الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: مسائل فقهية الكتاب: الصلاة[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٩)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)المحقق: عدنان بن صفاخان البخاريراجعه: سليمان بن عبد الله العمير - محمد أجمل الإصلاحي - علي بن محمد العمران الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٥٥٠قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيمربِّ يسِّر، وعليك التَّيسير، وسهِّل كلَّ عسيرٍ، آمين(١).الحمد لله ربِّ العالمين، ما يقول السَّادة(٢) العلماء، أئمَّة الدِّين، وفَّقهم(٣) الله وأرشدهم، وهداهم وسدَّدهم، في تارك الصَّلاة عامدًا؛ هل يجب قتله أم لا؟وإذا قُتِلَ فهل يُقْتَل كما يُقْتَل المرتدُّ والكافر؛ فلا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين أم يُقتل حدًّا مع الحكم بإسلامه؟ وهل تحبط الأعمال وتبطُل بترك الصَّلاة، أم لا؟وهل تُقْبَل صلاة النَّهار باللَّيل، وصلاة اللَّيل بالنَّهار، أم لا؟ وهل تصحُّ صلاة من صلَّى وحده، وهو يقدر على الصَّلاة جماعةً، أم لا؟ وإذا صحَّت فهل يأثم بترك الجماعة، أم لا؟ وهل يُشترط حضور المسجد، أم يجوز فعلها في البيت؟ وما حكم من نَقَر الصَّلاة، ولم يُتمَّ ركوعها وسجودها؟ وما كان مقدار صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما حقيقة التَّخفيف(١) جملة: "ربِّ .. آمين" من ض. وفي س: "يسِّر وأعِنْ يا كريم".(٢) هـ وط: " .. السَّادات". والحمْدَلَة ليست في ض وس.(٣) ط: "العلماء الذين وفَّقهم .. ".
الذي نَبَّه عليه(١) بقوله صلى الله عليه وسلم: "صلِّ بِهِم صلاة أَخَفِّهِم"؟(٢)(٣) وما معنى قوله لمعاذ: "أفتَّان أنت؟ "(٤).والمسؤولُ سِياق صلاته صلى الله عليه وسلم من حين كان يكبِّر(٥)، إلى أنْ يفرغ منها، سياقًا مختصرًا(٦)، كأنَّ السَّائل يشاهدُه(٧).(١) ض وس: " .. الذي أمر به"، س: " .. التحقيق الذي .. ".(٢) لم أرَه بهذا اللَّفظ، وأخشى أن يكون تحريفًا من: "أضعفهم"، مع كونه لم يثبت إلَّا في هـ وط. وقد أخرجه أحمد (٤/ ٢١)، وأبوداود (٥٣١)، والنسائي (٦٧٣)، وابن ماجه (٩٨٧)، وابن خزيمة (٣/ ٥٠)، والحاكم (١/ ٣١٤)، من طرقٍ عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "اقدر النَّاس بأضعفهم"، أو"اقتد بأضعفهم". صحَّحه ابن خزيمة، والحاكم على شرط مسلمٍ. وأخرجه ابن منيع كما في المطالب لابن حجر (٤٢٢) وإتحاف الخيرة للبوصيري (١٠٨٦) بسنده من حديث علي رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: "صلِّ بهم صلاة أضْعَفِهِم". وفي إسناده ابن أبي ليلى والحجَّاج ابن أرطاة، وقد ضُعِّفا، ولأجلهما ضعَّفه البُوصيري.(٣) "بقوله .. أخفِّهم" ليست في ض وس.(٤) أخرجه البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥)، من حديث جابر رضي الله عنه، وفيه قِصَّةٌ.(٥) ض: "كبَّر".(٦) ض: "شيئًا فشيئًا مختصرًا".(٧) هـ وط: "يشهده".
فأرشد الله مَن دَلَّ على سواء السَّبيل، وجمع بين بيان(١) الحُكم والدَّليل. وما أخذ الله الميثاق على أهل الجهل أنْ يتعلَّمُوا حتى أخذ الميثاق على أهل العلم أنْ يُعلِّمُوا ويبيِّنُوا.أجاب الشيخ الإمام العلَّامة، بقيَّة السَّلف، ناصر السُّنَّة، وقامع البدعة، الشيخ شمس الدِّين، محمد بن أبي بكر الحنبلي، المعروف بابن قيم الجوزية، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنَّة الخلد متقلَّبَه ومثواه(٢)(٣):الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.لا يختلف المسلمون أنَّ ترك الصَّلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذُّنُوب، وأكبر الكبائر. وأنَّ إثمه(٤) عند الله أعظم من إثم قتل النَّفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزِّنا، والسَّرقة، وشرب الخمر. وأنَّه متعرِّضٌ لعقوبة الله وسخطه وخِزْيه في الدُّنيا والآخرة.(١) "بيان" ليست في ض.(٢) ض: "جنَّات الفردوس منقلبه .. ".(٣) "أجاب الشيخ .. ومثواه" ليست في س، وبدله: "الجواب: الحمدلله .. " الخ.(٤) س: "إثم تارك الصَّلاة".
