الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: مسائل فقهية الكتاب: الفروسية المحمدية[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١١)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)المحقق: زائد بن أحمد النشيريراجعه: سليمان بن عبد الله العمير - علي بن محمد العمران الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٤٧٤قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخُ الفقيهُ العالمُ الحافظُ شمسُ الدين، أبو عبد الله بن(١) أبي بكر بن أيُّوب الزُّرعي(٢)، الشَّهير بابن قيِّم الجَوْزِيَّة رضي الله عنه، وغفر له، وأعلا في الجنة درجته، آمين.الحمدُ لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظْهِرَه على جميع الأديان، وأيَّده بالآيات الظَّاهرة والمعجزات(٣) الباهرة ومن أعظمِها القرآن، وأمدَّه بملائكةِ السَّماءِ تُقاتِل بين يديه مقاتَلَةَ الفُرْسَان، ونصرَهُ بريحِ الصَّبَا تُحارِب عنه أهل الزَّيغْ والعُدْوان، كما نصره بالرُّعب، وقذفه في قلوبِ أعدائه وبَيْنَه وبَيْنَهُم مسِيْرةُ شهرٍ من الزَّمان، وأقامَ له جنودًا من المهاجرين والأنصار تُقَاتلُ معه بالسَّيف والسَّهم(١) وقع في (ظ) زيادة (أبي عبد الرحمن) بين (بن أبي) فحذفتها، إذْ لا وجود لها في مراجع ترجمة المؤلف. انظر كتاب ابن قيم الجوزية، حياته، آثاره، موارده، للشيخ بكر أبو زيد ص ١٧.- وجاء في (ح، مط) (قال الشيخ الإمام العالم العلامة أوحد عصره، وفريد دهره، شيخ الإسلام والمسلمين، قامع البدعة والمبتدعين الشيخ شمس الدين … ).(٢) في (ح) بعد (الزُّرعي) (إمام [الجوزية] أمتع الله بحياته، وأعاد على المسلمين من بركاته).- وجاء في الطبعة الثانية، المطبوعة على نفقة عزَّة العطار ومحمود سكر (المعروف بابن قيم المدرسة الجوزية رحمه الله.- وجاء في طبعة مكتبة الخانجي (١٤١٤ هـ) (إمام الجوزية متع الله بحياته، وأعاد على المسلمين بركاته).(٣) في (ح) (ودين الحق) بدلًا من (والمعجزات).
والسِّنان، وتصاول بين يديه(١) في ميادين السباق تصاول(٢) الأقران، وتبذل(٣) في نصرته من نفوسها وأموالها نفائِسَ الأثمان، تسليمًا للمَبِيع الذي جرى عقده على يدي الصادق المصدوق، والتزم للبائع الضمان: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة: ١١١]، وتبارك الذي أرسل رسله بالبيِّنات وأنزلَ معهم الكتاب والميزان، وأنزلَ الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ ومنافعُ للناس بها تتمُّ(٤) مصالح الإنسان، وعلَّم الفروسيَّةَ وجعل الشجاعةَ خُلُقًا فاضلًا يختصُّ به من يشاء، وكمَّلَهُ لحزبه وأنصاره(٥) أهل الإيمان، فأوجب محبته للجواد الشجاع، ومقته للبخيل الجبان(٦).وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له رب الأولين والآخرين، وإله العالمين(٧)، وقيُّوم السماوات والأرضين، الذي أفاض على خلقه النِّعمة، وكتب على نَفْسهِ الرحمة، وضَمَّنَ الكتاب الذي كتبه: أنَّ(١) قوله (وتصاول بين يديه) من (ظ)، وفي (ح) بياض بمقدار كلمتين.(٢) في (مط) (إذا تسابقت)، وفي (ح) (إذا (بياض) الأقران).(٣) في (مط) (وصرفت)، وسقط من (ح) (وتبذل)، وجاء هكذا (في نصرته من تفرسها).(٤) في (ح، مط) (ومنافع تتم بها مصالح … ).(٥) في (مط) (وأصاره حلية أهل الإيمان)، وفي (ح) (وأصاره أهل الإيمان).(٦) في (مط) (فأوجب محبة الجواد الشجاع، ومقت البخيل الجبان)، ووقع في (ظ) ( … الشجاع وكمله ومقته) وكأنه مضروب على كلمة (وكمله).(٧) في (ح، مط) (رب العالمين، وإله الأولين والآخرين).
