بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: الجوامع الكتاب: بدائع الفوائد[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ)المحقق: علي بن محمّد العمرانراجعه: سليمان بن عبد الله العمير (جـ ١ - ٥)، محمد أجمل الإصلاحي (جـ ١ - ٢)، جديع بن محمد الجديع (جـ ١ - ٥) الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الخامسة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الأجزاء: ٥ (٤ متسلسلة الترقيم، والأخير فهارس)قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
- أ - مقدمة المشرف على مشروع «آثار الإمام ابن قيم الجوزيَّة وما لحقها من أعمال»فضيلة الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء، ورئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدةالحمد لله على ما أولانا ووفقنا وهدانا إلى الاستنجاد بعدد من المحققين لِوَصْل جُهود المصلحين في إخراج «آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال». وقد تم بحمد الله تعالي طباعة جملة منها مع مقدمة لها في أحد عشر مجلدا، ويتبعها آثار أخرى إن شاء الله تعالي(١). والآن نبدأ على هذا المنوال - مستعينين بالله عز شأنه - بأثر من وجهٍ آخر من آثار هذا العالم المجدد في مدرسته التجديدية الإصلاحية، وهو «آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال». فإن هذا الإمام الحافظ أبا عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية الزُّرعي ثم الدمشقي، المولود سنة ٦٩١ والمتوفى سنة ٧٥١ رحمه الله تعالي - هو من أخص تلاميذ شيخ الإسلام به، بل هو أخصهم به، وأسبقهم مرتبة في نشر علمه وفضله، ومن أكثرهم تآليف، أسبغ اللهُ عليه فيها من النضارة وجمال العبارة ما بهر عقول العلماء.(١) منها: «تنبيه الرجل العاقل … » في مجلدين، وترجمة شيخ الإسلام لابن عبد الهادي المطبوع باسم «العقود الدرية»، والمجموعة السادسة وما بعدها من جامع المسائل»، وغيرها.
- ب - ولأن دأبه فيها: استقصاء أصول المسائل وآثارها، وإجراء مطية فكره في أنجادها وأغوارها، وإبراز مقاصد الشريعة وحِكَمها وأسرارها = صارَ لها من القبول والانتشار ما لا يبلغه الوصف؛ حتى اشتهر وعُرف بمؤلفاته، ولحِقَه الوصفُ بها على نَصِيبَة قبره. فإني لما دخلت دمشق الشام عام ١٤١٢ زُرت مقبرة الباب الصغير بالجابية، ووجدت قبره - رحمه الله تعالى - على يسار الداخل، مکتوبا على نَصِيبَة قبره - على عادة عامة أهل الشام المنكرة شرعا - ما نصُّه: «هذا قبر الإمام الحافظ صاحب التصانيف المفيدة ابن قيم الجوزية المتوفي سنة ٧٥١ رحمه الله تعالى». وقد تنافس في نسخها واقتنائها أهلُ العلم من شتى المذاهب، وانتشرت مخطوطات الكثير منها في مكتبات العالمين على الرغم من عدوان المعتدين، وكانت محل الرضا والقبول والتسليم من المنصفين، وما هو بالمعصوم. وبعد ظهور المطابع في العالم الإسلامي تزاحم المصلحون على طباعتها ونشرها، وكان السابقون في ذلك أهل الحديث في شبه القارة الهندية منذ عام ١٢٩٨ مثل «زاد المعاد» و «إعلام الموقعين» و «النونية». وغيرها، وعنها صدرت بعض الطبعات المصرية القديمة مثل: البولاقية، والأميرية، والسلفية. . .؛ ولهذا لم يَرِد ذِكْرٌ للمخطوط فيها. ثم تتابع طبع ما شاء الله من آثار هذا الإمام في الشرق الإسلامي، وفي عصرنا توارد الطابعون، لكن شابَ هذه الأعمال ما انتشر في سوق
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم(١) قال الشيخ الإمام العالم العلامة الأوحد البارع، أوحد الفضلاء، وقدوة العلماء، وارث الأنبياء، شيخ الإسلام، مفتي الأنام، المجتهد المفسِّر ترجمان القرآن، ذو الفوائد الحِسان، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، المعروف بابن قيّم الجوزية تغمّده ألله برحمته(٢).الحمد لله، ولا قوة إلا بالله(٣)، هذه فوائد مختلفة الأنواع.فائدة حقوق المالك شيء، وحقوق الملك شيء آخر(٤)؛ فحقوق المالك تجب لمن له على أخيه حق، وحقوق الملك تتبع الملك، ولا يُراعَى بها المالك، وعلى هذا حق الشفعة للذمَى على المسلم؛ من أوجبه جعله من حقوق الأملاك، ومن أسقطه جعله من حقوق المالكين.والنظر الثاني أظهر وأصحُّ؛ لأن الشارع لم يجعل للذمِّى حقًّا في(١) التصلية من (ق)، وفىِ (د) بعد البسملة: "ربّ يسِّر ولا تعسِّر يا كريم آمين".(٢) من "قال الشيخ. . . " إلى هنا ليست في (ق)، وآخر العبارة في (ظ): "رحمه الله وأدخله الجنة آمين".(٣) ليست في (ق).(٤) "آخر" سقطت من (ق).
