التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب (صدر الأفاضل الخوارزمي) القسم: النحو والصرف الكتاب: شرح «المفصل في صنعة الإعراب، للزمخشري» الموسوم بـ «التخمير»المؤلف: صدر الأفاضل القاسم بن الحسين الخوارزمي (٥٥٥ - ٦١٧ هـ)المحقق: د عبد الرحمن بن سليمان العثيمين [ت ١٤٣٦ هـ](جامعة أم القرى - مكة المكرمة) الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٩٩٠ معدد الأجزاء: ٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمالحمد لله وحده والصلاة والسلام على محمد خير خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا دائمًا إلى يوم الدين.أما بعد:فقد رأيت كتاب (المفصل في صنعة الإِعراب) لأبي القاسم الزمخشري من أحسن كتب التراث النحوي المختصرة المفيدة فأردت أن تكون دراستي هذه حول هذا الكتاب فاخترت شرح الخوارزمي المعروف بكتاب: "التخمير" وذلك لأسباب منها:أولًا: أن الخوارزمي من البيئة التي أنجت الزَّمخشري مؤلف الكتاب الأصلي فهو من أقدر الناس على فهم مقاصده، ومراميه.ثانيًا: أن المؤلف يحرص كل الحرص على توضيح عبارة المؤلف بالرجوع إلى نسخ متعددة من الكتاب ومنها نسخة المؤلف نفسه ونسخ تلاميذه ويصحح بعض الألفاظ مما سمع عن المؤلف.ثالثًا: أن مؤلف الكتاب صدر الأفاضل الخوارزمي من النحاة المغمورين فأردت أن أعرف به وبفكره وعلمه لكي يستفاد من دراساته وآرائه الجيدة النافعة.وقد صدرت الكتاب بدراسة قسمتها إلى ثلاثة فصول:الفصل الأول: تحدثت فيه عن حياة المؤلف ومؤلفاته وشعره.
الفصل الثاني: تحدثت فيه عن كتاب (المفصل) وعناية العلماء به وشرحهم له.الفصل الثالث: تحدثت فيه عن كتاب (التَّخمير) ضبط اسمه، وأجزائه وزمن تأليفه؛ ومصادره وشواهده.ثم تحدثت عن أثره فيمن بعده ومنهج المؤلف فيه وآرائه الخاصة وردود العلماء عليه ومخالفاته للزمخشري ثم بعد ذلك تحدثت عن منهجه وموقفه من مسائل الخلاف. وعقدت مقارنة بشرح الأندلسي؛ لأنه أوسع شروح المفصل، ومقارنة أخرى بشرح ابن يعيش، لأنه أشهرها .. أما المنهج الذي سرت عليه في تحقيق النص فقد أوضحته في مبحث خاص تحت عنوان؛ (عملي في التحقيق) كما سيأتي.والله أسأل أن يوفقنا للصواب.ويجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم … !!!.وكتبه الفقير إلى الله تعالىعبد الرحمن بن سليمان العثيمينمكة المكرمة: ٢١/ ٧/ ١٤٠٢
القِسمُ الأولمؤلّف الكتَابْصَدْر الأفَاضِل الخوَارزمي(٥٥٥ - ٦١٧ هـ)حَيَاته وَآثَاره وَكتَابه "التخمير"وفيه ثلاثة فصول:
