بدائع الفوائد - ط الكتاب العربي (ابن القيم) القسم: الجوامع الكتاب: بدائع الفوائد المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ) الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، لبنانعدد الأجزاء: ٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المجلد الأولالمجلد الأول…بدائع الفوائدتأليف: ابن قيم الجوزية بسم الله الرحمن الرحيموصلى الله على رسولنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلمقال الشيخ الإمام العالم الأوحد البارع أوحد الفضلاء. وقدوة العلماء. وإرث الأنبياء شيخ الإسلام مفتي الأنام المجتهد المفسر ترجمان القرآن. ذو الفوائد الحسان أبو عبدا لله محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم الجوزية رحمه الله وأدخله الجنة آمين الحمد لله ولا قوة إلا بالله هذه فوائد مختلفة الأنواعفائدة: حقوق المالك شيء وحقوق الملك شيء آخر فحقوق المالك تجب لمن له على أخيه حق وحقوق الملك تتبع الملك ولا يراعى بها المالك وعلى هذا حق الشفعة للذمي على المسلم من أوجبه جعله من حقوق الأملاك ومن أسقطه جعله من حقوق المالكين والنظر الثاني أظهر وأصح لأن الشارع لم يجعل للذمي حقا في الطريق المشترك عند المزاحمة فقال: "إذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " فكيف يجعل له حقا في انتزاع الملك المختص به عند التزاحم وهذه حجة الإمام أحمد نفسه وأما حديث " لا شفعة لنصراني" منكر فاحتج به بعض أصحابه وهو أعلم من أن يحتج به فإنه من كلام بعض التابعين.
فائدة:تمليك المنفعة وتمليك الانتفاع شيء آخر فالأول يملك به الانتفاع والمعاوضة والثاني يملك به الانتفاع دون المعاوضة وعليها إجارة ما استأجره لأنه ملك المنفعة بخلاف المعارضة على البضع فإنه لم يملكه وإنما ملك أن ينتفع به وكذلك إجارة ما ملك أن ينتفع به من الحقوق كالجلوس بالرحاب وبيوت المدارس والربط ونحو ذلك لا يملكها لأنه لم يملك المنفعة وإنما ملك الانتفاع وعلى هذا الخلاف تخرج إجارة المستعار فمن منعها كالشافعي وأحمد ومن تبعهما قال لم يملك المنفعة وإنما ملك الانتفاع ومن جوزها كمالك ومن تبعه قال هو قد ملك المنفعة ولهذا يلزم عنده بالتوقيت ولو أطلقها لزمت في مدة ينتفع بمثلها عرفا فليس له الرجوع قبلها.فائدة:قولهم: إذا كان للحكم سببان جاز تقديمه على أحدهما ليس بجيد وفي العبارة تسامح والحكم لا يتقدم سببه بل الأولى أن يقال إذا كان للحكم سبب وشرط جاز تقديمه على شرطه دون سببه وأما تقديمه عليهما أو على سببه فممتنع ولعل النزاع لفظي فإن شرط الحكم من جملة أسبابه المعتبرة في ثبوته فلو قدمت الظهر مثلا على الزوال والجلد على الشرب والزنا لم يجز اتفاقا وأما إذا كان له سبب وشرط فله ثلاثة أحوال أحدها: أن يتقدم عليهما فلغو والثاني: أن يتأخر عنهما فمعتبر صحيح والثالث: أن يتوسط بينهما فهو مثار الخلاف وله صور إ حداها: كفارة اليمين سببها الحلف وشرطها الحنث فمن جوز توسطها راعى التأخر عن
السبب ومن منعه رأى أن الشرط جزء من السبب الثانية: وجوب الزكاة سببه النصاب وشرطه الحول ومأخذ الجواز وعدمه ما ذكرناه الثالثة: لو كفر قبل الجرح كان لغوا وبعد القتل معتبر وبينهما مختلف فيه الرابعة: لو عفا عن القصاص قبل الجرح فلغو وبعد الموت عفو الوارث معتبر وبينهما ينفذ أيضا الخامسة: إذا أخرج زكاة الحب قبل خروجه لا يجزي وبعد يبسه يعتبر وبين نضجه ويبسه كذلك السادسة: إذا أذن الورثة في التصرف فيما زاد على الثلث قبل المرض فلغو وإجازتهم بعد الموت معتبرة وإذنهم بعد المرض مختلف فيه فأحمد بن حنبل رضي الله عنه لا يعتبره لأنه إجازة من غير مالك ومالك بن أنس رضي الله عنه يعتبره وقوله أظهر السابعة: إذا أسقطا الخيار قبل التبايع ففيه خلاف فمن منعه نظر إلى تقدمه على السبب ومن أجازه وهو الصحيح قال: الفرق بينهما أنهما قد عقدا العقد على هذا الوجه فلم يتقدم هنا الحكم على سببه أصلا فإنه لم يثبت وسقط بعد ثبوته وقبل سببه بل تبايعا على عدم ثبوته وكأنه حق لهما رضيا بإسقاطه وعدم انعقاده وتجرد السبب عن اقتضائه فمن جعل هذه المسألة من هذه القاعدة فقد فاته الصواب ونظيرها سواء إسقاط الشفعة قبل البيع فمن لم ير سقوطها قال هو تقديم للحكم على سببه وليس بصحيح بل هو إسقاط لحق كان بعرض الثبوت فلو أن الشفعة ثبتت ثم سقطت قبل البيع لزم ما ذكرتم ولكن صاحبها رضي بإسقاطها وأن لا يكون البيع سببا لأخذه بها فالحق له وقد أسقطه وقد دل النص على سقوط الخيار والشفعة قبل البيع وصار هذا كما لو أذن له في إتلاف ماله وأسقط الضمان عنه قبل الإتلاف فإنه لا يضمن اتفاقا فهذا موجب النص والقياس وأما إذا أسقطت المرأة حقها من النفقة والقسم فلها الرجوع فيه ولا يسقط لأن الطباع لا تصبر على ذلك ولا تستمر عليه لتجدد اقتضائها له كل وقت بخلاف إسقاط الحقوق الثابتة دفعة كالشفعة والخيار ونحوهما فإنها قد توطن النفس على إسقاطها وأشباهها لا تتجدد فافهمه.
