شعب الإيمان - ط الرشد (أبو بكر البيهقي) القسم: كتب السنة الكتاب: شعب الإيمان المؤلف: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ - ٤٥٨ هـ)حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: د عبد العلي عبد الحميد حامد [ت ١٤٤٣ هـ]أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي [ت ١٤٢٨ هـ]، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ معدد الأجزاء: ١٤ (الأخير فهارس)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الجامع لشعب الإيمانتأليفالإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحُسين البيهقي٣٨٤ هـ - ٤٥٨ هـالجزء الأولحققه وراجع نصوصه وخرَّج أحاديثهالدكتور عبد العلي عبد الحميد حامدمكتبة الرُّشدناشرون
حقوق الطبع محفوظةالطبعة الأولى١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ ممكتبة الرشد للنشر والتوزيع* المملكة العربية السعودية - الرياض - طريق الحجازص ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٩٣٤٥١ فاكس ٤٥٧٣٣٨١E- MAIL: alrushd@suhuf.net.sawww.alrushd.com * فرع مكة المكرمة: - هاتف ٥٥٨٥٤٠١ - ٥٥٨٣٥٠٦* فرع المدينة المنورة: - شارع أبي ذر الغفاري - هاتف ٨٣٤٠٦٠٠* فرع القصيم بريدة طريق المدينة - هاتف ٢٢٤٢٢١٤* فرع أبها: - شارع الملك فيصل هاتف ٢٣١٤٣٠٧* فرع الدمام: - شارع ابن خلدون - هاتف ٨٢٨٢١٧٥وكلاؤنا في الخارج* الكويت: - مكتبة الرشد - حولي - هاتف ٢٦١٢٢٤٧* القاهرة: - مكتبة الرشد - مدينة نصر - هاتف ٢٧٤٤٦٠٥
كلمة الناشرالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين والمبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن سار على منهجه واقتدى بهديه إلى يوم الدين.أما بعدفيسر مكتبة الرشد بالتعاون مع الدار السلفية بومباي الهند أن تقدم إلى المكتبة الإسلامية هدية نادرة من كتب التراث الإسلامي مطبوعة في صورة تروق عين الناظرين وترضي ذوق العلماء والباحثين وهي الموسوعة الحديثية العظيمة القدر الجامع المصنف في شعب الإيمان للإمام الحافظ المحدث أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (م ٤٥٨). ونحمد الله عز وجل على فضله وإنعامه بأن وفقنا -بكرمه ولطفه- بإصدار هذا الكتاب بتحقيق علمي. ويعتبر ذلك نجاحا كبيرا وخطوة إلى الأمام في تنفيذ المشاريع العلمية التي تتبناها مكتبة الرشد من يوم نشأتها في مجال إحياء التراث الإسلامي.وقد سبق أن أصدرت الدار أكثر من ثلاثمائة كتابٍ تتناول الموضوعات المختلفة من التفسير والحديث والعقيدة والفقه والفتاوى.ونسأل الله سبحانه وتعالى العون والتوفيق والسداد في قيامنا بمزيد من الأعمال لخدمة الدين الإسلامي خالصة لوجهه الكريم.الناشر
الوليد بن مزيد البيروتي، أخبرني أبي، قال سمعت الأوزاعي (يقول) حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني هلال بن أبي ميمونة، حدثني عطاء بن يسار، حدثني رفاعة بن عرابة الجهني قال: صدرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فجعل الناس يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يأذن لهم؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا بَالُ شِقّ الشَجرة الَّتي تَلي رسول الله صلى الله عليه وسلم" أبغضُ إليكم من الشِّق الآخر؟ " فلا نرى من القوم إلا باكيًا قال: فيقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن الذي يستأذنك في نفسي بعد هذالسفيه، قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أشهد عند الله"- وكان إذا حلف قال: "والذي نفسي بيده- ما منكم من أحدٍ يؤمنُ بالله، ثُمّ يُسدد إلا سُلك به في الجنة، ولقد وعدَني ربّي أن يُدخِل من أمّتي الجنّة سبعين ألفا لا حسابَ عليهم ولا عذاب، وإنّي لأرجو أن لا تدخلوها حتّى تتبؤَءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن(١) في الجنة" وذكر الحديث(٢). [٤٠١] أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أخبرنا جدي يحيى بن منصور(١) في (ن) "مساكين".(٢) وتمامه: قال "إذا مضى نصف الليل- أو قال ثلثا الليل- ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسال عن عبادي أحدًا غيري، من ذا يستغفرني فاغفر له؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ حتى ينفجر الصبح".وأخرجه أحمد في "مسنده"و من طريق الأوزاعي وهشام الدستوائي وشيبان كلهم عن يحيى بن أبي كثيربه (٤/ ١٦).وأخرجه ابن حبان (٩ - موارد) والطبراني في "الكبير" (٥/ ٤٣ رقم ٤٥٥٦) وابن خزيمة في "التوحيد" (١٣٢) من طريق الأوزاعي عن يحيى به.ورواه الطبراق من طرق أخرى (رقم ٤٥٥٧، ٤٥٥٨، ٤٥٥٩، ٤٥٦٠) وقال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٤٠٨) عند ابن ماجه (٢/ ١٤٣٢) طرت منه يسير، ورواه الطبراني والبزار بأسانيد ورجال بعضها عند الطبراني والبزار رجال الصحيح.وقال عن رجال أحمد: رجاله موثقون (مجمع الزوائد ١/ ٢٠ - ٢١).وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٣٢٢ رقم ٩١٩) والطيالسي (ص ١٨٢) من طريق هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير به. [٤٠١] سناده: صحيح.• عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، أبو محمد البصري (م ١٩٤ هـ). ثقة، تغير قبل موته بثلاث سنين (ع).• أيوب هو السختياني.• وأبو قلابة هو الجرمي، عبد الله بن زيد.