ثَلَاثُ الأَثَافِي والرُّسُومُ البَلَاقِعُقالَ المُشَرِّحُ: إدخالُ اللَّام على المُضَافِ إضافةً مَعنَوِيّةً لا يَجُوزُ، عَدَدًا كان أو غير عَدَدٍ، كما ذكرناه من المعنى، وفيما افتَخَرَ به البَصريُّون على الكُوفِيّين نحنُ أَخذنا اللُّغةَ عن حَرَشَةِ الضِّباب، وأكَلَةِ اليَرَابِيعِ وأنتم أخذتُمُوها من أكلةِ الشَّواذي، وباعةِ الكَوامِيخ، فإن سألتَ: أيُّ احتجاجٍ فيما أَنشَدَ من البَيتين؟ وهذا لأنَّ الكوفيين يُجيزُون تجريدَ المضافِ عن اللَّامِ في فصلِ العَدَدِ كما في غيرِه. أجبتُ: لأنَّ المقامَ مقامُ تعريفٍ باللّام، وأنَّه لم يُعرَّف المضافُ باللّام، فَدَلَّ على أنَّ المضافَ في فصل العَدَدِ بدون اللَّام، والذي يَدُلّ على أنَّ المَقَامَ مقامُ تعريفٍ باللّامِ أنَّ المعنَى فسما فأدرَكَ القَبرَ(١) الذي هو خمسةُ أشبارٍ(٢). وكذلك المعنى في قوله: ثلاثُ الأثافِي، الثَّلاثُ من الأَثافي. وأنا لا أستَبعِدُ ما عليه الكُوفيُّون، وذلك أنَّ هذه الأعدادَ تَنَزَّلُ تنزيلَ المعدُودِ، وهذا القَدرُ من العَدَدِ والمعدُودِ إذا أُضيفَ جازَ إدخالُ اللَّام عليه، والذي ذَكَرهُ البَصرِيُّون قياسٌ، ومذهبُ الكوفيّين استحسانٌ والطَّبعُ يَنزِعُ إليه، فوجبَ أن يجوزَ(٣).(١) هذا المعنى الذي ذهب إليه المؤلف لم أجد أحدًا قال به ولا ذهب إليه. أمّا الذي قالوه في ذلك فهو: أراد طول خمسة أشبار بشبر الرّجال وهي ثلثا قامة الرجل، وينسب اليها فيقال: غلام خماسي. قال ابن دريد: غلام خماسي قد أيفع، في "الصحاح" "والعباب" وغلام رباعي وخماسي، أي: طوله أربعة أشبار وخمسة أشبار، ولا يقال: سداسي، ولا سباعي، لأنه إذا بلغ ستة أشبار أو سبعة أشبار صار رجلًا. انظر الحلل: ١٧٥ والخزانة: ١/ ١٠٣ .. وغيرهما وبمثل ذلك فسّر الأعلم الشنتمري، وردّ عليه ابن هشام اللّخمي قائلًا: والصحيح أنه أراد بخمسة الأشبار السّيف، ويشهد له قوله بعد ذلك:يدني خوافق من خوافق تلتقي … في ظل معترك العجاج مثار(٢) انظر: الفصول والجمل: ٣٨.(٣) ردّ الزّملكاني في شرح المفصّل: ٢/ ١٤٣: بعد أن عرض لرأي الكوفيين: وهو رديء من وجهين: أحدهما: مخالفة القياس الذي قدمناه من أنه مفض إلى تحصيل الحاصل. والثّاني: أنه خارج عن استعمال الفصحاء، ووجهه مع شذوذه أنه لذات واحدة في المعنى، والأول جيء به لغرض العدد، فلما فهموا اتحاد الذات عرّفوا الأول، لأنه محل التعريف، ولم يخلُ =
الفصل الأول: التّعْريف بِالخَوارزمي- مصادر ترجمته- اسمه ونسبه- مولده ووفاته- شيوخه- تلاميذه- مؤلفاته- شعره
والبَلَاقِعُ: جَمعُ بلقَعٍ وهو الخَرابُ، يقولُ إنَّ الأثافي ورسومَ الدّيارِ بعدَ خَرابِها لا تَرُدُّ جوابَ سَلام، ولا تُوضِحُ عن خَبَرٍ إذا استُخبِرَتْ، وهَذا معنى قَولِه أو يَكشِفُ العَمى.قالَ جارُ اللهِ: "وتقولُ في اللَّفظيَّةِ مررتُ بزيدٍ الحَسَنِ الوَجهِ وبهندٍ الجائلةِ الوِشاحِ، وهما الضَّاربا زيدٍ، وهمو الضَّارِبُو زيدٍ، قال الله تعالى(١): {وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ}.