الكلام على مسألة السماع (ابن القيم) القسم: مسائل فقهية الكتاب: الكلام على مسألة السماع[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٧)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ)المحقق: محمد عزير شمسراجعه: محمد أجمل الإصلاحي، عبد الرحمن بن حسن بن قائد الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الثالثة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٤٤٧قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الكلام على مسألة السماع تأليفالإمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية(٦٩١ - ٧٥١) تحقيقمحمد عزير شمس
بسم الله الرحمن الرحيمربِّ يسِّر وأعِنْ يا كريم(١)صورة استفتاءٍ كُتِب في سنة أربعين وسبعمائة، لأمر أوجب ذلك، وسئل(٢) عنه أئمة أهل العلم والدين، فأجابوا عنه، لا أَخْلَى الله الوجودَ من عُدول العلم وحَمَلَته، الذين يبينون للناس ما أُنزل إليهم من ربهم، ويعتصمون بطريقة نبيهم، فإنما يَهلِك الناسُ إذا صاروا شَرَعًا واحدًا، وصنفًا واحدًا، لا يتفاضلون في علم ولا دين، فإذا قُبِض أهلُ(٣) العلم والدين، وتُرِك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صار حينئذٍ المعروف ما أَلِفَتْه النفوسُ واشتهتْه، وصار الدين(٤) هو العوائد، وصار المنكر ما لم يَعتدْه الإنسان، وإن كان قد يكون عند الله هو الدين الذي بَعث به رسلَه، وأنزل به كتبه، فحينئذٍ تَخْرَبُ الأرض، وتقوم الساعة. فنعوذ بالله من مُضِلَّات الفتن، ونسأل الله أن يَقِيَنا شرورَ أنفسنا. آمين.(١) ع: "وهو حسبنا ونعم الوكيل". وليست في ك.(٢) ع: "فسئل".(٣) "أهل" ليست في ك.(٤) "الدين" من ك، ع، وليست في الأصل.
صورة الاستفتاءما تقول السادة العلماء ــ أحسن الله توفيقَهم ــ في السماع الذي يشتمل على الدفّ والشبَّابة وآلات اللهو والطرب، والتصفيق بالكف، ونحوه من اللهو، مثل التغبير بالقضيب(١) ونحوه، ويحضره الرجال والنساء، فربما اختلطوا بعضهم ببعض، وربّما جلس النساء مقابلَ الرجال، فينظرن إليهم(٢)، وهم يَرقُصون على صوت الشبابات والدفوف والغناء، ويزعمون أن ذلك قُربة تُقرِّبهم إلى الله، ويزيد في أذواقهم ومواجيدهم(٣) عندهم على زعمهم الإيمانية(٤)، وأن من رقصَ غُفِر له، يقول ذلك بعضهم، وأن مَن أنكر ذلك عليهم محجوبٌ ليس من أهل الحقيقة، بل هو من أهل القُشور وهم أهل اللباب، وربما قالوا: نحن وصلنا إلى ما لم يصل إليه الفقهاء، وربما ارتفعت بينهم الأصوات، [٦ أ] والشَّخِير والنَّخِير والزعَقات، وربما أظهروا أشياءَ يُسمُّونها إشاراتٍ، كإخراج اللَّاذَنِ(٥) والدم، وملابسة النار، ومَسْكِ(١) "بالقضيب" من ع.(٢) في الأصل، ك: "فينظرون إليهم". ع: "فينظرون إليهن". والمثبت يقتضيه السياق.(٣) ك: "ومواجدهم".(٤) "عندهم على زعمهم" ليست في الأصل.(٥) هو شيء من رطوبة يكون على شجرة القيسوس، يستخرج منه صمغ راتينجي، يُعلك ويُستعمل عطرًا ودواءً. انظر: "المعتمد في الأدوية المفردة" (ص ٤٣٩) و"المعجم الوسيط" (لذن).