كلمة المحققإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: - ١٠٢].{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: ١].{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: ٧٠].أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.أما بعد!فهذا هو كتاب "الجامع المصنف في شعب الإيمان" للإمام الحافظ أبي بكر أحمد ابن الحسين البيهقي، تقدمه الدار السلفية للقراء، ولعل ذلك يعتبر من أهم الشروعات العلمية التي يتم تنفيذها في هذه الدار التي عكفت منذ أول يوم نشأتها على إحياء التراث الإسلامي وإشاعة السنة النبوية والجهاد ضد البدع والخرافاتوالكتاب يتناول موضوعا هاما يمس حياة المسلم على وجه هذه الأرض، فالله تبارك وتعالى خلق الجن والإنس ليعبدوه، وأرسل الرسل والأنبياء لهدايتهم إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم، وختم هذه الحلقة ببعث أفضل الأنبياء وسيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء يعلم البشر طريقة إقامة الصلة المطلوبة بين العبد وربه، كما أوضح معالم
الحياة السعيدة ونبه على أن مناط الفوز والخسران في الدار الآخرة يكون على نجاح الفرد أو فشله في الوفاء بالشروط والواجبات التي يتطلبها الإيمان بالله. وليس الإيمان عبارة عن التفوّه بكلمة الشهادة، ولا هو عبارة عن مجرد الطقوس والعبادات الظاهرة التي يأتي بها الإنسان. بل الإيمان عبارة عن مجموعة من الخصال والأعمال، تغطي جوانب الحياة كلها كما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان".وهذه الشعب أشار إليها النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في أحاديثه. وقد حاول جمعها في كتاب بعض العلماء وأحسن ما ألف فيه على طريقة المحدثين هو هذا الكتاب الذي بين أيديكم الآن. وهو يطبع لأول مرة بالتحقيق العلمي.والفضل يرجع في إخراجه إلى جهود الأخ الفاضل الشيخ مختار أحمد الندوي صاحب الدار السلفية الذي عرف بجهوده المخلصة لإشاعة السنة النبوية وهدم البدع الذميمة في الهند وخارجها.وأريد أن أعبر عن خالص شكري للأخ الفاضل الشيخ مختار أحمد الندوي الذي رآني أهلًا لهذا العمل ووضع ثقته فيّ. وأرجو أن أكون وفقت في إنجاز ما عهد إليّ من العمل.كما أشكر أولاده الثلاثة -أسلم وأكرم وأرشد- الذين قاموا بجانبي طوال مدة العمل يحاولون تذليل الصعاب وإزالة العقبات التي كانت تعرقل سبيلنا، كما حاولوا أن يخففوا عني وطأة المسئوليات الاجتماعية. فجزاهم الله وأطال عمرهم وكتب لهم النجاح والسعادة.وأود أن أشكر الأستاذ الفاضل الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي -حفظه الله- الذي قام بالتعاون معنا في إخراج هذا الكتاب، وأخبرنا عن نسخ الكتاب ومواضع وجودها، وساعدنا في الحصول على صور منها. وكان لتوجيهاته ونصائحه المخلصة فائدة كبيرة في عملنا. فجزاه الله أحسن الجزاء وأفادنا بعلمه.
