مسند أحمد - ط الرسالة (أحمد بن حنبل) القسم: كتب السنة الكتاب: مسند الإمام أحمد بن حنبل المؤلف: الإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ)المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]- عادل مرشد - وآخرونإشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالةعدد الأجزاء: ٥٠ (آخر ٥ فهارس) الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الموسوعة الحديثيةمسند الإمام أحمد بن حنبل(١٦٤ - ٢٤١ هـ) الجزء الأول حقَّقَهُ وَخَرَّجَ أحَاديثه وَعلَّق عليهِشُعَيب الأرنَؤوط - عادل مُرْشِدمؤسسة الرسالة
الموسوعة الحديثيةتقدمها مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيعبَيروت المشرف العام على إصدارهاالدكتور عَبد الله بن عبد المحسن التركي المشرف على تحقيقها وتخريج نصوصها والتعليق عليهاالشيخ المحدِّث شعيب الأرنؤوط المشاركون فى التحقيقشعيب الأرنؤوط - محمد نعيم العرقسوسي - عادل مُرشد - إبراهيم الزّيبقمحمد رضوان العرقسوسي - كامل الخرّاط
بسم الله الرحمن الرحيم اعتُمد في تحقيق هذا الجزء على النسخ الخطية التالية:١ - نسخة المكتبة الظاهرية ورمزها [ظ ١١].٢ - نسخة مكتبة شستربتي ورمزها [ب].٣ - نسخة مكتبة الرياض بالسعودية ورمزها [ح].٤ - نسخة دار الكتب المصرية ورمزها [س].٥ - نسخة المكتبة القادرية ببغداد ورمزها [ق].٦ - نسخة مكتبة الأوقاف العامة بالموصل ورمزها [ص].٧ - وضعنا رقم الجزء والصفحة من الطبعة الميمنية المصورة بدار صادر وغيرها، بحاشية هذه الطبعة، وأشرنا بالحواشي لأهم فروقها، وما وقع فيها من سقط أو تحريف. ورمزنا إليها بالحرف [م]. الرموز المستعملة في زيادات عبد الله، ووجاداته، وما رواه عن أبيه وعن شيخ أبيه أو غيره.• دائرة صغيرة سوداء لزيادات عبد الله.° دائرة صغيرة بيضاء لوجاداته.* نجمة مدورة لما رواه عن أبيه وعن شيخ أبيه أو غيره. عدد الأحاديث الصحيحة والحسنة، لذاتها أو لغيرها في هذا الجزء: ٦٢٧ حديثاً.عدد الأحاديث الضعيفة في هذا الجزء: ١٧٢ حديثاً.
تقديمبقلم: مَعَالي الدكتور عبدُ الله بن عبد المحسن التركيالحمدُ لله الذي حفظ القرآن العظيمَ بحفظه، فقال تبارك اسمُه:* {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.* {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.والحمدُ لله الذي جَعَلَ من عصمة الكتاب عصمةً لِبيانِ الكتاب، وهو السنةُ المُطَهْرَةُ، فقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.فإِنَّما كان بيانُ السنة للكتاب وحياً من الله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ َقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}.والصلاةُ والسلامُ على الرحمةِ المهداةِ، والنعمةِ المُسْداةِ، إمام الأَنبياءِ والمرسلين وخاتَمِهِم الذي أَخرج الله به الناسَ مِن الظلمات
إلى النورِ، وأَكْمَلَ به الدينَ، وأَتَمَّ به النِّعمة، وأَقامَ به الحُجَّةَ العلميةَ بالبرهان، والحجة العملية بالقدوةِ، سَيِّدِنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَنْ تَبعهم بإحسانٍ.أَمَّا بعدُ، فلم يَكُنِ الله - تعالى - لِيَتْرُكَ الناسَ سُدىً، وهو الحكيمُ العليمُ، الرحيمُ الودودُ:* {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى}.* {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}.* {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ}.وَمِن رحمته - تعالى - بالعبادِ أَن أرسلَ إليهم أَنبياءَ ورسلاً، بالهدى ودينِ الحَقِّ منذ البدء:* {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.ولقد اطَّرَدَ هَدْيُ السَّماءِ في الموكب البشري:* {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}.
الكتاب العظيم:ثم ابتعث اللهُ - على فترةٍ من الرُّسُلِ - أعظم المُرْسَلِينَ بأَعظمِ كِتابٍ:* {الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ}.* {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَ}.* {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ}.* {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}.* {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.* {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}.* {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا. قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا. مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا}. الرسول العظيم:ولا يحمل الكتابَ العظيمَ إلا الرسولُ العَظِيمُ:
* {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.فلم يمش على الأَرْضِ إِنسانٌ أَكْرَمُ على الله، وأَتقى لَه، وأَبرّ بخَلْقِه مِنَ النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.* {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ.قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.* {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا. وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}.* {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.* {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}. المسؤولية الأولى: تلاوة القرآن:ولقد أَدَّى الرسولُ صلى الله عليه وسلم الأَمَانَةَ، وتحَمَّلَ المسؤوليةَ.