رحمته تغْلب غضبه، تعرَّف إلى عباده بأوصافه وأفعاله وأسمائه، وتحبَّب إليهم بِنِعَمِهِ(١) وآلائه، وابتدأهم بإحسانه وعطائه، فهو المحسنُ إليهم والمجازي على إحسانه بالإِحسان، فله النعمةُ والفضلُ والثناءُ الحسنُ الجميلُ والامتنان، {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات: ١٧].وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأمينُهُ على وحْيِهِ، وخيرتُهُ من خلقِه، وسفيْرُهُ بينه وبين عباده، وحجَّتُهُ على جميع الإنس والجانِّ، أرسلَه على حينِ فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطُّرق وأبْيَن السُّبل، وافترض على العباد طاعتَه ومحبَّته وتعظيمه والقيامَ بحقوقه، وسدَّ إلى الجنة جميع الطرق؛ فلم يفتح لأحدٍ إلا من طريقه، فشرح الله له صدرَه، ورفعَ له ذِكرَه، ووضعَ عنه وِزْرَه، وبعثه بالكتاب الهادي والسّيف الناصر بين يدي الساعة حتى يُعْبَد سبحانه وحده لا شريك له، وجعل رزقه تحت ظلِّ سيفه ورمحه، وجعل الذِّلَّة والصغار على مَن قابل أمره بالمخالفة والعصيان، وأنزل عليه من الكتب أجلَّها، ومن الشرائع أكملها، ومن الأمم أفضلَها، وهم يوفّون سبعين أمَّة هم خيرها وأكرمها على الرحمن، وخصَّه من الأخلاق بأزكاها، ومن مراتب الكمالِ بأعلاها، وجمع له من المحاسن ما فرَّقه في نوع الإنسان، فهو أكمل الناس خَلْقًا، وأحسنهم خُلُقًا، وأشجعهم قلبًا، وأجودهم كفًّا، وألينهم عريكةً، وأوسعهم صدرًا، وألطفهم عِشْرةً، وأفصحهم لسانًا، وأثبتهم جنانًا، وأشرفهم بيتًا ونسبًا.(١) في (ح، مط) (بنعمته).
فهو مُحَمَّدُ بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كلاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالِك بن النَّضْر بن كِنانة بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَد بن عدنان.فصلى الله تعالى وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه والصالحون من خلقه عليه، كما عرَّفنا بالله تعالى وأسمائه وصفاته، ووحَّده ودعا إليه، وآتاه الوسيلة والفضيلة، وبعثه المقام المحمود الذي وعده به في الفرقان(١)، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.أما بعد:فإن الله تعالى أقام دين الإسلام بالحجَّة والبرهان، والسَّيف والسِّنان، فكلاهما في نصره أخوان شقيقان، وكلاهما شجيع(٢) لا يتمُّ إلا بشجاعة القلب وثبات الجَنان، وهذه المنزلةُ الشَّريفةُ والمرتبةُ المنيفةُ محرَّمة على كل مهين جبان، كما حُرِّمَت عليه المسرَّة والأفراح، وأُحْضِر قلبُهُ الهمومَ والغمومَ والمخاوفَ والأحزان، فهو يحسب أنّ كل صيحة عليه، وكلَّ مصيبة قاصدة إليه، فقلبُه بالهمِّ مغموم(٣) بهذا الظن والحُسْبان.(١) في (ح، مط) (في دار السلام) بدلًا من (الفرقان).(٢) ليست في (ظ). وشجيع: بمعنى شجاع، من الشجاعة. قال ابن السّكيت: "رجل شجيع وشجاع، وامرأة شجاعة" انظر المخصَّص لابن سيده (١/ ٢٧٤) ط - دار إحياء التراث العربي.(٣) في (ح، مط) (بالحزن مغمور).