قالَ المُشَرِّحُ: الإِضافةُ إذا كانت لَفظِيَّةً جازَ إدخالُ اللّام على المُضافِ لأنَّه وَقَعَ اليأسُ عن تَعريفِ المُضافِ بالمُضافِ إليه.قالَ جارُ اللهِ: "ولا تَقولُ الضَّاربُ زَيدٍ لأنَّك لا تُفيدُ فيه خِفَّةَ الإِضافةِ كما أفدتَهَا بالمُثنَّى والمَجمُوع، وقد أجازَه الفَرَّاء، وأمَّا الضَّاربُ الرَّجُل فمشبَّةٌ بالحَسَنِ الوَجهِ".قال المشرّح: إنَّما لم يَجُز نَحوَ الضَّاربِ زَيدٍ لأنَّه لم يَقع اليأسُ عن تَعريفِ المُضافِ بالمضافِ إليه، لاحتِمَالِ أن يكونَ المُضَافُ إليه نَكِرةً، وهذا لأنَّ الأعلامَ تَحتملُ التَّنكيرُ بخلافِ المُضمَرِ والمُعرَّفِ باللَّامِ فإنَّه لا يَحتَمِلُ البَتَّةَ التَّنكيرَ فإن سَألتَ: فَفي قَولِكَ: الضَّاربا زَيدٍ، لَمَ يَقع اليأسُ عن تَعريفِ المُضافِ بالمضافِ إليه؟أَجبتُ: بَلَى وقَعَ لِوقُوعِهِ في الإِفرادِ، والتَّثنِيَةٌ فرعٌ على الإِفرادِ فَلَو امتحِنتِ الإِضافَة في التّثنية لكانَ حالُها فيها كحالِها في الإِفرادِ.رأى الأمر يفضي إلى آخر … فصيَّر آخره أوّلا(٢)فإن سألت: فكيف لم يجز الضاربا رجل كما جاز الضاربا زَيدٍ؟ أَجبتُ(١) سورة الحج: آية: ٣٥.(٢) البيت في العقد الفريد: ٢/ ٢٥٣، والخصائص لابن جني: ١/ ٢٠٩، ٢/ ٣١، ١٧٠، ونتائج الفكر في النحو للسُّهيلي: ٩٨، والأشباه والنظائر في النحو للسُّيوطي: ١/ ٢٧٧. وغيرها.
١ - مصادر ترجمته:لم يرزق صدر الأفاضل من الشهرة ما يتناسب مع مكانته العلمية، ولا يعرف عن حياته إلَّا اليسير، على الرَغم من أن له نشاطًا واسعًا في التأليف فقد ترك مؤلفات كثيرة في النحو واللغة والأدب والبلاغة والشعر، وانتشر بعض هذه المؤلفات في حياته فتجاوز منطقته التي كان يعيش فيها خوارزم؛ إلى أن صل إلى الشام والعراق.وقد أغفل كثير من المؤرخين ذكر هذا الإِمام الجليل فلم يترجموا له، ولولا الرحلة التاريخية التي قام بها ياقوت الحموي ٦٢٦ هـ إلى بلاد خراسان وما وراء النهر (خوارزم وما جاورها) وقابل العُلماء في تلك البلاد، وترجم لبعضهم في كتابه؛ (معجم الأدباء) وكان لصاحبنا -الخوارزمي- حظٌّ وافرٌ في هذا الكتاب لما عرفنا عن حياته شيئًا يذكر. وكان اللِّقاءُ بينهما قبيل وفاة الخوارزمي وذلك سنة ٦١٧ هـ، وهو العام الذي اجتاح فيه التتار خوارزم(١) وذلك أثناء إقامة ياقوت بها فولى هاربًا ونجا بنفسه ووصل إلى إربل في العام نفسه فوصف مشاعره وأحاسيسه وما شاهده من المجازر التي ارتكبها التتار هناك للإِمام ابن المستوفى(٢).ثم خرج منها إلى حلب وذكر هذه المشاهد للإِمام القفطي(٣). وكان(١) انظر حوادث سنة ٦١٦ - ٦١٧ هـ في الكامل والبداية والنهاية.(٢) تاريخ إربل: ١/ ٣١٩.(٣) إنباه الرواة؛ ٤/ ٧٧.