الحيَّات، ويزعمون أن هذه كرامات وأحوال، وأنهم يدعون بها الناس إلى الله، ويقولون: لنا الحقيقة ولغيرنا الشريعة.فهل هذه أفعالُ طاعةٍ وقربةٍ ودينٍ شرعه الله لعباده، ورضيه منهم، كما يزعمه هؤلاء القوم، أم لا؟ وهل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من ذلك أم لا؟ وما يجب على مَن نَسَبَ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه(١) واتخذه دينًا؟ وهل هذا من الحق أم من الباطل؟ وهل هذه طريقة أولياء الله وحزبه وأتباع رسوله أم طريقة أهل اللهو واللعب والباطل؟ وهل يَسُوغ الإنكار على هؤلاء، ويُثاب من يُنكر عليهم بيده أو قلبه أو لسانه(٢) أم لا؟ وهل ذلك من المنكر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"(٣)؟ثمّ إن هؤلاء القوم منهم مَن يقول: إن هذا السماع قُربة يُتقرَّب بها، ومنهم مَن يقول: إنه مباح، وربما قال أصحاب هذا القول: إن الشافعي هو الذي قد(٤) قال بإباحة السماع، فهل قال الشافعي بإباحة ذلك(٥) أم لا؟(١) ع: "الرسول وأصحابه".(٢) ك: "بيده وبلسانه أو بقلبه".(٣) أخرجه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري.(٤) "قد" ليست في ع.(٥) ع: "السماع".
ومنهم مَن يقول: هو ذنب صغير يمحوه الاستغفار، يقول ذلك وهو مُصِرٌّ على فعله، لزعمه أن الاستغفار الذي [٦ ب] يمحوه هو(١) مجرد نطقه بالاستغفار من غير أن يُقْلِعَ بقلبه عنه، فهل هذا الاستغفار يُزِيل هذا الذنب من غير عزمٍ بقلبه على تركه أم لا؟ومنهم مَن يحتجُّ على ذلك وأنه مباح بحديث الحبشة الذين لعبوا في المسجد بالحِرابِ، وعائشة تنظر إليهم من وراء النبي صلى الله عليه وسلم(٢).ومنهم(٣) مَن يحتجُّ بحديث بنات النجَّار، وأنهن ضربن بالدف أمام النبي صلى الله عليه وسلم(٤).فالمسؤول من السادة العلماء تبيينُ ذلك كله وإيضاحه، وتعريف الصراط المستقيم، وفرضُنا السؤالُ وفرضكم الجواب، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣]، وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: ١٨٧]. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم(٥).(١) "الاستغفار يقول … يمحوه هو" ساقطة من ع.(٢) أخرجه البخاري (٩٥٠) ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة.(٣) "منهم" ليست في ك.(٤) أخرجه ابن ماجه (١٨٩٩) من حديث أنس بن مالك. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٠٦): إسناده صحيح ورجاله ثقات.(٥) بعده في الأصل، ك: "صفة الجوابات" ثم أجوبة سبعة من العلماء إلى الورقة (١٥ ب)، ثم "جواب ثامن وهو جواب الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الحنبلي المعروف بابن قيم الجوزية، قال". وبعده نصُّ الجواب الآتي.
الحمد لله، الكلام في هذه المسألة وتوابعها، وبيان مرتبتها في الشريعة، ومنزلتها عند سادات العارفين، وتأثيرها في القلوب خيرًا أو شرًّا، وفي الإيمان زيادة أو نقصًا، ومباينتها لطريق السالكين إلى الله تعالى العاملين(١) على مرضاته، أو موافقتها لها= إنما ينتفع به من حَكَّم كلامَ الله ورسوله وأصحابه وأئمة الإسلام والهداة الأعلام، وألقى السمعَ إلى كتاب الله وسنّة رسوله وهو شهيد، وجانَبَ طريقَ(٢) كل مبتدعٍ في دين الله، مطبوعٍ على قلبه جبَّارٍ عنيدٍ، قد حكَّم(٣) على ذوقه ووجده وحاله حُكْمَ الله ورسوله، وانقاد إليه، وجعل دينه وما جاء به مَشْربَه الذي يَرِدُه ويَحُومُ عليه، قد(٤) ارتضع من ثدي الوحي وما انفصلَ عنه بفِطام، واقتبس النور من مشكاته فاستنار به في سَدَفِ الظلام، قد(٥) هجَرَ البطَّالين، وهاجر بقلبه إلى الله ورسوله، وهَجَّرَ وابتكر إلى محابِّه ابتغاءَ مرضاتِه وجهادًا في سبيله.فطُوبَى له من(٦) وحيدٍ على كثرة الجيران، غريبٍ مع اقتراب(١) ع: "رب العالمين" بدل "تعالى العاملين".(٢) "طريق" ليست في ك.(٣) ع: "وحكم".(٤) ع: "و".(٥) ع: "و".(٦) "من" ليست في ك.