وقد عُلِمَ أنَّ الفروسيَّة والشجاعة نوعان: فأكملها لأهل الدِّين والإيمان، والنوع الثاني: مورد(١) مشتركٌ بين الشُّجعان.وهذا مختصرٌ في الفروسيَّة الشرعيَّة النبويَّة التي هي من أشرف عبادات القلوب والأبدان، الحاملة لأهلها على نصرة(٢) الرَّحمن، السائقة لهم إلى أعلى غُرفات الجنان، علَّقته على بُعدٍ من الأوطان واغترابٍ عن الأصحاب والإخوانَ، وقلَّة بضاعة في هذا الشَّان، فما كان فيه من صواب؛ فمن الله وتفضله(٣) وتوفيقه، وما كان فيه من خطأ؛ فمنِّي(٤) ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان. فأقول - وبالله تعالى المستعان، وعليه التُّكلان -:ثبتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سابَقَ بالأقدام، وثَبتَ عنه أنه سابَقَ بين الإبل، وثَبتَ عنه أنه سابَقَ بين الخيل، وثَبتَ عنه أنه حضر نضال السهام، وصار مع إحدى الطائفتين، فأمسكت الأخرى، وصار مع الطَّائفتين(٥) كلتيهما، وثَبتَ عنه أنه رمى بالقوس، وثَبتَ عن الصِّدِّيق أنَّه راهن كفار مكَّة على غلبة الرُّوم للفرس(٦)، وراهنوه على أنّ ذلك لا(١) في (ظ) (مورود).(٢) في (مط) (عزَّة)، وفي (ح) (هزّة)، وجاء في (ح، مط) عند قوله (غُرفات … ) (غرف الجنان، علقته على بُعْدٍ من الأمن، واغتراب من الأصحاب .. ).(٣) في (خ، مط) (فمن فضل الله وتوفيقه).(٤) في (ظ) (ونهى)، وسقطت من (مط) (فمني).(٥) قوله (فأمسكت الأخرى، وصار مع الطائفتين) ليس في (ظ).(٦) (ظ) (الفرس).
يكون(١)، ووضعوا الخَطَرَ من الجانبين، وكان ذلك بعلم من(٢) النبيِّ صلى الله عليه وسلم وإذنه، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه طعن بالرُّمح، وركب الخيل مُعرَّاة ومسرجه(٣)، وتقلَّد السيف.فأما مسابقتُه بالأقدام:ففي "مسند الإمام أحمد"، و"سنن أبي داود" من حديث عائشة؛ قالت: "سابقني النبيُّ صلى الله عليه وسلم فسبقتُه، فلَبِثْنا حتى إذا أرهَقَني اللحمُ؛ سابقني فسبَقَني، فقالَ: "هذه بتلك"(٤).(١) في (مط، ح) (على ألّا يكون ذلك)، وعلَّق ناسخ (ح) في الحاشية بقوله: "مراهنة أبي بكر لأهل مكة قبل تحريم القمار، فتأمَّل". وجاء في (مط) (الحظ) بدلًا من (الخطر).(٢) من (ظ).(٣) في (ح، مط) (مسرجة ومعرّاة).(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٦/ ٣٩) رقم (٢٤١١٨) واللفظ له وفيه (هذه بتيك)، وأبو داود رقم (٢٥٧٨) نحوه وابن ماجه في سننه رقم (١٩٧٩)، والحميدي في مسنده رقم (٢٦١)، والطيالسي في مسنده رقم (١٥٦٥) وإسحاق في مسنده (٢/ رقم ٨٠٦) والترمذي في علله الكبير رقم (٧٠٧) والطبراني في الكبير (٢٣/ رقم ١٢٥) وغيرهم.من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكرته.وقد وقع في الحديث اختلافٌ كثير.فرواه غير واحد عن هشام عن رجل عن أبي سلمة عن عائشة فذكرته.(ويحتمل أن يكون الرجل هو علي بن زيد بن جدعان وفيه لين).ورجح هذا الطريق أبو زرعة الرازي والدارقطني، وأوْمَأ إليه البخاري. انظر العلل لابن أبي حاتم (٢/ رقم ٢٤٨٢)، والعلل الكبير للترمذي ص ٣٧٩، وحاشية محقق مسند الطيالسي (٣/ ٧١ - ٧٢)، وعلل الدارقطني =