ثم اختلفوا في قتله، وفي كيفيَّة قتله، وفي كُفْره. فأفتى سفيان بن سعيد الثوري، وأبوعمرو الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وحمَّاد بن زيد، ووكيع بن الجرَّاح، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأصحابهم =بأنَّه يُقْتل(١).ثم اختلفوا في كيفيَّة قتله.فقال جمهورهم: يُقتل بالسَّيف ضربًا في عنقه(٢). وقال بعض الشَّافعية(٣): يُضْرب بالخَشَب إلى أنْ يصلِّي أو يموت. وقال ابن سُرَيْج(٤): يُنْخَس بالسَّيف حتى يموت؛ لأنَّه أبلغ في زجره، وأرجى لرجوعه(٥).(١) يُنظَر: الاستذكار لابن عبد البر (٥/ ٣٤٣ - ٣٤٦)، والتمهيد له (٤/ ٢٣٦ - ٢٤٠)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٣٥١)، والمجموع للنووي (٣/ ١٧).(٢) وهو قول جمهور الشَّافعية كما في الحاوي للماوردي (٢/ ٥٢٨).(٣) حكاه غير واحدٍ عن ابن سُرَيج، وأنَّه يضرب بخشبةٍ أوينخس بالسَّيف، حكاه عنه أيضًا الماوردي في الحاوي (٢/ ٥٢٨)، وقال: إنَّه اختيار أبي حامدٍ، وجعله النَّووي في المجموع (٣/ ١٧) وجهًا عندهم.(٤) تصحَّفت في هـ وط وس: "ابن سريح"، بالحاء المهملة. وهو: أبوالعبَّاس أحمد ابن عمر بن سُرَيْج البغدادي القاضي، أحد كبار الشَّافعيَّة في زمانه، توفي سنة ٣٠٦ هـ، ترجمته في: طبقات الشافعية للسُّبكي (٣/ ٢١) وسير أعلام النبلاء للذهبي (١٤/ ٢٠١).(٥) يُنظَر: المهذَّب للشَّيرازي (١/ ٥١). وهو قول بعض المالكيَّة أيضًا، كما في: الذَّخيرة للقرافي (٢/ ٤٨٣).
والجمهور يحتجُّون بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله كَتَب الإحسان على كُلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة"(١).وضَرْب العُنُق بالسَّيْف أحسن القتلات، وأسرعها إزهاقًا للنَّفس.وقد سنَّ الله سبحانه في قتل الكفَّار المرتدِّين ضَرْب الأعناق، دون النَّخْس بالسَّيف. وإنَّما شُرِع في حقِّ الزَّاني المُحْصَن القتل بالحجارة؛ ليصل الألم إلى جميع بَدَنه، حيث وصلت إليه اللَّذَّة بالحرام.ولأنَّ تلك القتلة أشنع القتلات، والدَّاعي إلى الزِّنا داعٍ قويٌّ في الطِّباع؛ فجُعِلَت غلظة هذه العقوبة في مقابلة قوَّة الدَّاعي. ولأنَّ في هذه العقوبة تذكيرًا بعقوبة الله لقوم لوْطٍ(٢)، بالرَّجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة.فصْلٌوقال ابن شهاب الزُّهري(٣)، وسعيد بن المسيّب، وعمر بن عبد العزيز(٤)، وأبو حنيفة، وداود بن علي، والمزني: يُحْبَس حتى(١) أخرجه مسلم (١٩٥٥) بنحوه، من حديث شدَّاد بن أوس رضي الله عنه.(٢) هـ وط: "لعقوبة الله .. "، ض: "تذكير لقوم لوطٍ".(٣) س: "محمد بن شهاب" وليس فيه: "الزهري".(٤) ض وس: "الزهري، وسعيد بن عبد العزيز".