الأوطان، أخي سفرٍ(١) على أنه مقيم بين الأطلال، وعابرِ سبيلٍ لم يَثْنِ عزمَه طِيبُ الثمار وبَرْدُ الظلال، قد تعلقتْ همتُه بالمطلب الأعلى، فلم يَقنَعْ بالدُّون، وباع أنفاسَه(٢) الدنيا(٣) بتلك الأنفاس العُلى لا كبيع الخاسر المغبون، رُفِعَ له عَلَمُ السعادة فشَمَّر إليه، واستبان له طريقُ الوصول إلى المطلب الأعلى [١٦ أ] فقام واستقام عليه، أجاب مناديَ الإيمان إذ نادى به(٤) حيَّ على الفلاح، وبذل نفسَه في مرضاة محبوبه بذْلَ المحبِّ بالرضا والسماح(٥)، وعلم(٦) أنه لا بدَّ له من لقائه فواصل إليه السُّرَى والسيرَ بالغدوِّ والرواح، فحَمِدَ عند الوصول مَسْراه(٧)، وإنما يَحْمَدُ القوم السُّرَى عند الصباح(٨).فأمّا مَن اتخذ إلهه هواه، وأضلَّه الله على علمٍ، وختمَ على سمعِه(٩) وبصرِه فأصمَّه وأعماه، وأعرض عن الناصح بعد ما بذل له(١) ك: "في سفر".(٢) ك: "اقامة".(٣) ع: "الدنا".(٤) "به" ليست في ع، ك.(٥) ع: "والسماع".(٦) في الأصل: "وعلمه".(٧) ك: "سراه".(٨) إشارة إلى المثل السائر: "عند الصباح يحمد القوم السُّرى". انظر: "مجمع الأمثال" (٢/ ٣) و"المستقصى" (٢/ ١٦٨) و"جمهرة الأمثال" (٢/ ٤٢) وغيرها.(٩) بعدها في ك: "وقلبه".
جهدَه في نصيحته وعاداه، وجعل أغلاطَ من لم تُضمَنْ له العصمةُ في أفعاله وأقواله إمامَه وقدوتَه التي بها هُداه، فهو في سجن نفسه وإرادته محبوس، وقلبه لما علاه من رَيْن كَسْبِه المُبْعِد له عن ربه أسودُ منكوس، فالطريق الموصل له إلى الله عنه مسدود، وقلبه عن النفوذ إليه محجوب ومصدود. قد أسَامَ نفسَه مع الأنعام راعيًا مع الهَمَلِ، واستطابَ لُقيماتِ الراحة والبطالة، واستلان فِراشَ العجز والكسل، واستوعرَ طريقَ الصادقين، واستسهلَ(١) طريقَ المبطلين، فذاك الذي يُنادَى من مكان بعيد، وإذا بالغتَ معه في النصيحة فإنما تَضْرِب في باردِ الحديد، قد اتخذ بَطَرَ الحق وغَمْطَ(٢) أهلِه سُلَّمًا إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه، فلا يَعرف من المعروف ولا يُنكر من المنكر إلّا ما وافق [١٦ ب] إرادته أو خالفَ هواه، يستطيل على ورثة الرسول وحزبه بقلبه ولسانه، ويتحيّز إلى المبطلين البطَّالين(٣)، فهم أخصُّ شيعتِه وأعوانِه، قد ارتوى من مشربهم وتَضَلَّعَ(٤)، واستشرف إلى منازل أولياء الله المقربين وتطلَّع، فهو يَركُض في ميدان جهله مع الجاهلين، وكلَّما برَّزَ عليهم في ذلك الميدان ظنَّ أنه من السابقين.فهذا وأمثاله إنما يُطمَع في خطابهم لإقامة الحجة، لا للاستجابةِ(١) ع: "واستهل" تحريف.(٢) "غمط" ليست في ع.(٣) في الأصل: "الباطلين". والمثبت من ع، ك.(٤) أي: امتلأ شِبعًا ورِيًّا. وفي الأصل: "تظلع" تصحيف.