من ضحايا هذا الهجوم صدر الأفاضل رحمه الله.استطاع ياقوت أن يظفر بلقاء صدر الأفاضل والاجتماع به في داره بخوارزم فترجم له ترجمة هي من أنفس ما كتب عن حياته وكان ياقوت هو المصدر الأساسي لترجمة الخوارزمي.وقد استمد منه كل من أتى بعده دون زيادة تذكر.ولولا هذه الترجمة التي ذكرها ياقوت لأسدل ستار من النسيان على حياته، ولم يعرف عنه شيء، شأن كثير من علماء هذا الإِقليم في هذه الحقبة بالذات، فأكثر المؤرخين الذين كتبوا عن علماء الإِقليم لهذه الفترة - ذهبت مؤلفاتهم أو أغلبها -على الأقل- في حروب التتار (الذين أشعلوا النار في المدارس والمساجد وغيرها من المباني حتى أصبحت بخارى كأن لم تغن بالأمس)(١).ولما كانت هذه المعلومات التي أوردها ياقوت لا تكفي لبيان ملامح شخصية الخوارزمي فقد بحثت عن آثاره وعثرتُ على بعضها وقرأتها قراءة كاملة حرفًا حرفًا حتى خرجت منها بمعلومات قد لا تقلّ أهمية عن المعلومات التي أوردها ياقوت. وبذلك استطعت أن أعوض بعض النَّقص، وإن كان هناك تساؤلات في حياة الرجل عن أشياء لا تزال مجهولة وقد تجيب عنها الأيام في بعض المصادر.أمّا إغفال كثير من المؤرخين للخوارزمي فذلك راجع -في نظري- إلى أنَّ الخوارزمي لم يرحل إلى مراكز الحضارة كبغداد والموصل وحلب ودمشق والقاهرة … ولم يجتمع بعلمائها وأدبائها ومؤرخيها، ولو أنه فعل لعرفوا قدره وأنزلوه منزلته.وربما كان ما رأوه في كتبه من حدة في الطَّبع وقسوة في الرَّدِّ على العلماء وهجوم على مشاهيرهم جعلهم ينفرون منه، ولعلَّ هذا هو السبب الذي جعل القفطيّ بالذات يغفل ذكره في (إنباه الرواة)، مع أنَّ الإِمام القفطي(١) الكامل في التاريخ لابن الأثير: ١٢/ ٢٤٠.
كان يعرفه، إذ أنه رجع إلى (معجم الأدباء) واستفاد منه. فلا بدّ أنه وقف على ترجمته فيه، كما أنّه وقف على شرحه للمفصل (التَّخمير) وانتقده انتقادًا شديدًا كما سيأتي. وكذلك أغفله ابن خلكان، وابن شاكر، والصفدي، وابن العماد وغيرهم.أمَّا الذين ترجموا له فقد جاءت تراجمهم مختصرة ترجع كلّها إلى ياقوت، والذين ترجموا له هم:ياقوت الحموي ت ٦٢٦ هـ في معجم الأدباء: ١٦/ ٢٣٨ - ٢٥٣.وابن الشَّعَّار الموصلي ت ٦٥٤ هـ في عقود الجمان: ٥/ ٢٩٨ - ٣٠١.والذَّهبي ت ٧٤٨ هـ في تاريخ الإِسلام: وفيات ٦١٧.والقُرشي ت ٧٧٥ هـ في الجواهر المضية: ٢/ ٧٠٣، ٧٠٤.والفيروز آبادي ت ٨١٨ هـ في البلغة: ١٤١، والمرقاة الوفية: نسخة مكتبة شيخ الإِسلام رقم ٢٣٧.وابن قاضي شُهبَة ت ٨٥١ في: طبقات النحاة واللغويين، (الظاهرية رقم: ٣٤٨٦) ورقة: ٤٧٦، والإِعلام له: وفيات ٦١٧ هـ.وابن قُطلوبَغَا ت ٨٧٩ هـ في تاج التَّراجم: ٥٠.والسُّيوطيّ ت ٩١١ هـ في بغية الوعاة: ٢/ ٢٥٢، ٢٥٣.والكَفَوِيّ ت ٩٩٠ في كَتَائب أعلام الأخيار: ورقة ٩٢ (نسخة شهيد علي) رقم: ٢٣٨.والتَمِيمِيّ ١٠٠٤ هـ في الطَّبقات السَّنية: ورقة ٣٤٥ (نسخة حميدية) رقم ٩٦٩.والقارِي ١٠١٤ هـ في الطَّبقات: ورقة ٤١ (نسخة أوقاف بغداد) رقم: ٢٣١٨٠. ٢ - اسمه ونسبه:هو القاسم بن الحسين بن محمد وقيل(١) أحمد، أبو محمد وقيل أبو(١) انظر عقود الجمان: ٥/ ٢٩٨.
