مجموع رسائل ابن رجب (ابن رجب الحنبلي) القسم: الجوامع الكتاب: مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي المؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)دراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر الطبعة:جـ ١، ٢/ الثانية، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ مجـ ٣/ الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ مجـ ٤/ الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ معدد الأجزاء: ٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
مَجْمُوع رَسَائِلْالحَافِظْ ابْنِ رَجَب الحَنْبَلِيِّزِين الدِّين أَبِي الفَرَج عَبْد الرَّحْمَن بْن أَحْمَد بْن رَجَب الحَنْبَلِيّ(٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)رَسَائِلُ جَمَعَتْ عُلُوماً شَتَّى فِي التَّوحِيدِ وَالفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالحَدِيثِوَالزُّهْدِ وَالأَدَبِ وَالمَوَاعِظِ وَالرَّقَائِقِ وَالسِّيَرِ وَالتَّارِيخِجَمِيع الرَّسَائِل حُقِّقَتْ عَلَى نُسخٍ خطيَّة أَصْلِيَّةدِرَاسَة وَتَحْقِيقأَبِي مُصْعَبْ طَلْعَتْ بْن فُؤَادٍ الجُلْوَانِيّالمُجَلَّدُ الأَوَّلُالنَّاشِرُالفَارُوقُ الحَدِيثَة لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب أو إعادة طبعه أو تصويره أو اختزان مادته العلمية بأي صورة دون موافقة كتابية من الناشر.النَّاشِرُالفَارُوقُ الحَدِيثَة لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِخلف ٦٠ ش راتب باشا - حدائق شبرات: ٤٣٠٧٥٢٦ - ٢٠٥٥٦٨٨ القاهرةاسم الكتاب: مجموع الرسائل الحافظ ابن رجب الحنبليتأليف: زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبليدراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلوانيرقم الإيداع: ١٧٣٠٧/ ٢٠٠١الترقيم الدولي: ٥ - ٦٥ - ٥٧٠٤ - ٩٧٧الطبعة: الثانيةسنة النشر: ١٤٢٤ هـ- ٢٠٠٣ مطباعة: الفَارُوق الحَدِيثَة لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ
ورثة الأنبياءشرح حديث أبي الدرداء
قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟.قُلْتُ: نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ (عَلَى) (*) الْكَرِيهَاتِ.فَقَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ.قَالَ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ".وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا».وخرّجه الترمذي (١)، وقال: "حديث (حسن صحيح) (**) "، قال: وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا، فَقَالَ: "هذا حديث حسن صحيح (٢).(*) عند:"نسخة".(**) صحيح: "نسخة".(١) برقم (٣٢٣٥).(٢) ونقل الترمذي في السنن (٥/ ٣٤٤) قول البخاري: هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثنا خالد بن اللجلاج حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، وهذا غير محفوظ. هكذا ذَكَرَ الوليدُ في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن عائش عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا أصح، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم.وفي علل الترمذي الكبير (٦٦١) قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فَقَالَ: عبد الرحمن بن عائش لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم.وحديث الوليد بن مسلم غير صحيح.والحديث الصحيح ما رواه جهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير حديث معاذ بن جبل هذا.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.خرَّج الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) في كتبهم:"أن رجُلاً قدِم مِن المدِينةِ على أبِي الدّرداءِ وهُو بِدِمشْق، فَقَالَ: ما أقْدمك يا أخِي؛قال: حدِيثٌ بلغنِي أنّك تُحدِّثُهُ عنْ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.قال: أما جِئْت لِحاجةٍ؟قال: لَا.قال: أمَا قَدِمْتَ لِتِجارةٍ؟قال: لَا. قَالَ: ما جِئْتُ إِلَاّ فِي طَلَبِ هَذَا الحدِيثِ؟قال: نَعَمْ.قال: فإِنِّي سمِعْتُ رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يقُولُ: «منْ سلك طرِيقًا يبْتغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الجنّةِ، وإِنّ الملائِكة تضعُ أجْنِحَتَهَا رِضًى لِطالِبِ العِلْمِ، وإِنّ العالِم ليسْتغْفِرُ لهُ منْ فِي السّمواتِ ومنْ فِي الأرْضِ حتّى الحِيتانُ فِي الماءِ، وفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كفضْلِ القمرِ على سائِرِ(١) (٥/ ١٩٦).(٢) برقم (٣٦٤١).(٣) برقم (٢٦٨٢).(٤) برقم (٢٢٣).