والانقياد، كيف وأحدهم(١) {إذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: ٢٠٦]. وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُ الله، وقُرِئت عليهم(٢) سنّة رسوله وكلامُ أصحابه وأئمة الإسلام، قالوا: لكم الشريعة ولنا الحقيقة، إنكم في وادٍ ونحن في وادٍ! نعم في وادي الويل والثُّبور، وحقيقة الأماني الكاذبة والغرور، وتالله(٣) ليعلمنَّ المبطلون إذا بُعثِرَ ما في القبور، وحُصِّلَ(٤) ما في الصدور، حقيقةَ ما كانوا عليه، وسوءَ(٥) عاقبة ما صاروا إليه، فعن قريبٍ ينكشفُ(٦) الغِطاء، وينجلي الغبار، ويعلم كلُّ أحد أَفَرسٌ تحتَه أم حمار(٧).فصلوالكلام في هذه المسائل المسؤول عنها في فصلين:(١) بعدها في ع، ك: "ممن".(٢) "عليهم" ليست في ع.(٣) ك: "والله".(٤) في الأصل: "حصلت". والمثبت من ع، ك.(٥) ك: "شوم".(٦) ك: "يكشف".(٧) إشارة إلى قول الراجز:سوف ترى إذا انجلى الغبارُ … أفرسٌ تحتك أم حمارُوهو ضمن رسالة للبديع الهمذاني في "جمع الجواهر" (ص ٢٦٥).
الفصل الأول: في بيان حكمها في الشريعة، وهل هو التحريم أو الكراهة أو الإباحة، أو ما تقوَّله(١) المفترون الكاذبون من الاستحباب والفضيلة. الفصل الثاني: أن تَعاطِيَها على وجه اللعب واللهو والمجون (٢) والخلاعة شيء، وتعاطيها على ما يقوله الكاذبون المفترون [١٧ أ] من أنها قربة وطاعة وطريق تُقرِّبهم إلى الله وتُوصِلهم إليه وتجمع قلوبهم عليه شيء.ونحن نتكلم بعون الله وتوفيقه وإمداده(٣) على كل واحد من الفصلين بما يُيسِّره(٤) الله ويفتح به، فإنه الفتّاح العليم.فأمّا الفصل الأول:فقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: ٥٩]. وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته(٥)، وإلى(١) الأصل: "يقول له". والمثبت من ك.(٢) ك: "الجنون" تحريف.(٣) ك: "وإسداده".(٤) ع: "يسَّره".(٥) "في حياته" ليست في ك.
سنته بعد مماته. فأمر سبحانه عباده المؤمنين أن يردُّوا ما تنازعوا فيه إليه وإلى رسوله، وخاطبهم أولًا بلفظ الإيمان، ثم جعل آخرًا الإيمان شرطًا في هذا الرد، فالإيمان يوجب عليهم هذا الرد، وينتفي عند انتفائه، فمَن لم يردَّ ما تنازع فيه هو وغيره إلى الله ورسوله لم يكن مؤمنًا.وتأمل قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} كيف أعاد الفعل وهو طاعة الرسول، ليدل أنه(١) يُطاع استقلالًا، وإن أمر بما ليس في القرآن الأمرُ به، ونهى عما ليس في القرآن النهيُ عنه، فإنه أوتي الكتابَ ومثلَه معه، ولم يُعِد الفعلَ في طاعة أولي الأمر، بل جعلها ضمنًا وتبعًا لطاعة الرسول، فإنهم إنما يُطاعون تبعًا لطاعة الرسول إذا أمروا بما أمر به، ونهوا عما نهى عنه، لا تجب طاعتهم استقلالًا(٢) في كل ما يأمرون [١٧ ب] به وينهون عنه.ثمّ قال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، ولم يقل "وإلى الرسول" إعلامًا بأن ما رُدَّ إلى الله فقد رُدَّ إلى رسوله، وما رُدّ إلى رسوله فقد رُدّ إليه سبحانه، وأن ما حكم به فقد حكم به رسوله، وما حكم به رسوله فهو حكمه(٣) سبحانه.وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ}، وهذا يعمُّ دقيقَ ما تنازع فيه المسلمون(١) ع، ك: "على أنه".(٢) ليست في الأصل وك، وهي في ع.(٣) ك: "فقد حكم به".