يموت، أو يتوب، ولا يُقتل(١).واحْتُجَّ لهذا المذهب بما رواه أبو هريرة عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "أُمِرتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءهم وأموالهم، إلَّا بحقها" رواه البخاري ومسلم(٢).وعن ابن مسعود قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لا يحلُّ دمُ امريءٍ مسلمٍ، يشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله إلَّا بإحدى ثلاثٍ؛ الثيِّب الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدِينه، المفارق للجماعة" أخرجاه في "الصَّحيحين"(٣).قالوا: ولأنَّها من الشَّرائع العمليَّة؛ فلا يقتل بتركها، كالصِّيام، والزَّكاة، والحجِّ.قال الموجبون لقتله: قد قال الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة/٥]. فأَمَرَ بقتلهم(١) في المغني لابن قدامة (٣/ ٣٥١): "يُضْرَب ويُسْجَن"، وينظر أيضًا: المحلَّى لابن حزم (١١/ ٣٧٦)، والتَّمهيد لابن عبد البر (٤/ ٢٤٥)، والمجموع للنووي (٣/ ١٩) وفتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٥٥).(٢) البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠) بنحوه.(٣) البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) واللَّفظ له.
حتى يتوبوا من شِرْكهم، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزَّكاة.ومن قال: لا يقتل تارك الصلاة، يقول: متى تاب من شِرْكِه سقط عنه القتل، وإنْ لم يُقِم الصلاة ولا آتى الزكاة. وهذا خلاف ظاهر القرآن.وفي "الصَّحيحين"(١)، من حديث أبي سعيدٍ الخدري قال: بعث عليُّ بن أبي طالب ـ وهو باليمن ـ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بذُهَيْبَةٍ(٢)، فقسمها بين أربعةٍ، فقال رجل: يا رسول الله، اتق الله! فقال: "ويلك! ألستُ أحق أهل الأرض أنْ يتَّقي الله؟ ". ثم ولَّى الرجل. فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألَا أضربُ عنقه؟ فقال: "لا، لعلَّه أن يكون يصلِّي". فقال خالدٌ: فكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنِّي لم أؤمر أنْ أنقِّب عن قلوب النَّاس، ولا أشقَّ بطونهم".فجعل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المانع من قتله كونه يصلِّي؛ فدلَّ على أنَّ مَن لم يصلِّ يُقتل. ولهذا قال في الحديث الآخر: "نُهِيتُ عن(١) البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٥٦٤).(٢) تصغير ذهب، والذهب يؤنَّث، ولمَّا صُغِّرت أُلْحِق في آخرها هاء. وقيل: تصغير ذَهَبة، القطعة منها، صُغِّرت على لفظها. كما في النهاية لابن الأثير (٢/ ١٧٣).
قتل المصلِّين"(١).ويدلُّ على أنَّ غير المصلِّين لم ينْهَه الله عن قتلهم.وروى الإمام أحمد والشافعي في "مسندَيْهِما"(٢)، من حديث(١) أخرجه أبو داود (٤٩٢٨) والبيهقي (٨/ ٢٢٤) والدَّارقطني (٢/ ٥٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي إسناده: أبويسار القرشي وأبوهاشم، قال الدَّارقطني في العِلل (١١/ ٢٣١): "مجهولان. ولا يثبت الحديث". وأخرجه الطَّبراني (١٨/ ٢٦) وابن عدي في الكامل (٥/ ٨٥)، من حديث أنس، وفي إسناده: عامر بن يسافٍ اليمامي، منكر الحديث. وتُنظَر ترجمته في: الكامل لابن عديٍّ (٥/ ٨٥)، وميزان الاعتدال للذَّهبي (٢/ ٣٦١)، وقد أوردا له هذا الحديث ممَّا أُنكِر عليه.وأخرجه الطَّبراني في الأوسط (٥/ ١٩٤) بإسناده من حديث أبي سعيد، وفي إسناده: الخصيب بن جحدر البصري، كذَّبه شعبة والقطَّان وابن معين والبخاري. يُنظَر: الكامل لابن عدي (٣/ ٦٨)، والميزان للذَّهبي (١/ ٦٥٣).ويُنْظَر في تفصيل القول في بعض مرويَّات الحديث: أحاديث ومرويَّات في الميزان للشيخ محمد عمرو عبد اللَّطيف رحمه الله (ص/٧٧) وما بعدها.(٢) مسند أحمد (٥/ ٤٣٢)، ومسند الشافعي (٨). وأخرجه مالك (٤١٣)، وعبد الرزاق (١٨٦٨٨)، وابن حبان (٥٩٧١)، وغيرهم، من طريق ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي به. والحديث صحَّحه ابن حبَّان، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٤) والبوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١/ ١٢٥): "رجاله رجال الصَّحيح".