وفي رواية أخرى(١): أنهم كانوا في سفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "تقدَّموا"، فتقدَّموا، ثم قال لعائشة: "سابِقيْني"، فسابَقَها فسبقتْهُ، ثم سافرتْ معهُ مرَّة أُخرى، فقال لأصحابِه: "تقدَّموا"، ثم قال: "سابقِيْني"، فسبقها(٢) فقال: "هذه بتلك". وتسابق الصحابة على الأقدام بين يديه صلى الله عليه وسلم بغير رهانٍ:ففي "صحيح مسلم"(٣) عن سلمة بن الأكوع قال: "بينما نحنُ نسير، وكان رجلٌ من الأنصار لا يُسْبَقُ شَدًّا(٤)، فجعلَ يقول: ألا مسابقٌ إلى المدينة؟ هل مِن مسابقٍ(٥)؟ فقلتُ: أما تكْرِم كريمًا وتهابُ شريفًا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلتُ: يا رسول الله! بأبي أنت وأُمِّي، ذَرْني فلأسابق(٦) الرجل، فقالَ: "إن شئتَ"، فسبقتُه إلى المدينة".= (٥/ ١٢٢ ق/ أ).والحديث صححه ابن حبّان وابن عبد البر وغيرهما. انظر التمهيد لابن عبد البر (١٤/ ٩٠).(١) عند أحمد في مسنده (٦/ ٢٤٦) رقم (٢٦٢٧٧) بنحوه بأطول منه.عن أبي جعفر المعيطي عن هشام عن أبيه عن عائشة فذكرته.وفي متنه الطويل غرابة، راجع المسند.(٢) في (مط) (فسبقته - ثم سابقني وسبقني -).(٣) رقم (١٨٠٧) مطولًا.(٤) في (ح) (أبدًا).(٥) في مسلم بعد قوله (من مسابق؟) (فجعل يعيد ذلك، قال: فلمَّا سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا).(٦) في (مط) (أسابق) وفي (ح) (لأسابق)، والمثبت من (ظ)، وصحيح مسلم.
فصل وأما مصارعتُه صلى الله عليه وسلم:ففي "سنن أبي داود"(١) عن محمد بن علي بن ركانة: "أن ركانةَ صارع النبي صلى الله عليه وسلم، فصرعهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم".وهذا الحديث فيه قصة نذكرها: أخبرنا شيخُنا أبو الحجاج الحافظ في كتاب "تهذيب الكمال"(٢) قال: "ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المُطَّلب بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كِلَاب بن مرَّة بن كعب بن لُؤيّ بن غالب القُرَشي المُطَّلبي، كان من مُسْلِمة الفتح، وهو الذي صارَعَ النبي صلى الله عليه وسلم، فصَرَعَهُ النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثًا، وذلك قبل إسلامه. وقيل:(١) برقم (٤٠٧٨)، والترمذي رقم (١٧٨٤) والبخاري في تاريخه الكبير (١/ ٨٢) و (٣/ ٣٣٨) والطبراني في الكبير (٥/ ٧١) وغيرهم.قال البخاري: "إسناده مجهول، لا يعرف سماع بعضه من بعض".وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، وإسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني، ولا ابن رُكانة".وقال ابن حبان في الثقات (٣/ ١٣٠): "ويقال إنَّه صارع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي إسناد خبره نَظَر".والحديث ضعفه أيضًا، الذهبي في الميزان (٧/ ٣٤٩) بجهالة أبي جعفر وأبي الحسن العسقلاني.وللحديث طرق أخرى فيها نظر، انظر دلائل النبوة للبيهقي (٦/ ٢٥١).وله شاهد من حديث ابن عباس، لكنه مُعل بالإرسال كما سيأتي بيانه (ص/ ١٣٨ - ١٣٩).(٢) (٩/ ٢٢١).