الكواكِبِ، وإِنّ العُلماء ورثةُ الأنْبِياءِ، وإِنّ الأنْبِياء لمْ يُورِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهمًا إِنّما ورّثُوا العِلْم؛ فمنْ أخذ بِهِ أخذ بِحظٍّ وافِرٍ».وكان السلف الصالح رضي الله عنهم لقوة رغبتهم في العلم والدين والخير يرتحل أحدهم إلى بلد بعيد لطلب حديث واحد يبلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم.وقد رحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر للقاء رجل من الصحابة بلغه عنه حديث يحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم.وكذلك فعل جابر بن عبد الله الأنصاري مع كثرة ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث وروى.وكان أحدهم يرحل إلى من هو دونه في الفضل والعلم لطلب شيء من العلم لا يجده عنده.ويكفي في هذا المعنى ما قص الله علينا من قصه موسى وارتحاله مع فتاه، فلو استغنى أحد عن الرحلة في طلب العلم لاستغنى عنها موسى عليه السلام، حيث كان الله قد كمله وأعطاه التوراة التي كتب له فيها من كل شيء، ومعهذا فلما أخبره الله عز وجل عن الخضر؛ أن عنده علمًا يختص به سأل السبيل إلى لقائه، ثم سار هو وفتاه إليه كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} (١).يعني: سنين عديدة، ثم أخبر أنّه لما لقيه قال له: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} (٢).(١) الكهف: ٦٠.(٢) الكهف: ٦٦.
وكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه. ومن حديث أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قي قصة موسى والخضر مخرج في "الصحيحين" (١) وهو مشهور.وكان ابن مسعود يقول:"واللهِ الّذِي لا إِله إِلاّ هُو ما أُنْزِلتْ سُورةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ إِلّا وأنا أعْلمُ أيْن نزلتْ، ولا نزلتْ آيةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ إِلّا وأنا أعْلمُ (فِيم أُنْزِلتْ) (*)، ولوْ أعْلمُ أحدًا أعْلم مِنِّي بِكِتابِ اللهِ تبْلُغُهُ الإِبِلُ لركِبْتُ إِليْهِ " (٢).وقال أبو الدرداء:"لوْ أعْيتْنِي آيةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ فلمْ أجِذ أحدًا يفْتحُها عليّ إِلاّ رجُلٌ بِبرْكِ الْغِمادِ لرحلْتُ إِليْهِ " (٣).وبرك الغماد أقصى اليمن.وخرج مسروق من الكوفة إلى البصرة لرجل يسأله عن آية من كتاب الله فلم يجد عنده فيها علمًا، فاُخْبِر عن رجل من أهل الشام فرجع إلى الكوفة ثم خرج إلى الشام إلى ذلك الرجل في طلبها.ورحل رجل من الكوفة إلى الشام إلى أبي الدرداء يستفتيه في يمين حلفها.ورحل سعيد بن جبير من الكوفة إلى ابن عباس بمكة يسأله عن تفسير آية.ورحل الحسن إلى الكوفة إلى كعب بن عجرة يسأله عن قصته في فدية الأذى.واستقصاء هذا الباب يطول.(١) أخرجه البخاري (٧٤)، مسلم (٢٣٨٠).(*) في نسخة: "أين أنزلت"، وفي نسخة أخرى: " فيمن أنزلت".(٢) أخرجه البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣).(٣) ذكره الذهبي في "السير" (٢/ ٣٢٢).
وحلف رجل يمينًا فأشكلت على الفقهاء، فدل على بلد فاستبعده فقيل له: إن ذلك البلد قريب على من أهمه دينه.وفي هذا إشارة إلى أن من أهمه أمر دينه كما أهمه أمر دنياه إذا حدثت له حادثة في دينه لا يجد من يسأله عنها إلا في بلد بعيد؛ فإنه لا يتأخر عن السفر إليه ليستبرئ لدينه، كما أنّه لو عرض له هناك كسب دنيوي لبادر السفر إليه.وفي هذا الحديث أن أبا الدرداء بشر من أخبره أنّه رحل/ إليه لطلب الحديث بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في فضل العلم وطلبه وهذا مأخوذ من قوله تعالى:{وإِذا جاءك الّذِين يُؤْمِنُون بِآياتِنا فقُلْ سلامٌ عليْكُمْ كتب ربُّكُمْ على نفْسِهِ الرّحْمة} (١).وقد ازدحم الناس مرة على باب الحسن البصري لطب العلم، فأسمعهم ابنه كلامًا، فقال الحسن: "مهلاً يا بني"، ثم تلا هذه الآية.وفي كتاب الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) عن أبي سعيد:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَصَّاهُمْ بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالمُتَفَقِّهِينَ فِي الدِّينِ".وجاء زر بن حبيش إلى صفوان بن عسال في طلب العلم قال له:بلغني "أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ " (٤).وفي رواية أنه روى له ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.(١) الأنعام: ٥٤.(٢) برقم (٢٦٥٠، ٢٦٥١).(٣) برقم (٢٤٧، ٢٤٩).(٤) أخرجه الترمذي (٣٥٣٥ - ٣٥٣٦) وقال: هذا حدث حسن صحيح.