وجليلَه، لا يخصُّ شيئًا دون شيء، فمن ظن أن هذا في شرائع الإسلام دون حقائق الإيمان، وفي أعمال(١) الجوارح دون أعمال القلوب وأذواقها ومواجيدها، أو في فروع الدين دون أصولِه وبابِ الأسماء والصفات والتوحيد= فقد خرج عن موجب الآية علمًا وعملًا وإيمانًا.بل كما أن رسالته صلى الله عليه وسلم عامة إلى كل مكلف في كل وقت، فهي عامة في كل حكم من أحكام الدين: أصوله وفروعه، حقائقه(٢) وشرائعه، فمَن أخرج حكمًا من أحكام الدين عن عموم رسالته، فهو كمَن أخرج محكومًا عليه من المكلفين عن عموم رسالته، فهذا في البطلان كهذا.وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: ٥٦]، فجعل رحمته لهم معلقةً بطاعة رسوله(٣)، كما جعل الفلاح والفوز معلقًا بها في قوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: ٥٢].وأخبر سبحانه أن أهل طاعته وطاعة رسوله هم المنعَم عليهم، وهذا يقتضي أن غيرهم هم أهل الغضب والضلال، فقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ [١٨ أ] أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ(١) ع: "عمل".(٢) ك: "وحقائقه".(٣) ع: "بطاعته".
وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: ٦٩ - ٧٠]، فأخبر أن مرافقة(١) المنعم عليهم لا تحصُل إلّا لمن أطاعه وأطاع رسوله، وأن ذلك هو الفضل منه سبحانه(٢)، وهو عليم أين يجعله وعند مَن يضعه ويخصُّه به. وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. وكل ما الناسُ فيه فإمّا طاعةٌ للرسول(٣)، وإما هوًى للنفوس(٤)، لا يخرج عن الأمرين، وكل ما ليس بطاعة للرسول فهو هوى للأنفُس، قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: ٥٠].وبهذا يُعلم أن هؤلاء القوم مِن أَتْبعِ الناس لأهوائهم، لأن ما هم فيه ليس طاعة للرسول، فهو مجرد هوى متَّبَع، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاثٌ مُنجِياتٌ وثلاثٌ مُهلِكاتٌ، فالمنجيات: تقوى الله في(١) ع: "موافقة".(٢) ع: "من الله تعالى".(٣) ك: "طاعة بطاعة الرسول".(٤) ك: "النفوس".
السر والعلانية، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، والمهلكات: شُحٌّ مُطاع، وهوًى مُتَّبَع، وإعجابُ كلِّ ذي رأيٍ برأيه"(١).وقد أغنى الله رسولَه وعبادَه المؤمنين باتّباع هداه الذي(٢) هداهم به عن أهواء الذين لا يعلمون، ونهى عن اتباع أهوائهم، وأخبر أنهم لا يُغْنُون(٣) عن مَن اتبعهم من الله شيئًا، وقطعَ الموالاةَ [١٨ ب] بينه وبينهم، وأخبر أنه وليُّ مَن اتقاه واتبع هداه، وقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: ١٨ - ١٩].وأمر سبحانه رسولَه وأتباعَه أن يدعوا إليه على بصيرة، فقال: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: ١٠٨]. وهؤلاء(١) أخرجه البزار في مسنده (١/ ٥٩ - كشف الأستار)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٤٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥/ ١١٢) عن أنس بن مالك. وفي الباب عن جماعة من الصحابة، وقد خرَّجها الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٨٠٢) وحكم عليها بالحسن بمجموع الطرق. وسبقه إليه المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٨٦).(٢) ك: "هداية الذين".(٣) ع، ك: "لن يغنوا".