إنّ(١) ذلك كان سبب إسلامه، وهو أمثل ما رُوِي في مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم. وأما ما ذُكِرَ من مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم أبا جهل فليس لذلك أصل". انتهى كلام شيخنا.وقال الزُّبير بن بكَّار في كتاب "النَّسب"(٢):"ورُكانة بن عبد يزيد الذي صارع النبي صلى الله عليه وسلم بمكَّة قبل الإسلام، وكان أشدَّ الناس، فقال: يا محمَّد! إن صَرَعْتَني آمنتُ بك، فصرعَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد إنَّك ساحرٌ، ثم أسْلَمَ بَعْدُ". فصلوأما(٣) مسابقتُه صلى الله عليه وسلم بين الخيل:ففي "الصحيحين"(٤) من حديث ابن عُمر قال: "سابَقَ رسول الله(١) سقط من (ح).(٢) "نسب قريش": (ص/ ٩٥ - ٩٦).(٣) ليست في (ظ).(٤) أخرجه البخاري في صحيحه في (٩٩) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، (١٦) باب: ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحضَّ على اتفاق أهل العلم … (٦/ ١٦٧٢) رقم (٦٩٠٥) واللفظ له. ومسلم في (٣٣) كتاب الإمارة رقم (١٨٧٠).(ضُمِّرت): هي التي أُعدت لغزوٍ أو سباق. انظر غريب الحديث للخطابي (١/ ٣٢٥).- (الحفياء): موضع قُرْب المدينة.انظر معجم ما استعجم للبكري (١/ ٤٥٨)، وفتح الباري (٦/ ٧١).- (ثنية الوداع): موضع عن يمين المدينة أو دونها. والثنية: طريق في الجبل مفلوق. انظر معجم ما استعجم (٢/ ١٣٧٢ - ١٣٧٣).
صلى الله عليه وسلم بين الخيل، فأُرسلتِ التي ضُمِّرت منها، وأمَدُها الحَفْياء إلى ثَنِيَّة الوداع، والتي لم تُضَمَّر أمَدُها ثنيَّة الوداع إلى مسجد بني زُرَيق".وفي "الصحيحين"(١) عن موسى بن عُقبة: "أنَّ بين الحَفْياء إلى ثنيَّةِ الوداع ستَّة أميال أو سبعة".وقال البخاري(٢): "قال سفيانُ: بين الحَفْياء إلى ثنيَّة الوداع خمسة أميال أو ستَّة، ومن ثنيَّة الوداع إلى مسجد بني زُرَيْق ميل".وفي "مسند الإمام أحمد"(٣) من حديث عبد الله بن عمر أيضًا: "أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سبَّق بين الخيل وراهنَ".(١) أخرجه البخاري (٢٧١٥)، ومسلم (١٨٧٠)، واللفظ للبخاري، ولم يذكره مسلم.(٢) في صحيحه في (١٠) الجهاد، (٥٦) باب: السبق بين الخيل (٣/ ١٠٥٣).(٣) "المسند": (٢/ ٦٧) رقم (٥٣٤٨) عن عتَّاب عن عبد الله بن المبارك عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فذكره.قلت: ولفظة (وراهن): غريبة جدًّا، فقد رواه جماعة عن عبيد الله: كيحيى القطان والثوري وأبي أُسامة ومحمد بن عبيد وابن نمير وغيرهم كلهم عن عبيد الله عن نافع به بمثل لفظ الصحيحين، وبدون (وراهن).وهكذا رواه الإمام مالك وأيوب السختياني والليث بن سعد وموسى بن عقبة وجويرية بن أسماء وإسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد كلهم عن نافع عن ابن عمر بنحو لفظ الصحيحين، وبدون لفظة (وراهن).وعليه فهذه اللفظة (شاذة) والله أعلم.انظر المسند الجامع (١٠/ ٦٢١ - ٦٢٢)، وإتحاف المهرة (٩/ ١٩٩).
