [٣ ب] مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: ٥٢ ـ ٥٤].فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب في هذه الآيات ثلاثة: قلبين مفتونين، وقلبًا ناجيًا، فالمفتونان: القلب الذي فيه مرض، والقلب القاسي، والناجي: القلب المؤمن المخبت إلى ربه؛ وهو المطمئن إليه، الخاضع له، المستسلم المنقاد.وذلك أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحًا سليمًا لا آفة له، ليتأتى منه ما هُيِّئ له وخُلِق لأجله؛ وخروجُه عن الاستقامة إما بيُبسِه وقساوته، وعدم التأتِّي لما يراد منه؛ كاليد الشلَّاء، واللسان الأخرس، والأنف الأخشم، وذَكَر العِنِّين، والعين التي لا تبصر شيئًا؛ وإما بمرض وآفة فيه تمنعه من كمال هذه الأفعال، ووقوعها على السداد. فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلاثة:فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق، تام الانقياد والقبول له.
والقلب الميت القاسي: لا يقبله ولا ينقاد له.والقلب المريض: إن غلب عليه مرضُه التحق بالميت القاسي، وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم.فما يلقيه الشيطان في الأسماع من الألفاظ، وفي القلوب من الشُّبه والشكوك: فتنةٌ لهذين القلبين، وقوة للقلب الحي السليم؛ لأنه يردُّ ذلك ويكرهه ويبغضه، ويعلم أن الحق في خلافه، فيُخبِت للحق(١) ويطمئن وينقاد، ويعلم بطلان ما ألقاه الشيطان، فيزداد إيمانًا بالحق ومحبة له، وكفرًا بالباطل وكراهة له؛ فلا يزال القلب المفتون في مِرْية من إلقاء الشيطان. وأما القلب الصحيح السليم فلا يضره ما يلقيه الشيطان أبدًا.قال حُذيفة بن اليمان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلَى القلُوبِ كعَرْض الحصِيرِ عُودًا عُودًا، فأَيُّ قَلْبٍ أُشرِبَها نُكِتَتْ فِيه نُكتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْب أنْكَرهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حتّى تَعُودَ القُلوبُ عَلَى قَلْبين: قَلْبٍ أَسْوَد مُرْبَادًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ معرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا؛ إِلّا مَا أُشْرِبَ منْ هَوَاهُ، وَقلبٍ أبْيض مثل الصفا، لا تضرُّهُ فِتْنةٌ مَا دَامَتِ السَّماواتُ وَالأرْضُ"(٢).فشبَّه عرض الفتن على القلوب شيئًا فشيئًا؛ كعرض عيدانِ الحصير ــ وهى طاقاتها ــ شيئًا فشيئًا، وقسَّم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين:قلب إذا عُرضت عليه فتنة أُشْرِبها، كما يشرب السِّفِنْج الماء، فتُنكَت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يُشرب كل فتنة تعرض عليه، حتى يسودّ وينتكس، وهو معنى قوله: "كالكوز مُجَخِّيًا"؛ أي مكبوبًا منكوسًا، فإذا اسودَّ وانتكس(١) في الأصل بعده زيادة: "قلبه".(٢) أخرجه مسلم (١٤٤).