ومِنَ الأَمانَةِ والمسؤوليةِ تلاوةُ آياتِ الكتابِ المُبِينِ على الناسِ:* {وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ المُنْذِرِينَ}.* {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}.* {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا. رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}.* {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ}.* {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}. استنان السنة:وابتعث الله الرسولَ صلى الله عليه وسلم، وأَوحَى إليه أنْ يعَلِّمَ الناسَ الكِتَابَ، ويُبين لهم ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهم:* {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.* {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}.ومِنَ البيان والتعليم: تعليمُ الناسِ كيفياتِ الطهارة والصلاة
والزكاة والصيام والحج، والحلالِ والحرام في البيوعِ والمطاعمِ والمشاربِ والمناكح .. وغيرِ ذلك مما بيَّنَتهُ السُّنَّةُ، وعلَّمته للناس.قال الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله في "الرسالة" .. : "قال الله تبارك وتعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}.وقال: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ}.فأتى كتابُ الله على البيانِ في الوضوءِ دونَ الاستنجاءِ بالحجارة، وفي الغسل من الجنابة.ثم كان أقل غسلِ الوجه والأعضاء مرةً مرةً، واحتمل ما هو أكثرُ منها، فَبَينَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الوضوءَ مرةً، وتوضأ ثلاثاً، ودَلَّ على أن أقلَّ غسل الأعضاءِ يُجزئ، وأن أقلَّ عدد الغسلِ واحدة، وإذا أجزأت واحدة فالثلاث اختيارٌ.ودلّت السنةُ على أنه يُجزئ في الاستنجاءِ ثلاثةُ أحجار، ودلَّ النبيُّ على ما يكونُ منه الوضوء، وما يكونُ منه الغُسْلُ، ودلَّ على أنَّ الكعبين والمِرفقين مما يغسل، لأَنَّ الآية تحتملُ أن يكونا حَدَّيْن للغَسل، وأن يكونا داخلين في الغَسل، ولما قال رسول الله: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" دَلَّ على أنَّه غَسْلٌ لا مسحٌ".ثم ذكر الشافعي آياتِ الصلاة والحج والعُمرة، وقال: "بَيَّنَ الله
على لِسان رسولِه عَدَدَ ما فَرض مِن الصَّلواتِ ومواقيتها وسننها، وعددَ الزكاة ومواقيتها، وكيف عمل الحج والعمرة، وحيث يزولُ هذا ويثبت، وتختلف سُنَنُهُ وتتَّفقُ ولهذا أشباه كثيرةٌ في القُرآن والسنة". سنة التزكية بالقدوة:وابتعث الله تعالى رسولَه صلى الله عليه وسلم ليزكي النفوسَ والمسالكَ بالقُدوة الحيَّةِ الماثلة المجلوة:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.والتزكيةُ بالقدوة هي السنةُ:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}. سنة تعليم الحكمة:وابتعَث الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم لِيُعَلِّمَ الناسَ الحِكمة:* {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.* {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ}.* {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}.* {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ}.* {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكْمَةِ}.والحكمة: هي السُّنَّةُ.قال الشافعي رحمه الله: "فذكر الله الكتابَ وهو القرآنُ، وذَكَرَ الحِكمةَ، فسمعتُ مَنْ أَرْضَى مِن أهل العلم بالقُرآن يقول: الحِكمة: سنةُ رسولِ الله".وقال ابنُ كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ} يعني القرآنَ. {وَالحِكْمَةَ} يعني السنة، قاله الحسنُ وقتادة ومقاتلُ بنُ حيان وأبو مالك". لا إسلامَ بِغيرِ السُّنَّةِ:إن أَمرَ السنةِ المطهرةِ جِدُّ عَظيم.ولا يُتَصوَّرُ إسلامٌ بلا سنة، ولا يُفهم إِسلام بِلا سُنَّة، ولا يُقبل إسلام بلا سنة.لقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَلا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ ومِثلَهُ مَعَهُ".هذا المِثْلُ هو: السنةُ الشريفة بشُعَبِها جميعاً: القول والفِعل والتقرير.لا جرَم أن الله - تَقَدَّس اسمُه - أَلزَمَ المؤمنينَ باتباعِ سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى:
* {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}.* {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.* {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}.* {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.* {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.* {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ}.* {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}.* {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.
* {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.* {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.* {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}.* {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.* {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ}. السنة ميزان الأعمال والأقوال:ويعلمُ الراسخون في العلم، أهلُ التقوى والعقلِ والصلاحِ:أن السنةَ المطهرة هي ميزانُ الأعمال والأقوال، فالعلمُ بها واجِبٌ لِصحة العمل، والعملُ بها واجب، يقولُ تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}.ومن زَاغَ عن السُّنَّة متعمِّداً، هلك: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.يقول ابن القيّم رحمه الله في "زاد المعاد" .. "والمقصودُ أنَّ بحسب متابعة الرسول تكون العزَّةُ والكفاية والنُّصرةُ، كما إن بحسب متابعته تكونُ الهدايةُ و الفلاحُ والنجاةُ، فالله سبحانه عَلَّقَ