الطريق المشترك عند المزاحمة فقال: "إذَا لَقِيتُمُوهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرَّوهُمْ إِلى أَضْيَقِهِ"(١) فكيف يجعل له حقًّا في انتزاع الملك المختصِّ به(٢) عند التزاحم؟! وهذه حجة الإمام أحمد نفسه.وأما حديث "لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانيٍّ"(٣) فاحتجَّ به بعض أصحابه، وهو أعلم من أَنْ يحتج به، فإنه من كلام بعض التابعين.فائدة(٤)تمليك المنفعة شيء، ومليك الانتفاع شيء آخر(٥)، فالأول(١) أخرجه مسلم رقم (٢١٦٧) وغيره، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وللحديث قصة عند أبي داود: (٥/ ٣٨٤).(٢) "به" سقطت من (ق).(٣) أخرجه الطبراني في "الصغير": (١/ ٢٠٦)، وابن عدي في "الكامل": (٧/ ٥٦)، والبيهقي في "الكبري": (٦/ ١٠٨) وغيرهم.من طريق نائل الحَنَفي عن الثوري عن حُميد عن أنسٍ رضي الله عنه. قال ابنُ عدي: "وأحاديثه -أي نائل- مُظلمة جدًّا، وخاصًّة إذا روى عن الثوري" اهـ.(٤) قارن بـ "الفروق": (١/ ١٨٧) للقرافي.(٥) في هامش (ظ) تعليق مطول نثبتُ ما اتضحَ منه: "قد يقال: إن هذا الكلام غير ظاهر، وما ذاك إلا لأنَّ الانتفاع مصدر، وهو عبارة عن ملابَسَة المتعيّن بالانتفاع بها، وإذا كان كذلك؛ فما فائدة ملكه له بعل وجوده وصدوره منه؟لا يقال: فائدته أنَّه لا يأثم إن قلنا بملكه له وإلا أَثِم، لأنا نقول: هذا يقتضي أن القدوم على الانتفاع حرام؛ لأنَّه لم يملك إلا الانتفاع، وهو لم يوجد، فقد أدَّى تمليكه له إلى المنع من حصوله، وليس هذا في تمليك المنفعة، على أن تمليك المنفعة فيها بقي له، ثم أيضًا: فما الملجئ إلى هذا الكلام.الثاني: أن الانتفاع فعل للمنتفع، وصاحب العلم لم يملكهـ حتى يملّكهـ إيَّاه.الثالث: أن هذا لا يُنجي من القول بجواز إجارة العين المعارة، لجواز أن يملك ما ملكه من غيره لغيره. فإن قلتم: المالك لم يرض بهذا. قلنا: قولوا: =
يملك به الانتفاعَ والمعاوضةَ، والثاني يملك به الانتفاعَ دون المعاوضة، وعليها إجارة(١) ما استأجره، لأنَّه ملك المنفعة بخلاف المعارضة على البُضْع، فإنه لم يَمْلِكْه، وإنما ملك أن ينتفع به.وكذلك إجارة ما ملك أن ينتفع به من الحقوق؛ كالجلوس بالرِّحاب، وبيوت المدارس والرُّبط ونحو ذلك(٢) لا يملكها؛ لأنَّه لم يملك المنفعة وإنما ملكَ الانتفاعَ، وعلى هذا الخلاف تَخَرَّج إجارة المستعار، فمن منعها كالشافعي وأحمد ومن تبعهما قال لم يملك المنفعة، وإنما ملك الانتفاع ومَن جوَّزها كمالك ومن تَبِعه قال هو قد ملك المنفعة ولهذا يلزم عنده بالتوقيت، ولو أطلقها لزمت في مدة ينتفع بمثلها عرفًا فليس له الرجوع قبلها.فائدةقولهم: "إذا كان للحكم سببان، جاز تقديمه على أحدهما"؛ ليس بجيد، وفي العبارة تسامح، والحكمُ لا يتقدم سببَه، بل الأَوْلَى أن يقال: إذا كان للحكم سبب وشرط، جاز تقديمه على شرطه دون سببه، وأما تقديمه عليهما أو على سببه فممتنع، ولعل النزاعَ لفظيٌّ، فإن شرط الحكم من جملة أسبابه المعتبرة في ثبوته، فلو قدمت= المالك ملك المنفعة ولم يستحق بهذا الملك أن يعطيها لغيره، ولا بُعد في هذا، كالهبة في القبض، يملكلها الموهوب له، ولا يملك إجارتها لغيره. وكالمكيل والموزون قبل قبضه. بخلاف المؤجرة فإنه لما ملك المؤجّر العِوض كأنه أذن في [ … ] كالمنفعة لأي أحد كان بشرطه.الرابع أنهم قالوا: إن الموقوف عليه يملك الوقف، ولم يقولوا الانتفاع.(١) في (د): "وعليها إجارة إيجار".(٢) "ونحو ذلك" ليست في (ق).