وازدحم الناس مرة على باب ابن المبارك فقال: حُقٌّ لهُمْ مِنْ وِلايةٍ سُرُورُ الأبدِ. يغبطهم بازدحامهم على طلب العلم؛ لأنّه يؤدي إلى الخلود في النعيم المقيم.ولهذا تأسف معاذ بن جبل عند موته وبكى على مفارقة مجالس الذكر فقال: "إِنّما أبكي على ظمأِ الْهواجِرِ، وقِيامِ ليْلِ الشِّتاءِ، ومُزاحمةِ العُلماءِ بِالرُّكبِ عِنْد حِلقِ الذِّكْرِ" (١).وينبغي للعالم أن يرحب بطلبة العلم ويوصيهم بالعمل.كما قال الحسن لأصحابه -وقد دخلوا عليه-: "مرحبًا بِكُمْ وأهْلاً، حَيّاكُمُ اللهُ بِالسّلامِ، وأذخلنا وإيّاكُمْ دار السّلامِ، هذِهِ علانِيةٌ حسنةٌ إِنْ صبرْتُمْ وصدقْتُمْ وأيْقنْتُمْ، لا يكُوننّ حظّكُمْ مِنْ هذا الخْيرِ -رحِمكُمُ اللهُ- أنْ تسْمَعُوهُ بِهذِهِ الْأُذُنِ فيخْرُجُ مِنْ هذِهِ الْأُذُنِ؛ فإِنّهُ منْ رَأَى مُحمّدًا صلى الله عليه وسلم فقذ رآهُ غادِيًا ورائِحًا لمْ يضعْ إِلى اللهِ لبِنةً على لبِنةٍ ولا قَصَبَةً عَلَى قَصَبةٍ، وَلَكِنْ رُفِع لهُ علمٌ فشمَّر إِليْهِ. الْوحَا الْوحَا (٢)، النّجَا النّجَا عَلَامَ تُعرِّجُون؛ أتيْتُمْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ كأنّكُمْ والْأمْرُ معًا ".…(١) أخرجه أحمد في "الزهد" (٢٢٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢٣٩).(٢) الوَحَا الوَحَا: أي السرعة السرعة. "اللسان" مادة: (وحي).
ولنشرع الآن في شرح حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الذي رواه عن النبي.فقوله صلى الله عليه وسلم:"منْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الْجنّةِ" وفي رواية أخرى: "سهّل اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الجنّةِ".وفي "صحيح مسلم " (١) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "منْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سهّل اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الْجنّةِ".سلوك الطريق لالتماس العلم: يحتمل أن يراد به السلوك الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلم.ويحتمل أن يشمل ما هو أعم من ذلك من سلوك الطريق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم، مثل حفظه ودراسته، ومطالعته ومذاكرته والتفهم له والتفكر فيه، ونحو ذلك من الطرق التي يتوصل بها إلى العلم.وأما قوله: "سهّل اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الجنّةِ".فإنه يحتمل أمورًا:منها: أن يسهل الله لطالبِ العلمِ العلمَ الذي طلبه وسلك طريقه وييسره عليه؛ فإن العلم طريق موصل إلى الجنة.وهذا كقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (٢).قال طائفة من السلف في هذه الآية: هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانُ عَلَيهِ.(١) رقم (٢٦٩٩).(٢) القمر: ٢٢.
ومنها: أن ييسر الله لطالب العلم العمل بمقتضى ذلك العلم إذا قصد بتعلمه وجه الله، فيجعله الله سببًا لهدايته والانتفاع به والعمل به، وذلك من طرق الجنة الموصلة إليها.ومنها: أن الله -تعالى- ييسر لطالب العلم الذي يطلبه للعمل به علومًا أخر ينتفع بها؛ فيكون طريقًا موصلاً إلى الجنة، وهذا كما قيل: مَنْ عَمِل بِمَا عَلِمَ أوْرَثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.وكما يقال:"ثوابُ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا".وإلى هذا إشارة بقوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} (١).وقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} (٢).فمن التمس العلم ليهتدي به زاده الله هدى وعلومًا نافعة، توجب له أعمالاً صالحة، وكل هذه طرق موصلة إلى الجنة.ومنها: أن الله تعالى قد ييسر لطالب العلم الانتفاع به في الآخرة، وسلوك الطريق الحسنى المفضي إلى الجنة وهو الصراط وما بعده، وما قبله من الأهوال العظيمة والعقبات الشديدة الشاقة.وسبب تيسير طريق الجنة على طالب العلم؛ إذا أراد به وجه الله عز وجل وطلب مرضاته: أن العلم يدل على الله من أقرب الطرق وأسهلها؛ فمن سلك طريقه ولم يعوج عنه وصل إلى الله وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها، فتسهلت عليه الطرق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا وفي الآخرة.ومن سلك طريقًا يظنه طريق الجنة بغير علم، فقد سلك أعسر الطرق وأشقها، ولا يوصل إلى المقصود مع عسرة شديدة.(١) مريم: ٧٦.(٢) محمد: ١٧.