الفضل(١) أيضًا، صدر الأفاضل، مجد الدين الطَّرائِفِيّ الخُوارزمي.هذا ما ذكرته المصادر عن اسمه ونسبه.أمَّا (الطَّرائِفِيُّ) فقد ذكرت على غلاف كتابيه (بدائع المُلح) و (التَّوضيح شرح المقامات).وأوردها الإِمامُ فخرُ الدين الأسفندري ٦٩٨ هـ في كتابه (المقتبس شرح المفصل)(٢) في مقام رده عليه حيث قال: ما إن رأيت ولا سمعت بفاضل، أطرف من هذا الإِمام الطَّرائفي؟! على سبيل التَّهكُّم.ولست أعرف على سبيل الجَزم إلى أيّ شيءٍ تَرجعُ هذه النِّسبة؟ وقد ذكر الإِمام السّمعاني في كتابه (التَّحبير في المعجم الكبير)(٣): رجلًا من شيوخه يسمّى الطرائفي من أهل نيسابور، قال: .. سكن بباب خان الطَّرائفيين. وقال في كتابه (الأنساب)(٤): نسبة إلى بيع الطُّرف وشرائها، وهي الأشياء المليحة من الخشب.فلعلّ هذه النِّسبة: (الطَّرائفي) عائدة إلى محلّةٍ كان يسكنها، أو أن أحد آبائه كان يبيع الطُّرف.أمَّا الخوارزمي فهي نِسبته التي عُرِفَ بها إذ أنه ولد بخوارزم وسكنها ومات فيها كما سيأتي، ولا ندري على وجه التحديد في أيَّةِ مدينةٍ من هذا الإِقليم كانت إقامته، ولم ينص ياقوت الحَموي على المدينة التي سكنها حيث قال: وحضرت بمنزله بخوارزم …والذي يغلب على ظنّي أنه كان في (الجُرجانيّة) عاصمة الإِقليم، وكثيرًا ما تأخذ العاصمة اسم المنطقة بأسرها.وهنا لا بدَّ لنا من وَقفَةٍ قصيرة نتعرف خلالها على هذا الإِقليم الذي(١) انظر طبقات النحاة … لابن قاضي شهبة: ورقة ٤٧٦، ونسخة نور عثمانية من كتابه "ضرام السقط".(٢) المقتبس: ٤/ ١٧٣.(٣) ١/ ١٩٤(٤) ورقة: ١٦١.
عاش فيه الخوارزمي ونُسِبَ إليه. خُوارَزم:ضَبطه البكري في معجمه(١) فقال: بضم أوَّله، وبالرّاء المُهملة المَكسورة وبالزّاي المُعجمة بعدها ميمٌ، من بلاد خُراسان.وقالَ ياقوت(٢): أوله بين الضمة والفتحة والألف مُسترقة مختلسة ليست بألف صحيحة. هكذا يتلفَّظون به.وقد ذكرها الحِميَرِيّ في (الرَّوض المِعطار)(٣) ولم يضبطها، وذكرها ابن عبد الحقّ في (مَراصِد الاطِّلاع)(٤) فلم يزد على ما قال ياقوت شَيئًا.وقد حدَّد كثيرٌ من علماء المسلمين في مؤلفاتهم الجُغرافيَّة(٥) هذا الإِقليم فبعضهم يجعله من إقليم ما وراء النهر(٦)، وبعضهم يعتبره من إقليم خراسان(٧)، لذلك لُقِّبَ صدر الأفاضل (بعلّامة خُراسان)، وبعضهم يجعل بعضه من خراسان وبعضه من بلاد ما وراء النهر(٨).أمَّا ياقوت الحموي فجعله إقليمًا منقطعًا عن خُراسان وعن ما وراء النهر، عدَّه إقليمًا مستَقِلًا عنهما(٩).وإقليم خوارزم الآن من المناطق الإِسلامية التي استولى عليها الاتحاد السوفيتي وضمَّها إليه.أمَّا لقبه (صدرُ الأفاضل) فقد ذكره كل من ترجم له، وهو مدون على(١) معجم ما استعجم: ٢/ ٥١٥.(٢) معجم البلدان: ٢/ ٣٩٥.(٣) الروض المعطار: ٢٢٤، ٢٢٥.(٤) مراصد الاطلاع: ١/ ٤٨٧.(٥) انظر مثلًا. المسالك والممالك: ١٦٨ وصورة الأرض: ٣٩٥، وتقويم البلدان: ١٠٥.(٦) الأقاليم للأصطخري: ١٥٥.(٧) نبذة من كتاب الخراج وصنعة الكتاب لقدامة بن جعفر؛ ٢٤٣، ضمن كتاب (المسالك والممالك).(٨) أحسن التقاسيم للمقدسي: ٢٨٤.(٩) معجم البلدان لياقوت الحموي: ٢/ ٣٩٥.