وكذلك أشكر الأستاذ الفاضل صبحي السامرائي -حفظه الله- الذي تكرم بإهداء صور "الجامع المصنف لشعب الإيمان" من مكتبته الخاصة كما زودنا بكتب أخرى هامة استفدنا منها في إخراج هذا الكتاب.كما أشكر الزملاء الذين اشتركوا معي في العمل وهم: السيد/ ضياء الحسن السلفي الذي قام بنسخ الكتاب من المخطوطات، وقام بعمل فهارس ومراجعتها لتخريج أحاديث شعب الإيمان، والسيد/ زكي إختر الذي قام بإعداد فهرس كامل لرجال الكتاب، كما أعد فهرسًا منفصلًا لشيوخ البيهقي الذين يبلغ عددهم حوالي مائتي شيخ، وساهم في البحث عن تراجمهم في كتب التاريخ.والسيد خورشيد أنور الذي قام بصف الحروف على الكمبيوتر وإعطاء الكتاب شكله النهائي.أشكر كل هؤلاء وغيرهم ممن ساهم في إخراج هذا الكتاب. وأدعو الله أن يثيبهم على ما قاموا به من عمل ويكتب لهم التوفيق والسعادة.وضعت في أول الكتاب فصلين يتناول أحدهما ترجمة المؤلف والآخر كتابه الذي نحن بصدد نشره. وقد كتب كثير من العلماء، الذين قاموا بتحقيق كتب البيهقي ونشرها -أخيرًا- ترجمته، ولكن أحسن ما رأيت هو ما كتب أستاذي الجليل السيد أحمد صقر في مقدمة كتاب "معرفة السنن والآثار" ولقد استفدت من كلامه واقتبست منه.وأرجو الله أن يوفقني للسداد ويعصمني من الخطأ والزلل، ويقبله مني. إنه على كل شئ قدير.وصلى الله على النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وأهل بيته أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.عبد العلي عبد الحميد حامد
والخامس: أن يكون في عامة الأوقات مشفقًا وجلًا من إعراضه عنه، وسلبه معرفته التي أكرمه فيوتوحيده الذي حلاه وزينه به.والسادس: أن تكون آماله منعقدة(١) به لا يرى في حال من الأحوال أنه غني عنه.والسابع: أن يحمله تمكن هذه المعاني في قلبه على أن يديم ذكره بأحسن ما يقدر عليه.والثامن: أن يحرص على أداء فرائضه والتقرب إليه من نوافل الخير بما يطيقه.والتاسع: (أنه إن سمع)(٢) من غيره ثناء عليه، وعرف منه تقربًا إليه وجهادًا في سبيله سرًّا أو إعلانًا مالأه ووالاه.والعاشر: أنه إن سمع من أحد ذكرًاله أعانه(٣) بما يجل عنه أو عرف منه غيًّا عن سبيله سرًّا أو علانية باينه وناوأه.فإذا استجمعت هذه المعاني في قلب أحد فاستجماعها هو المشار إليه باسم محبة الله تعالى جده، وهي وإن لم تذكر مجتمعة في موضع فقد جاءت متفرقة عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن دونه، فمن ذلك معنى ما: [٤٠٤] أخبرنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين الأبهرى الصوفي بهمدان، حدثنا(١) وفي المنهاج "معقودة" وهو الأوجه.(٢) وفي النسخ "التاسع أن يسمع من غيره" وما أثبته هو الموافق للسياق.(٣) كذا في النسخ الموجودة. وفي المنهاج "إن سمع من أحد ذكراله بما يجل عنه" وهو ظاهر المعنى. [٤٠٤] إسناده: ضعيف.• أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين، الأبهري ثم الهمداني (م ٤٢٨ هـ).القدوة، شيخ الزهاد، قال شيرويه: كان وحيد عصره في علم المعرفة والطريقة، بعيد الإشارة، دقيق النظر.وارتحل وعُني بالرواية. وكان ثقة عارفًا له شأن وخطر وكرامات ظاهرة.راجع "السير" (١٧/ ٥٧٦).• أبو الحسن علي بن عمر بن محمد بن الحسن بن شاذان، الحميري، البغدادي، الحربي السكري (م ٣٨٦ هـ) عمّر دهرًا، وتفرّد بأشياء.قال الخطيب: سألت الأزهري عنه فقال: صدوق، وكان سماعه في كتب أخيه لكن بعض المحدثين قرأ عليه شيئًا منها لم يكن فيه سماعه، وألحق فيه السماع، فجاء آخرون =