فلا طريق إلى معرفة الله وإلى الوصول إلى رضوانه والفوز بتهربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يُهْتدى في ظلمات الجهل والشبه والشكوك، وقد سمى الله كتابه نورًا يهتدى به في الظلمات.كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (١).وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل من حمل العلم الذي جاء به بالنجوم التي يهتدى بها في الظلمات.كما في "المسند" (٢) عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا طُمِسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ".وهذا مثل في غاية المطابقة؛ لأنّ طريق التوحيد والعلم بالله تعالى وأحكامه، وثوابه وعقابه لا يدرك بالحس، إنما يعرف بالدليل، وقد بين ذلك كله في كتابه وعلى لسان رسوله.فالعلماء بما أنزل الله على رسوله هم الأدلاء الذين يهتدى بهم في ظلمات الجهل والشبه والضلال، فإذا فقدوا ضل السالك.وقد شبه العلماء بالنجوم، والنجوم في السماء، فيها ثلاث فوائد:يهتدى بها في الظلمات، وهي زينة للسماء، ورجوم للشياطين الذين يسترقون السمع منها.(١) المائدة: ١٥ - ١٦.(٢) (٣/ ١٥٧).
والعلماء في الأرض تجتمع فيهم هذه الأوصاف الثلاثة:بهم يهتدى في الظلمات، وهم زينة للأرض، وهم رجوم للشياطين الذين يخلطون الحق بالباطل، ويدخلون في الدين ما ليحمنه من أهل الأهواء، وما دام العلم باقيًا في الأرض فالناس في هدى.وبقاء العلم بقاء حملته؛ فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال، كما في الحديث الصحيح (١) عن النبي صلى الله عليه وسلم:«إِنّ الله لا يقْبِضُ العِلْم انْتِزاعًا ينْتزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الرِّجالِ، ولكِنْ يُذْهِبُ العِلْم بِذِهابِ العُلماءِ، فإِذا لمْ يبْق عالِمٌ اتّخذ النّاسُ رُءُوسًا جُهّالًا فسُئِلُوا فأفْتوْا بِغيْرِ عِلْم، ٍ فضلُّوا وأضلُّوا».وخرج الترمذي (٢) من حديث جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال:«كُنّا مَعَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فقال: هَذَا أوانُ يُخْتلسُ العِلْمُ مِن النّاسِ حتّى لا يقْدِرُوا مِنْهُ على شيْءٍ»، فقال زِيادُ بْنُ لبِيدٍ: كيْف يُخْتلسُ مِنّا العِلْمُ، وقد قرأْنا القُرْآن؟! فواللهِ لنقْرأنّهُ ولنُقْرِئنّهُ نِساءنا وأبْناءنا، فَقَالَ: «ثَكِلتْك أُمُّك يا زِيادُ، إِنْ كُنْتُ لأعُدُّك مِنْ فُقهاءِ المدِينةِ، هذِهِ التّوْراةُ والإِنْجِيلُ عِنْد اليهُودِ والنّصارى، فَمَاذَا تُغْنِي عنْهُمْ؟!» قال جُبيْرٌ بْنُ نفير: فلقِيتُ عُبادة بْن الصّامِتِ فقُلْتُ: ألا تسْمعُ ما يقُولُ أبُو الدّرْداءِ؟ فأخْبرْتُهُ بِالّذِي قال، قال: «صدق أبُو الدّرْداءِ، لَوْ شِئْتُ لأُخْبَرْتُكَ بِأَوّلِ عِلْمٍ يُرْفعُ مِن النّاسِ: الخُشُوعُ، يُوشِكُ أنْ تذخُل مسْجِد الجامِعِ فلا ترى فِيهِ خاشِعًا».وخرجه النسائي (٣) من حديث جبير بن نفير، عن عوف بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديثه: "فذكر صلى الله عليه وسلم ضلالة الْيهُودِ والنّصَارَى عَلَى مَا فِي أيْدِيهِمْ مِنْ كِتابِ اللهِ. قال جُبيْر: فَلَقِيتُ شَدَّادَ بْن أوْسٍ فحدّثْتُهُ بِحدِيثِ(١) أخرجه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو.(٢) برقم (٢٦٥٣).(٣) في "السنن الكبرى" (٥٩٠٩/ ٣).