الظهر -مثلًا- على الزوال، والجَلْدَ على الشرب والزنا، لم يجز(١) اتفاقًا.وأما إذا كان له سبب وشرط؛ فله ثلاثة أحوال:أحدها: أن يتقدم عليهما؛ فلغو.والثاني: أن يتأخر عنهما، فمعتبر صحيح.الثالث: أن يتوسَّط بينهما؛ وهو مثار الخلاف.وله صور:أحدها: كفَّارة اليمين سببها الحلف، وشرطها الحنث، فمن جوز توسطها؛ راعَى التأخُّر عن السبب، ومن منعه؛ رأى أنَّ الشرط جزء من السبب.الثانية: وجوب الزكاة سببه النصاب وشرطه الحول، ومأخَذُ الجواز وعدمه ما ذكرناه.الثالثة: لو كفَّر قبل الجرح؛ كان لغوًا، وبعد القتل معتبر، وبينهما مختلف فيه.الرابعة: لو عفا عن القصاص قبل الجرح؛ فلغو، وبعد الموت؛ عفو الوارث معتبر، وبينهما ينفد أيضًا.الخامسة: إذا أخرج زكاة الحَبِّ قبل خروجه؛ لا يجزئ، وبعد يُبْسه؛ يعتبر، وبين نُضْجه ويُبسه كذلك.السادسة: إذا أَذِن الورثةُ في التصرف فيما زاد على الثلث قبل(١) (ق): "يصح".
المرِض، فلغو، وإجارتهم بعد الموت معتبرة، وإذنُهم بعد المرض مختلَف فيه، فأحمد لا يعتبره " لأنَّه إجازةٌ من غير مالك، ومالكٌ يعتبره، وقوله أظهر.السابعة: إذا أسقطا الخيار قبل التبايع؛ ففيه خلاف، فمن منعه نظر إلى تَقَدُّمه على السبب، ومن أجازه -وهو الصحيح- قال: الفرق بينهما أنَّهما قد عقدا العقدَ على هذا الوجه، فلم يتقدم هنا الحكم على سببه أصلًا فإنه لم يثبت، وسقط بعد ثبوته، وقبل سببه، بل تبايعا على عدم ثبوته، وكأنَّه حق لهما رضيا بإسقاطه وعدم انعقاده، وتجردَ السببُ عن اقتضائه. فمن جعل هذه المسألة من هذه القاعدة، فقد فاته الصواب.ونظيرها سواء: إسقاط الشفعة قبل البيع، فمن لم يرَ سقوطَها، قال: هو تقديمٌ للحكم على سببه، وليس بصحيح، بل هو إسقاط لحقٍ كان بمعرض(١) الثبوت، فلو أن الشفعة ثبتت، ثم سقطت قبل البيع، لزم ما ذكرتم، ولكن صاحبها رضي بإسقاطها، وأن لا يكون البيع سببًا لأخذه بها، فالحقّ له، وقد أسقطه.وقد دل النصُّ على سقوط الخيار والشُّفعة قبل البيع، وصار(٢) هذا كما لو أذن له في إتلاف ماله، وأسقط الضمان عنه قبل الإتلاف، فإنه لا يضمنه اتفاقًا، فهذا مُوْجَب النصِّ والقياس، وأما إذا أسقطت المرأةُ حقَّها من النفقة، والقَسْم؛ فلها الرجوع فيه، ولا يسقط؛ لأنَّ الطِّباع لا تصبر على ذلك، ولا تستمر عليه، لتجدد اقتضائها له كل(١) (د): "إسقاط الحق كان يعرض".(٢) (ق): "وقد صار".