الفصل الأولترجمة المؤلفهو الإمام، العلامة، الحافظ، المحدث، الفقيه، الأصولي، الزاهد، أبو بكر أحمد ابن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الخسروجردي.ونسبته إلى بيهق، قال ياقوت: ناحية كبيرة، وكورة واسعة، كثيرة البلدان والعمارة من نواحي نيسابور، وتشتمل على ثلاثمائة واحدى وعشرين قرية بين نيسابور وقومس وجوين، بين أول حدودها ونيسابور ستون فرسخًا، وكان قصبتها أولاً "خسروجرد"، ثم صارت "سبزوار".وأول حدود بيهق من جهة نيسابور آخر حدود ريوند إلى قرب دامغان خمسة وعشرون فرسخاً طولا وعرضها قريب منه … إلى أن قال:"وقد أخرجت هذه الكورة من لا يحصى من الفضلاء، والعلماء، والفقهاء، والأدباء، ومع ذلك فالغالب على أهلها مذهب الرافضة الغلاة(١) ".ولد الإمام البيهقي في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة في شمعبان، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في جمادى الأولى. عاش ٧٤ سنة. وقف حياته كلها في خدمة العلم، في البحث والدراسة، والتصنيف والتأليف، والإفادة والتدريس. ساعده على ذلك القناعة باليسير، والتجمل بالزهد والورع. كانت نفسه أشربت حب العلم والمعرفة فأحاطها من جميع أقطارها، وملك خوف الله عز وجل ومحبة دينه قلبه من كل جانب فلم يترك فيه مكانا للدنيا وأسبابها، ولذائذها ومنافعها. فركز همومه وصرفها إلى جهة واحدة هي العمل على بث العلم، وإفادة الناس، ونشر السنة(١) "معجم البلدان" (١/ ٥٣٧ - ٥٣٨).
والدفاع عنها، والحرب ضد من تسول له نفسه النيل منها، أو الغض من شأنها. وكان في ذلك كله متدرعًا بسلاحٍ من التقوى والورع والتواضع وكسر النفس، مع نزاهة القصد، وخلوص النية، وسعة الاطلاع، وقوة الحفظ، ودقة الفهم.كان أول سماعه للحديث في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وهو ابن خمس عشرة سنة(١) ورحل وطوف الآفاق في طلب العلم، فسافر إلى العراق والجبال والحجاز، وتجول في قراها ومدنها كنوقان وإسفرايين ونيسابور، والطابران، والدامغان، وبغداد، والكوفة، ومكة، وسمع من شيوخها، وأفاد واستفاد.وبعدما حصل على بغيته، وسكنت نفسه المتعطشة إلى الطلب والحصول رجع إلى موطنه، وعكف فيه يبث ما كان جمعه من العلوم فأقبل على التأليف والتصنيف والبحث والتدريس بنفس مطمئنة راضية لا يقلقها طلب معاش، وفكر متجمع لا يشوشه فكرة مال ولا تجارة، ولا التقرب إلى ذي سلطان. وهذه ميزة يتعجب منها الإنسان حينما يرى أن العصر الذي عاشه كان يسوده قدر غير قليل من الفتن والقلاقل السياسية والدينية. عصره:عاش البيهقي في فترة كانت من أشد الفترات اضطرابًا، وأكثرها فتنًا وقلاقل. كانت بلاد المسلمين كلها تموج بالفتن، وكان الوضع السياسي غير مستقر، فضعف الخلافة المركزية في بغداد أتاح لكل مغامر فرصة للوثوب على الحكم، واقتطاع جزء من الأرض لإقامة دولة جديدة. وهكذا كثرت الدويلات في طول البلاد وعرضها، ولم تكن العلاقات بينها تقوم على مودة وصفاء، وتفاهم وتعاون، بل كان يجري بينها حروب متواصلة مما قضى على الأمن والسلام، وأصبح الناس يعيشون في خوف دائم وقلق مستمر. وصار بلاط الأمراء والوزراء مسرح مؤامرات ومكيدات. ولم يكن يهم الإمام البيهقي ما كان يجري في الدوائر السياسية، ولكن كان عصره يموج بنوع(١) "السير" (١٨/ ١٦٤).