عبيد الله بن عديِّ(١) بن الخِيار، أنَّ رجلًا من الأنصار حدَّثه: أنَّه أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو في مجلس فسارَّه؛ يستأذنه في قتل رجلٍ من المنافقين، فجَهَر رسول الله، فقال: "ألَيس يشهد أنْ لا إله إلَّا الله؟ " قال الأنصاريُّ: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له! قال(٢): "ألَيس يشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؟ " قال: بلى ولا شهادة له. قال: "ألَيس يصلِّي الصَّلاة(٣)؟ " قال: بلَى، ولا صلاة له. قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم".فدلَّ على أنَّه لم ينْهَ عن قتل مَن لم يُصَلِّ.وفي "صحيح مسلمٍ"(٤)، عن أمِّ سلمة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "يُستعمَل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون؛ فمَن أنكر فقد بَرِيء، ومن كَرِه فقد سَلِم، ولكن من رَضِي وتابع". فقالوا: يا رسول الله، أَلَا نقاتلهم(٥)؟ فقال: "لا، ما صلَّوا".(١) جميع النُّسخ: "عبد الله بن عدي" مكبَّرًا. ض: "عون" بدل "عدي"، تحريفٌ! والتَّصويب من مصادر الحديث وغيرها. ويُنْظَر: تهذيب الكمال للمزِّي (١٩/ ١١٢).(٢) "أليس يشهد أنْ لا إله .. قال:" ليست في هـ.(٣) "الصَّلاة" ليست في س.(٤) حديث (١٨٥٤).(٥) س: "ننابذهم".
وفي "الصَّحيحين"(١)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتُوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم، إلَّا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله".فوجْهُ الاستدلال به من وجهين:أحدهما: أنَّه أمر بقتالهم إلى أنْ يقيموا الصَّلاة(٢).الثَّاني: قوله: "إلَّا بحقِّها"(٣)، والصَّلاة من أعظم حقِّها.وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْت أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله". رواه الإمام أحمد(٤)، وابن خزيمة في "صحيحه"(٥).(١) البخاري (٢٥)، مسلم (٢٢). وهذا لفظ البخاري.(٢) س زيادة: "ويؤتوا الزَّكاة".(٣) "الثاني .. بحقِّها" ليست في ض. وفي س: "الثَّاني: أنَّه علَّق عِصْمة الدَّم بالقيام بحقِّ الشهادة .. ".وقول المصنِّف: "قوله: إلَّا بحقها" هي رواية مسلم.(٤) المسند (٢/ ٣٤٥).(٥) حديث (٢٢٤٨).
فأخبر صلى الله عليه وسلم(١) أنَّه أُمِر بقتالهم إلى أنْ يقيموا الصَّلاة، وأنَّ دماءهم وأموالهم إنَّما تحرم بعد الشَّهادتين، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة؛ فدماؤُهم وأموالُهم قبل ذلك غير محرَّمة؛ بل هي مباحة.وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: لمَّا توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدَّت(٢) العرب، فقال عمرُ: يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقالأبو بكرٍ(٣): إنَّما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة". رواه النسائي(٤)، وهو حديثٌ صحيحٌ.وتقييد هذه الأحاديث يبيِّن مقتضى الحديث المطلق الذي احتجُّوا به على ترك القتل، مع أنَّه حجَّةٌ عليهم؛ فإنَّه لم يُثْبِت العِصْمة للدَّم والمال إلَّا بحقِّ الإسلام، والصلاة آكد حقوقه على الإطلاق.وأمَّا حديث ابن مسعود، وهو: "لا يحلُّ دم امريءٍ مسلمٍ إلَّا(١) ض: "فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم"، س: "فأخبر أنَّه".(٢) ط: "ارتدَّ".(٣) "أبوبكر" ليست في س.(٤) حديث (٣٠٩٤). وأخرجه ابن خزيمة (٢٢٤٧)، والحاكم (١/ ٥٤٤)، وغيرهم، من طريق معمر عن الزهري عن أنس رضي الله عنه به. وقد صحَّحه ابن خزيمة والحاكم.