وقت، بخلاف إسقاط الحقوق الثابتة دفعة؛ كالشفعة، والخيار، ونحوهما، فإنها قد توطن النفس على إسقاطها، وأسبابُها(١) تتجدد، فافهمه. فائدة(٢)الفرق بين الشهادة: والرواية: أنَّ الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الأزمان، والشهادة تخص المشهود عليه وله، ولا يتعداهما إلَّا بطريق التبعيّة المحضة.فإلزام المعين يتوقع منه: العداوة، وحق(٣) المنفعة، والتهمة الموجبة للرد، فاحْتِيط لها بالعدد والذكورية. ورُدَّت بالقرابة، والعداوة، وتطرق التهم. ولم يفعل(٤) مثل هذا في الرواية التي يعمُّ حكمها ولا يَخُصُّ، فلم يُشترط فيها عدد ولا ذكورية، بل اشترط فيها ما يكون مغلبًا على الظن صدق المخبر، وهو العدالة المانعة من الكذب، واليقظة المانعة من غلبة السّهو(٥) والتخليط.ولما كان النساء ناقصات عقلٍ ودين لم يكنَّ من أهل الشهادة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك، قُوِّيَت(٦) المرأة بمثلها، لأنَّه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها(٧).(١) (ظ ود): "وأشباهها"!.(٢) انظر: "الفروق": (١/ ٤ - ١٥).(٣) (ق): "وجد"!.(٤) (ق) "ويبعد"، و (د): "ويفعل" وهو سهو.(٥) (د) و (ظ): "الشهوة" والمثبت من (ق).(٦) (ق): "قُرِنت".(٧) انظر في شهادة النساء: "التقريب لعلوم ابن القيم": (ص/ ٤٠٢).
وأما اشتراط الحرية ففي غاية البعد، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع(١)، وقد حكى أحمد عن أنس بن مالك، أنَّه قال: "ما علمتُ أحدًا رد شهادة العبد"(٢)، والله تعالى يقبل شهادته على الأمم يوم القيامة، فكيف لا يقبل شهادته على نظيره من المكلفين! ويقبل شهادته على الرسول صلى الله عليه وسلم في الرواية، فكيف لا يقبل شهادته(٣) على رجل في درهم! ولا ينتقض هذا بالمرأة، لأنَّها تقبل(٤) شهادتها مع مثلها لما ذكرناه، والمانع من قبول شهادتها وحدها منتفٍ في العبد.وعلى هذه القاعدة مسائل:أحدها: الإخبار عن رؤية هلال رمضان، من اكتفى فيه بالواحد؛ جعله روايةً لعمومه للمكلفين، فهو كالأذان، ومن اشترط فيه العدد ألحقه بالشهادة، لأنَّه لا يعمّ الأعصار ولا الأمصار، بل يخص تلك السنة وذلك المصر في أحد القولين، وهذا ينتقض بالأذان نقضًا لا محيص منه.وثانيهما: الإخبار بالنسب بالقافة(٥)، فمن حيث إنَّه خبر جزئي عن شخص جزئي، يخص(٦) ولا يعم، جري مجري الشهادة، ومن(١) انظر "التقريب": (ص ٤٠٣).(٢) ذكره المصنّف في "الطرق الحكمية": (ص / ١٦٦)، وابن قدامه في "المغني": (١٤/ ١٨٥)، وأسند ابن أبي شيبه في "المصنف": (٤/ ٢٩٢) إلي أنسٍ جواز شهادة العبد. ثم ساق أقوال المانعين.(٣) من (ق).(٤) (٥): (مثل).(٥) (ق): "في القيافة"، و (د): "بالقافية"!.(٦) "جزئي يخص" سقطت من (ق).