آخر من الفتن كان كل عالم مخلص يقلق لها. كانت الأمة الإسلامية انقسمت إلى معسكرات متناحرة متقاتلة(١)، فهناك طائفة الشيعة في حرب مع أهل السنة، وهؤلاء في مناظرة مع المعتزلة، وأهل السنة أنفسهم لم يكونوا متوافقين فيما بينهم، مجتمعين على كلمة واحدة. فكانت العلاقات بينهم عبارة عن مطارحات ومناقشات كانت سرعان ما تتحول إلى قتال دامٍ. وكانت الوحدة التي دعا إليها الإسلام اختفت، والألفة بين الناس تلاشت، وعواطف الأخوة والمحبة انعدمت، ومات الشعور بالتعاون والتضامن، وحل مكانه الشعور بالأنانية، والتفرق والتشتت والكراهية والحقد، والاختلاف والتحازب. وكانت النتيجة أن ضعفت شوكة المسلمين، وانعدم ذلك الرعب الذي نصر الله به هذه الأمة، وذهبت ريح المسلمين طبقًا لما أنذر الله في كتابه حين قال: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}(٢).وكان العلماء أهملوا واجبهم، فبدلاً من أن يعملوا على تأليف القلوب والإصلاح بين الناس، صاروا في مقدمة الذين يوقدون نيران الفتن، أو ينضمون للقائمن عليها.وهذا التشتت في صفوف الأمة أدى إلى ضعف بين أدركه أعداء الإسلام الذين كانوا يتربصون بالمسلمين، فاغتنموا ذلك، وأعدوا عدتهم، وبدأوا حملاتهم، وأذاقوا المسلمين أنواعا من العذاب من القتل والأسر والتشريد.وكان الخلفاء والأمراء والسلاطين يخوضون أحيانًا غمار هذه الفتن. وكان انحيازهم إلى طائفة ما يعني غلبتها وانتصارها من مخالفيهم الذين كانوا يتعرضون لأقصى المحن والبلايا على أيديهم. فمثلا كان هوى الخليفة القادر بالله مع أهل السنة وقام بنصرتهم في أكثر من موقع، ففي سنة ثمان وأربعمائة وقعت فتنة عظيمة في بغداد بين أهل السنة والشيعة قتل فيها عدد كبير من الخليقة، فتدخل الخليفة، وطرد زعماء الباطنية والجهمية والمشبهة، واستتاب فقهاء المعتزلة فأظهروا الرجوع، وتبرءوا من(١) انظر "الكامل" لابن الأثير و"البداية والنهاية" لابن كثير و"شذرات الذهب" حوادث سنة ٤٠٨ هـ، ٤٢٠ هـ، ٤٥٨ هـ.(٢) الأنفال (٨/ ٤٦).
الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام -وتبع السلطان محمود بن سبكتكين- وهو الحاكم على خراسان، خطوة الخليفة، فسعى في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم، ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر، وأبعد جميع طوائف أهل البدع، ونفاهم عن ديارهم.ولم يكتف الخليفة على ما فعل من استتابة المعتزلة وطرد زعماء أهل البدع، فجمع كتابا في مظاهرة أهل السنة، فيه الرد على أهل البدع وتفسيق من قال بخلق القرآن، وأمر بجمع العلماء والأعيان من كل الفرق، وقرئ عليهم الكتاب، وأخذت عهودهم ومواثيقهم بالموافقة عليه.ثم تقدم الخليفة خطوة أخرى فعزل خطباء الشيعة وولى خطباء السنة وعلى تشجيع من الخليفة اضطهد السلطان محمود بناحية من الري بطائفة من الباطنية، وأحل بهم قتلا ذريعا وصلبا شنيعا.وهكذا تمتع أهل السنة بنوع من حماية الدولة وأفادوا منها وانتفعوا بها في تنكيل معارضيهم، ولكن لم تدم هذه الحماية، ودالت الدولة عليهم فمات الخليفة المنتصر لهم، وزالت دولة بني سبكتكين، واستولى آل سلجوق على الملك في خراسان، ووجدت أهل التشيع والرفض والاعتزال الفرصة فانتصروا من أهل السنة، وكالوا لهم الكيل، وأشعلوا بمساعدة الحكام نيرانا للفتن اصطلى فيها البيهقي نفسه مع غيره من العلماء فعُذّبوا، وطُردوا من ديارهم، وسُجنوا ونُهبت بيوتهم، وأُبعدوا عن الوظائف ولا سيما الخطابة، وأُحل غيرهم محلهم.حدث ذلك في سنة خمس وأربعين وأربعمائة وكان طغرلبك سلطان الوقت وكان رجلاً سنيا حنفيا. والأحناف كانوا معروفين بلين الجانب مع المعتزلة بخاصة(١) فانتهز هؤلاء الفرصة وتقربوا إلى وزيره عميد الملك أبي نصر محمد بن نصر الكندري الذي يقول عنه السبكي(٢) الذي ذكر هذه الفتنة بإسهاب -إنه كان معتزليا، رافضيا،(١) انظر "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" (ص ٢٤٢).(٢) "طبقات الشافعية" (٢/ ٢٧٠) وانظر فيه خبر هذه الفتنة.