وفي لفظ له: "سبَّق(١) بين الخيل، وأعطى السابق"(٢).وفي "المسند"(٣) أيضًا من حديث أنس أنه قيل له: أكنْتُم تراهِنون(١) في (ظ، مط) (سابق) في الموضعين، والمثبت من (ح)، والمسند.(٢) المسند (٢/ ٩١) رقم (٥٦٥٦)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٠) بأطول منه وغيرهما. من طريق قراد أبي نوح وحماد بن سليمان كلاهما عن العمري عن نافع عن ابن عمر أن الخيل كانت تجري من ستة أميال فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق". لفظ حماد.قلت: قوله (وأعطى السابق) غريبة، حيث خالفهما عبد الرزاق.فرواه عن العمري عن نافع به بمثل لفظ الصحيحين.المصنف (٥/ ٣٠٤) رقم (٩٦٩٥).ورواية عبد الرزاق أرجح، فإن قرادًا مع ثقته له مفاريد، وحماد بن سليمان قال البيهقي: "مجهول". وأيضًا فإن روايته توافق رواية الجماعة عن نافع - كرواية مالك وأيوب والليث بن سعد وموسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر - في الرواية الراجحة عنه - وجويرية وغيرهم.وعليه فلفظة (وأعطى السابق) شاذَّة.وقد وَرَدَ عن الزهري أنه قال: "وأوَّل مَنْ أعطى فيه عمر بن الخطاب". أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٥٣١) رقم (٣٣٥٣٧).انظر التلخيص الحبير (٤/ ١٨١).(٣) (٣/ ١٦٠ و ٢٥٦) برقم (١٢٧٢٧ و ١٣٦٨٩)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٣٢) رقم (٣٣٥٤٧)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٠٣) رقم (٨٨٥٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥/ ١٥٨) رقم (١٨٩٩)، والدارقطني (٤/ ٣٠١) وغيرهم.من طرق عن سعيد بن زيد عن الزبير بن خريت عن أبي لبيد عن أنس فذكره مطولًا ..قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي لبيد إلا الزبير بن خريت، =
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراهن -؟ قال: "نعم والله، لقد راهن رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس له يُقال له سَبْحَة، فسبق الناس، فانبهش(١) لذلك وأعجبهُ".وفي "سنن أبي داود"(٢) عن ابن عمر: "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سَبَّق بين= تفرد به: سعيد بن زيد".قلت: الحديث تفرد به سعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد - وسعيد مختلف فيه بين موثق ومضعَّف، فيُخشى من وهمه انظر تهذيب الكمال (١٠/ ٤٤١ - ٤٤٤).(١) في المسند (فبهش)، وفي الرواية الأخرى (فانتشى)، وفي (ح) (فبشَّ).قال أبو عُبيد في غريبه (٣/ ١٤٤): "يقال للإنسان إذا نظر إلى الشيء فأعجبه فاشتهاه فتناوله وأسرع إليه وفرح به: قد بهش إليه".(٢) رقم (٢٥٧٧) وأخرجه أحمد (٢/ ١٥٧) رقم (٦٤٦٦) والدارقطني (٤/ ٢٩٩) وابن حبان في صحيحه (١٠/ ٥٤٣) رقم (٤٦٨٨) وابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ٨٤).من طريق عقبة بن خالد أبي مسعود المجدَّر عن عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فذكره.قلت: هذه اللفظة (وفضَّل القُرَّح في الغاية) غريبة.فقد روى الحديث عن عبيد الله بن عمر جماعة كثيرون فلم يذكروا فيه هذه اللفظة.وكذا رواه جماعة عن نافع بدون هذه اللفظة (وفضَّل القرح … ) كما تقدم ذكرهم.وعليه فهذه اللفظة شاذَّة، وقد أشار الدارقطني إلى تفرد عقبة بن خالد بهذه الزيادة، انظر تحقيق المسند (١٠/ ٤٩٠).والحديث صحَّح إسناده ابن عبد الهادي وابن الملقن انظر المحرر (٢/ ٥١٠) وتحفة المحتاج (٢/ ٥٥٥).وقال ابن عبد البر: "إن صح حديث عقبة هذا". التمهيد (١٤/ ٨٤).