كلِّ مؤلفاته التي وقفتُ عليها، وهذا اللَّقب غير مألوف حينذاك عند أهل العراق ولا عند أهل الشام ولا عند أهل مصر … بينما هو مألوف جدًّا عند أهل المشرق؛ خوارزم وخراسان، وغزنة، وما جاورها من البلاد فتجد هناك كثيرًا من الألقاب المشابهة لهذا اللَّقب مثل: شيخ الأفاضل، وحجَّة الأفاضل، وشمس الأفاضل، وصدر الشريعة، وصدر الدين، وصدر الملك، كما يسمون: ذا الفضائل وزين المشايخ ونجم الأئمة وفخر المشايخِ وفخر خوارزم … وهذه الألقاب متداولة كثيرة عند أهل المشرق فإذا جئتَ إلى الشام ومصر والعراق وجدتَ ألقابًا أخرى مألوفة كصلاح الدين وشهاب الدين وركن الدين، وهذه الألقاب جاءت كذلك من اختلاط الثّقافة العربية بالثّقافات الفارسية والتُّركية، أي أنها مُؤثّرات أجنَبِيَّة، حتى إذا بَعُد الإِقليم عن مناطق التأثر بالأعجمية عمومًا اختفت هذه الألقاب.أمّا في بلاد المغرب والأندلس فلا تكاد تجد من يتلَّقب بمثل هذه الألقاب بل تجدهم يلحون في نسبتهم إلى القبائل العربية سواء أصالة أو ولاء، وذلك هو غالب أمرهم. وفي ترجمة الإِمام أحمد بن يوسف الفهري اللبلي ت ٦٩١ تجدهم يقولون: رحل إلى المشرق ولُقّب هناك: شهاب الدين(١).ووجدتُ من يشارك صاحبنا هذا اللَّقب، فهناك:ناصر بن هادي بن ناصر الحُسيني لقّبَ صدرُ الأفاضِلِ. نحوي غير معروف، له كتاب، اسمه (توشيح العِلَلِ في شرحِ الجُمل) شرح فيه جملَ عبد القاهر الجرجانِي، رأيته في مكتبة (لا له لي) ورقمه هناك: (٣٣١٤).وابنُ صدرِ الأفاضل البُخاري رأيتُ له كتابًا اسمه (إنسان عَينِ المعاني) في التَّفسير في مكتبة شهيد علي رقم (٧٢).ورأيت في هامش نُسخة الظَّاهرية من كتاب (طبقات النُحاة واللغويين) لابن قاضي شُهبة الورقة رقم ٥١٠ في تَرجمة ناصر بن أبي المكارم المطرزي(١) ملء العيبة: ١/ ١٦١.