بإحدى ثلاثٍ"(١) فهو حُجَّة لنا في المسألة؛ فإنَّه جعل منهم التَّارك لِدِينه، والصلاة ركن الدِّين الأعظم، ولا سيِّما إنْ قلنا بأنَّه كافر، فقد تَرَك الدِّينَ بالكليَّة، وإنْ لم نكفِّره(٢) فقد تَرَك عمود الدِّين.قال الإمام أحمد: وقد جاء في الحديث(٣): "لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة".وقد كان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق: "إنَّ مِنْ أهمِّ أموركم عندي الصَّلاة؛ فمَنْ حفظها حفظ ديْنَه، ومن ضيَّعَها فهو لِما سواها أضْيع، ولاحظَّ في الإسلام لمن تَرَك الصَّلاة"(٤).قال أحمد: فكُلُّ(٥) مستخِفٍّ بالصَّلاة مستهينٍ بها(٦)؛ فهو مستخفٌّ(١) تقدَّم تخريجه (ص/٨).(٢) هـ وط: "يُكَفَّر".(٣) ض: "جاء الحديث".(٤) أخرجه مالك في الموطأ (٦) وعبد الرزَّاق (٢٠٣٨) والبيهقي (١/ ٤٤٥)، من طريق نافع عن عمر رضي الله عنه به. وليس فيه: "ولاحظَّ في الإسلام .. ".وأخرجه مالك (٨٢)، وعبد الرزاق (٥٧٩) وابن أبي شيبة (٣٠٩٩٨) والبيهقي (١/ ٣٥٧) وغيرهم، من حديث المسور بن مخرمة عن عمر في قِصَّة طعنه، وفيه قال: "لا حظَّ .. ". وسيأتي (ص/٧٩).(٥) "أحمد" ليست في هـ وط.(٦) س: "مستهزءٌ بها".
بالإسلام، مستهينٌ به(١).وإنَّما حظُّهم من الإسلام على قدر حظِّهم من الصَّلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصَّلاة.فاعْرف نفسك يا عبد الله، واحْذر أنْ تَلْقَى الله ولا قدر(٢) للإسلام عندك؛ فإنَّ قَدْر الإسلام في قلبك كقَدْر الصَّلاة في قلبك.وقد جاء الحديث عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "الصَّلاة عمود الإسلام"(٣)(٤).أَلَسْتَ تعلمُ أنَّ الفُسْطاط(٥) إذا سقط عموده سقط الفُسْطاط،(١) س: "مستهزءٌ به".(٢) س: "ولا حظَّ".(٣) ط: "عمود الدِّين".(٤) أخرجه أبونعيم الفضل بن دكين في الصَّلاة كما في التَّلخيص الحبير (١/ ١٧٣)، عن بلال بن يحيى قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فسَأَله فقال: "الصَّلاة عمود الدِّين". ثم نقل ابن حجر استنكار النَّووي وإبطاله له، ثم قال: "وهو مرسلٌ، رجالُه ثقاتٌ".ويغني عنه حديث معاذ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمَّا رأس الأمر فالإسلام، وأمَّا عموده فالصَّلاة .. " الحديث. كما سيأتي (ص/٧٢).(٥) بضم أوَّله أوكسره، لغتان: بيت شَعَرٍ. كما في المصباح (٢/ ٤٧٢).
ولم يُنْتَفع بالطُّنُب(١) ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفُسْطاط انْتُفِع(٢) بالطُّنُب والأوتاد، وكذلك الصلاة من الإسلام.وجاء الحديث: "إنَّ أوَّل ما يُسْأل عنه العبدُ يوم القيامة مِن عمله صلاته؛ فإنْ تُقبِّلَت منه صلاتُه تُقُبِّل منه سائرُ عمله، وإنْ رُدَّت عليه صلاته رُدَّ عليه سائرُ عمله"(٣).فصلاتُنا آخر دينِنا، وهي أول ما نُسْأل عنه غدًا من أعمالنا يوم القيامة. فليس بعد ذهاب الصلاة إسلامٌ ولا دينٌ، إذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام. هذا كلُّه كلام أحمد(٤).والصَّلاة أول فُروض الإسلام، وهي آخر ما يُفْقَد من الدِّين، فهي(١) بضمَّتين، أوبسكون الثاني، واستُعْمِل هذا البناء للمفرد والجمع، وهو الحبل الذي تُشدُّ به الخيمة، كما في المصباح (٢/ ٣٧٨)، واللِّسان (١/ ٥٦٠).(٢) ض وهـ وط: "انتفعت".(٣) أخرجه الضِّياء في المختارة (٧/ ١٤٥)، والطَّبراني في الأوسط (٢/ ٢٤٠)، من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق عن القاسم بن عثمان البصري عن أنس رضي الله عنه بلفظ: "أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصَّلاة؛ فإنْ صلحت صلح له سائر عمله، وإنْ فسدت فسد سائر عمله". والقاسم قال فيه البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها، كما في الميزان للذهبي (٣/ ٣٧٥).(٤) س: "الإمام أحمد". وتُنْظَر رسالة الصلاة لأحمد في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٤٤٥).