جعله كالرواية غَلِط، فلا مدخل لها هنا، بل الصواب أن يقال: من حيث: هو منتصب للناس انتصابًا عامًّا، يستند قوله إلى أمرٍ يختص به دونهم من الأدلة والعلامات؛ جرى مجرى الحاكم، فقوله حُكم لا رواية(١).ومن هذا الجرح للمحدِّث والشاهد؛ هل يُكتفى فيه بواحد، إجراءً له مجرى الحكم، أو لابد فيه(٢) من اثنين، إجراءً له مجرى الشهادة؟ على الخلاف، وأما أن يجري مجرى الرواية؛ فغير صحيح، وما للروايةِ والجرحِ! وإنَّما هو(٣) يجرحُه باجتهادِه لا بما يرويه عن غيره.ومنها: الترجمة للفتوى والخط والشهادة وغيرها(٤)، هل يشترط فيها التعدد؟ مبنيٌّ علي هذا، ولكن بناؤه علي الرواية والشهادة صحيح، ولا مَدْخَل للحكم هنا.ومنها: التقويم للسِّلَع، من اشترط فيه(٥) العدد رآه شهادة، ومن لم يشترطه؛ أجراه مجرى الحكم لا الرواية.ومنها: القاسم، هل يُشترط تعدّده على هذه القاعدة؟ والصحيح الاكتفاء بالواحد؛ لقصة عبد الله بن روّاحة(٦).(١) انظر "التقريب لعلوم ابن القيم": (ص/ ٣٩٦).(٢) من (ق).(٣) العبارة في (ق): "وأما الرواية وللجرح وهو إما أن"!. و (د): "وأما الرواية والجرح" والمثبت من (ظ).(٤) "وغيرها" ليست في (د).(٥) من (ق).(٦) يعنى لما كان خارصًا بين اليهود والمسلمين بخيبر، انظر "السيرة النبوية": (٢/ ٣٥٤) لابن هشام، "والطبقات الكبرى": (٣/ ٥٢٦) مرسلًا، وللقصة سياقات مختلفة انظر "سير النبلاء": (١/ ٢٣٧).
ومنها: تسبيح المصلّي بالإمام هل يُشترط أن يكون المسبِّح اثنين؟ فيه قولان مبنيان على هذه القاعدة.ومنها: الخبر عن نجاسة الماء، هل يُشترط تعدده؟ فيه قولان.ومنها: الخارص، والصحيح في هذ كلِّه الاكتفاء بالواحد، كالمؤذن وكالمخبر بالقبلة.وأما تسبيح المأموم بإمامه؛ ففيه نظر.ومنها: المفتي يقبل واحد(١) اتفاقًا.ومنها: الإخبار عن قدم العيب وحدوثه عند التنازع، والصحيح الاكتفاء فيه بالواحد، كالتقويم والقائف. وقالت المالكية: لابد من اثنين، ثم تناقضوا فقالوا: إذا لم يوجد مسلم قُبل من أهل الذمة.فائدةإذا كان المؤذن يُقبل قوله وحده، مع أن لكل قوم فجرًا وزوالًا وعروبًا يخصهم؛ فأن(٢) يقبل قول الواحد في هلال رمضان أولى وأحرى.فائدةيُقبل قول الصبي والكافر والمرأة في الهدية والاستئذان، وعليه عمل الأمة قديمًا وحديثًا، وذلك لِمَا احتفَّ بأخبارهم من القرائن التي تكاد تصل إلى حد القطع في كثير من الصور، مع عموم(١) (د) و (ق): "وحدًا".(٢) (ظ): "فلأن".
البلوى بذلك، وعموم الحاجة إليه. فلو أن الرجل لا يدخل بيت الرجل، ولا يقبل هديته إلا بشاهدين عدلين يشهدان بذلك، حَرِجت الأمةُ، وهذا تقرير صحيح، لكن ينبغي طَرْدُه وإلا وقع التناقض، كما إذا اختلفا في متاع البيت؛ فإن القرائن التي تكاد تبلغ القطع، تشهد بصحة دعوى الرجل لما هو من شأنه، والمرأة لما يليق بها، ولهذا قبله الأكثرون، وعليه تُخَرَّج حكومة سليمان بين المرأتين في الولد(١)، وهي محض الفقه.وقد حكى ابنُ حزم في "مراتب الإجماع"(٢): إجماعَ الأمة على قبول قول المرأة الواحدة في إهداء الزوجة لزوجها ليلة العوس، وهو كما ذَكَر، وقد اجتمع في هذه الصورة من قرائن الأحوال؛ من اجتماع الأهل والقرابات، ونُدْرة التدليس والغلط في ذلك، مع شهرته وعدم المسامحة فيه، ودعوى ضرورات الناس إلى ذلك، ما أوجب قبول قولها.فائدة(٣)قبول قول القَصَّاب(٤) في الذكاة ليس من هذا الباب بشيءٍ، بل هو من قاعدة أخرى، وهي أن الإنسان مؤتمن على ما بيده، وعلى ما يخبر به عنه(٥).(١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٢٧)، ومسلم رقم (١٧٢٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.(٢) (ص / ٦٥).(٣) انظر لهذه الفائدة والتى بعدها: "الفروق": (١/ ١٥، ١٧).(٤) هو: الجزَّار.(٥) انظر "التقريب": (ص/ ٤٠٣).