فائدة:الفرق بين الشهادة والرواية أن الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الأزمان والشهادة تخص المشهود عليه وله ولا يتعداهما إلا بطريق التبعية المحضة فإلزام المعين يتوقع منه العداوة وحق المنفعة والتهمة الموجبة للرد فاحتيط لها بالعدد والذكورية وردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم ولم يفعل مثل هذا في الرواية التي يعم حكمها ولا يخص فلم يشترط فيها عدد ولا ذكورية بل اشترط فيها ما يكون مغلبا على الظن صدق المخبر وهو العدالة المانعة من الكذب واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط شهادة المرأة والعبد لما كان النساء ناقصات عقل ودين لم يكن من أهل الشهادة فإذا دعت الحاجة إلى ذلك قويت المرأة بمثلها لأنه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها وأما اشتراط الحرية ففي غاية البعد ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع وقد حكى أحمد عن أنس بن مالك أنه قال: "ما علمت أحدا رد شهادة العبد والله تعالى يقبل شهادته على الأمم يوم القيامة فكيف لا يقبل شهادته على نظيره من المكلفين وتقبل شهادته على الرسول في الرواية فكيف لا يقبل على رجل في درهم ولا ينتقض هذا بالمرأة لأنها تقبل شهادتها مع مثلها لما ذكرناه والمانع من قبول شهادتها وحدها منتف في العبد وعلى هذه القاعدة مسائل أحدها الإخبار عن رؤية هلال رمضان من اكتفى فيه بالواحد جعله رواية لعمومه للمكلفين فهو كالأذان ومن اشترط فيه العدد ألحقه بالشهادة لأنه لا يعم الأعصار ولا الأمصار بل يخص تلك السنة وذلك المصر في أحد القولين وهذا ينتقض بالأذان نقضا لا محيص عنه وثانيها الإخبار بالنسب بالقافة فمن حيث أنه خبر جزئي عن شخص جزئي يخص ولا يعم جرى مجرى الشهادة ومن جعله كالرواية غلط فلا مدخل لها هنا بل الصواب أن يقال من حيث هو منتصب للناس انتصابا
عاما يستند قوله إلى أمر يختص به دونهم من الأدلة والعلامات جرى مجرى الحاكم فقوله حكم لا رواية الجرح للمحدث والشاهد ومن هذا الجرح للمحدث والشاهد هل يكتفي فيه بواحد إجراء له مجرى الحكم أو لابد من اثنين إجراء له مجرى الشهادة على الخلاف وأما أن يجري مجرى الرواية فغير صحيح وأما للرواية والجرح وإنما هو يجرحه باجتهاده لا بما يرويه عن غيره الترجمة للفتوى والخط والشهادة وغيرها هل يشترط فيها التعدد مبني على هذا ولكن بناءه على الرواية والشهادة صحيح ولا مدخل للحكم هنا التقويم للسلع من اشترط العدد رآه شهادة ومن لم يشترطه أجراه مجرى الحكم لا الرواية القاسم هل يشترط تعدده على هذه القاعدة والصحيح الاكتفاء بالواحد لقصة عبد الله بن رواحة تسبيح المصلي بالإمام هل يشترط أن يكون المسبح اثنين فيه قولان مبنيان على هذه القاعدة المخبر عن نجاسة الماء هل يشترط تعدده فيه قولان الخارص والصحيح في هذا كله الاكتفاء بالواحد كالمؤذن وكالمخبر بالقبلة وأما تسبيح المأموم بإمامة ففيه نظر المفتي يقبل واحدا اتفاقا الإخبار عن قدم العيب وحدوثه عند التنازع والصحيح الاكتفاء فيه بالواحد كالتقويم والقائف وقالت المالكية لا بد من اثنين ثم تناقضوا فقالوا إذا لم يوجد مسلم قبل من أهل الذمة.فائدة: قول الواحد في هلال رمضان.إذا كان المؤذن يقبل قوله وحده مع أن لكل قوم فجرا وزوالا وغروبا يخصهم فلأن يقبل قول الواحد في هلال رمضان أولى وأحرى.فائدة:يقبل قول الصبي والكافر والمرأة في الهدية والاستئذان وعليه عمل الأمة