قال: ويلقب صدر الأفاضل. وهذا غير صحيح، ولا أعتقد أنّه من كلام ابن قاضي شهبة كما سنوضح ذلك فيما يستقبل. ٣ - مولده ووفاته:قال ياقوت(١): سألته عن مولده فقال: مولدي في اللّيلة التاسعةِ من شعبان سنةَ خمس وخمسين وخمسماية.أمّا وفاته فكانت على يَد التتار أثناء هجومهم على خوارزم شهيدًا في الثاني عشر من ربيع الأول سنة سبع عشرة وستماية(٢). رحلاته في طلب العلم:نصّ (ياقوت الحموي على أنه ولد في خوارزم فيبدو أنه تعلم فيها مبادئ القراءة والكتابة ثم سافر في طلب العلم إلى البلاد المجاورة، فدخل بخارى كما أخبر عن نفسه حيثُ قال: مضيتُ إلى بخارى طلبًا للعلم. كما أنّه دخل (جُخَنْدَة) قال في اليُمني(٣): .. كذا سمعتُهُ بجخندة عن طائفةٍ من المُتَصَوِّفَةِ. وقال في الإِيضاح(٤): أنشدني الأُستاذ العالم فخر الدين الرّازي بـ (جُخَنْدَة). ودخل سَمرقند وألَّف فيها (شرح سقط الزند)، جاء في الإِيضاح(٥) قوله: أَنشدني بسَمَرقَنْد بعض الأئمة … وفي (ضرام السقط)(٦) قوله: ومثلها ما حكى لي بعض من دخل الهند ثم خرج إلينا بسَمَرْقَنْد … ، كما أنه تجوّلَ في بعض قرى هذه المناطق. قالَ في اليُمني(٧): خاخستَر بطرح التّاءِ وإبدال الخاءِ من الكاف فهي من قِبالة (درعم) أحد أرباع سمرقند وقد دخلتها.(١) معجم الأدباء: ١٦/ ٢٥٠.(٢) طبقات النحاة واللغويين لابن قاضي شُهبة: ٤٧٦ والطبقات السَّنية: ٣٤٥.(٣) اليمني: وهو أحد مؤلفات صدر الأفاضل ورقة ٢٧.(٤) الإيضاح: ورقم ١٨٧.(٥) المصدر السابق: ورقة ١٨١.(٦) شروح السقط: ١٣٩١.(٧) اليمني: ورقة ٣٠.
٤ - شيوخُ الخُوارَزمِيّ:١ - المطرزي الخوارزمي:لم يشتهر من شيوخ الخوارزمي إلا الإِمام ناصر الدين وبرهان الدين أيضًا عبد السيد بن أبي المكارم علي المطرزي الخوارزمي. مولده في العام الذي مات فيه الزمخشري ٥٣٨ هـ في شهر رَجب في خُوارَزم، لذلك لُقِّبَ بـ (خليفة الزمخشري)، وهو على مذهبه في المجاهرة بالاعتزال، دخل بَغداد حاجًّا سنة إحدى وستمائة وحدَّث بشيءٍ من مصنفاته. وتوفي في خُوارَزم في يوم الثُّلاثاء الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة عشر وستمائة (٦١٠ هـ). ورثي بأكثر من ثلاثمائة قصيدة. وخَطَّ يده على (شرح أبيات الجمل) لابن سيدة في دار الكتب المصرية على طرة الكتاب يجيز أحد تلاميذه رواية كتابه (الإِيضاح شرح المقامات الحريرية). ألف كتبًا كثيرة منها "المغرب" في شرح ألفَاظ الفقهاء الحنفية، والمصباح في النحو، والإِيضاح شرحٍ المقامات والإِقناع في اللغة ومختصر في النحو غير المصباح رأيتهما معًا في مجلد واحد. وقيل إنه شرح المفصل، أخذ عن تلاميذ الزَّمخشري، ومنهم أبو المؤيد المكي خطيب خوارزم، والبقالي … كما أخذ عن تلاميذ الحريري منهم ابن السجادة البغدادي وعبد الكريم الأنماطي … وغيرهم.وأخذ عنه الخُوارَزمِّي، وأبو المعالي ابن العَجَمي، وإسماعيل بن الحسين عزيز الدين أبو طالب الحسيني … وغيرهم. وله شعر ذكر جملة منه ابن الشعار في (عقود الجمان) كما ذكر الخوارزمي نماذج منه في (بدائع الملح).أخباره في سير أعلام النبلاء ١٣/ ١٢٣، والوافي بالوفيات ٢٦/ ١٧١، ١٧٢ وكتاب أعلام الأخيار: ٢١٨، والطبقات السنيّة: ٥٢٣ وانظر: وفيات الأعيان: ٥/ ٣٦٩، ومعجم الأدباء: ١٩/ ٢١٢، ٢١٣، والجواهر المضية: ٢/ ١٩٠، وتاج التراجم: ٥٨، وإنباه الرواة: ٣/ ٣٣٩، وبغية الوعاة: ٢/ ٤٠، وروضات الجنات ٤١/ ٢٢٣.وقد صرَّح الخوارزمي بقراءته عليه واستفادته منه في (شرح سقط