فإذا قال الكافر: هذه ابنتي، جاز للمسلم أن يتزوجها، وكذا إذا قال: هذا مالي، جاز شراؤه وأكله. فإذا قال: هذا ذكَّيته جازَ أكله.فكل أَحدٍ مؤتمن على ما يخبر به مما هو في يده، فلا يُشترط هنا عدالة ولا عدد.فائدةالخبر إن كان عن حكم عام يتعلق بالأُمة؛ فإما أن يكون مستنده السماع؛ فهو الرواية، وإن كان مستنده الفهم من المسموع، فهو الفتوى، وإن كان خبرًا جزئيًا يتعلَّق بمعيَّن(١)، مستندُه المشاهدة أو العلم؛ فهو الشهادة، وإن كان خبرًا عن حقٍّ يتعلق بالمخبِر عنه، والمخبَرُ به هو مستمعه(٢) أو نائبه؛ فهو الدعوى؛ وإن كان خبرًا عن تصديق هذا الخبر؛ فهو الإقرار، وإن كان خبرًا عن كذبه؛ فهو الإنكار، وإن كان خبرًا نشأ عن دليل؛ فهو النتيجة، وتسمى قبل أن يحصل عليها(٣) الدليل: مطلوبًا، وإن كان خبرًا عن شيءٍ يقصد منه نتيجته؛ فهو دليل، وجزؤه مقدِّمة. فائدة(٤)"شهد" في لسانهم لها معانٍ:أحدها: الحضور ومنه قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة ١٨٥] وفيه قولان: أحدهما: من شهد المصر في الشهر.(١) (ظ ود): "بمعنى".(٢) (ق): "هو المستحق له".(٣) (ق): "عليه".(٤) انظر: "الفروق": (١/ ١٧).
والثانى: من شهد الشهر في المصر، وهما متلازمان:والثاني: الخبر، ومنه: "شهد عندي رجال مَرْضيُّون، وأرضاهم عندي عمر: "أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاةِ بَعْد العصرِ وبَعْد الصُّبْح""(١).والثالث: الاطلاع على الشيء. ومنه: {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيْدٌ} [المجادلة: ٦].وإذا كان كل خبرٍ شهادة، فليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل على كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح(٢).وعن أحمد فيها ثلاث روايات: إحداهن: اشتراط لفظ الشهادة، والثانية: الاكتفاء بمجرد الإخبار، اختارها شيخنا(٣) -والثالثة: الفرق بين الشهادة على الأقوال وبين الشهادة على الأفعال.(١) أخرجه البخاري رقم (٥٨١)، ومسلم رقم (٨٢٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.وهنا في حاشية (ظ) تعليق نصُّه: "يتبيّن بهذا أن الشهادة أهم من الخبر مطلقًا؛ إذ كل خبر شهادة ولا عكس إذ يقال فيه: شهادة، والحضور يقال فيه شهد، ولا يقال فيهما خبر. ومن الفائدة [] أن الخبر أعم من الشهادة مطلقًا؛ لأن النتيجة والفتوى والدعوى والرواية يقال لها: إنها أخبار لا شهادات.ثم ظاهر كلام الشيخ أن قول الخارص والمخبر بنجاسة الماء والقاسم و .. ، والمخبر عن قدم العيب وحدوثه والقائف والجارح للمحدّث، بل والمؤذن والمسبح بالإمام شهادة اصطلاحًا، فتأمله، والله سبحانه وتعالى أعلم.(٢) انظر "التقريب": (ص / ٣٩٧).(٣) أي: شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وهو المراد إذا أطلقه المؤلف: وستأتي هذه المسألة عند المؤلف بأبسط مما هنا، وهناك الإشارة إلى كلام شيخ الإسلام فيها. (٤/ ١٣٧٠ - ١٣٧٢).