الخيل، وفَضَّلَ القُرَّحَ(١) في الغاية". فصلوأما(٢) مسابقته بين الإبل:ففي "صحيح البخاري" تعليقًا(٣)، عن أنس بن مالك قال: "كانت العَضْباء لا تُسْبَق، فجاء أعرابيٌّ على قَعودٍ له فسابَقها فسَبَقها الأعرابيُّ، وكأنَّ ذلك شقَّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حق على اللهِ أن لا يرفع شيئًا(٤) إلا وضَعَه".وفي "صحيحه"(٥) أيضًا عن حُميدٍ عن أنس بهذه القصة، وقال:(١) القُرَّح: جمع قارح، قال ابن الأعرابي: إذا دخل (الخيل) في الخامسة فهو قارح. وقيل: إذا دخل في السنة السادسة. انظر تهذيب اللغة للأزهري (٣/ ٢٩٢٠).(٢) ليس في (ظ).(٣) في كتاب (٦٠) الجهاد، (٥٩) باب: ناقة النبي صلى الله عليه وسلم (٣/ ١٠٥٤) تحت رقم (٢٧١٧).والحديث وصله أبو داود في السنن رقم (٤٨٠٢) واللفظ له، وسنده صحيح.تنبيه: هذا التعليق وقع في رواية المستملي وحده فقال: "طوَّلهُ موسى عن حماد عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم". ولم يسق البخاري هذا اللفظ، وإنما أورد ابن القيم هذا اللفظ من سنن أبي داود - لأنه رواه عن موسى عن حماد به مباشرة.(٤) في سنن أبي داود ( .. شيئًا من الدنيا … ).(٥) رقم (٦١٣٦).
"وإنَّ حقًّا على اللهِ عز وجل أن لا يرفعَ شيئًا من الدُّنيا إلا وضَعَهُ".قلتُ: تأمَّل قوله في اللفظ الأول: "أن لا يرفع شيئًا"، وفي اللفظ الثاني: "أن لا يرفع شيئًا من الدُّنيا إلا وضَعَهُ"، فجعل الوضع لما رفع وارتفع(١)، لا لما رَفَعَه سبحانه؛ فإنه سبحانه إذا رفع عبدَه بطاعتِه، وأعزَّه بها، لا يَضعُه أبدًا(٢). فصلٌ وأما(٣) تناضل أصحابه بالرمي بحضرته:ففي "صحيح البخاري"(٤) عن سلمة بن الأكوع قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفرٍ من أصحابه(٥) ينتضلونَ بالسُّوقِ، فقال: "ارموا يا بني إسماعيلَ فإنَّ أباكُم كان راميًا، ارموا وأنا مع بني فُلانٍ". قال: فأمسك أحدُ الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لكُم لا تَرمونَ؟ "، فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: "ارموا، وأنا معكم كلكم".(١) في (ح، مط) (أو ارتفع).(٢) في (ح، مط) (بها) بدلًا من (أبدًا).(٣) في (ظ) (في) بدلًا من (وأما).(٤) رقم (٢٧٤٣).(٥) في صحيح البخاري في مواضعه الثلاثة بنفر - وفي رواية (على قوم) - من أسلم، كما في (ح). ولفظة (بالسوق): أوْرَدها البخاري برقم (٣٣١٦) وهذا يدل على أن ابن القيم يجمع بين الروايات في سياق واحد.