قديما وحديثا وذلك لما احتف بأخبارهم من القرائن التي تكاد تصل إلى حد القطع في كثير من الصور مع عموم البلوى بذلك وعموم الحاجة إليه فلو أن الرجل لا يدخل بيت الرجل ولا يقبل هديته إلا بشاهدين عدلين يشهدان بذلك حرجت الأمة وهذا تقرير صحيح لكن ينبغي طرده وإلا وقع التناقض كما إذا اختلفا في متاع البيت فإن القرائن التي تكاد تبلغ القطع تشهد بصحة دعوى الرجل لما هو من شأنه والمرأة لما يليق بها ولهذا قبله الأكثرون وعليه تخرج حكومة سليمان بين المرأتين في الولد وهي محض الفقه وقد حكى علي بن حزم في مراتب الإجماع إجماع الأمة على قبول قول المرأة الواحدة في إهداء الزوجة لزوجها ليلة العرس وهو كما ذكر وقد اجتمع في هذه الصورة من قرائن الأحوال من اجتماع الأهل والقرابات وندرة التدليس والغلط في ذلك مع شهرته وعدم المسامحة فيه ودعوى ضرورات الناس إلى ذلك ما أوجب قبول قولها.فائدة: الخبرقبول قول القصاب في الذكاة ليس من هذا الباب بشيء بل هو من قاعدة أخرى وهي أن الإنسان مؤتمن على ما بيده وعلى ما يخبر به عنه فإذا قال الكافر هذه ابنتي جاز للمسلم أن يتزوجها وكذا إذا قال هذا مالي جاز شراؤه وأكله فإذا قال هذا ذكيته جاز أكله فكل أحد مؤتمن على ما يخبر به مما هو في يده فلا يشترط هنا عدالة ولا عددفائدة: تقسيم الخبر.الخبر إن كان عن حكم عام يتعلق بالأمة فإما أن يكون مستنده السماع فهو الرواية وإن كان مستنده الفهم من المسموع فهو الفتوى وإن كان
خبرا جزئيا يتعلق بمعين مستنده المشاهدة أو العلم فهو الشهادة وإن كان خبرا عن حق يتعلق بالمخبر عنه والمخبر به هو مستمعه أو نائبه فهو الدعوى وإن كان خبرا عن تصديق هذا الخبر فهو الإقرار وإن كان خبرا عن كذبه فهو الإنكار وإن كان خبرا نشأ عن دليل فهو النتيجة وتسمى قبل أن يحصل عليها الدليل مطلوبا وإن كان خبرا عن شيء يقصد منه نتيجته فهو دليل وجزؤه مقدمة.فائدة: معاني لفظ شهد.شهد في لسانهم لها معان أحدها الحضور ومنه قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وفيه قولان أحدهما: من شهد المصر في الشهر والثاني: من شهد الشهر في المصر وهما متلازمان والثاني: الخبر ومنه شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله "نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح " رواه مسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم والثالث: الإطلاع على الشيء ومنه: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} وإذا كان كل خبر شهادة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح وعن أحمد فيها ثلاث روايات إحداهن: اشتراط لفظ الشهادة والثانية: الاكتفاء بمجرد الإخبار اختارها شيخنا والثالثة: الفرق بين الشهادة على الأقوال وبين الشهادة على الأفعال فالشهادة على الأقوال لا يشترط فيها لفظ الشهادة وعلى الأفعال يشترط لأنه إذا قال سمعته يقول فهو بمنزلة الشاهد على رسول الله فيما يخبر عنه.فائدة: الاختلاف في حد الخبراختلف أبو المعالي ابن الباقلاني في قولهم في حد الخبر إنه الذي يحتمل التصديق والتكذيب فقال أبو المعالي يتعين أن يقال يحتمل الصدق أو الكذب
لأنهما ضدان فلا يقبل إلا أحدهما وقال القاضي: "بل يقال يحتمل الصدق والكذب" وقوله أرجح إذ التنافي إنما هو بين المقبولين لا بين القبولين ولا يلزم من تنافي المقبولات تنافي القبولات ولهذا يقال الممكن يقبل الوجود والعدم وهما متناقضان والقبولان يجب اجتماعهما له لذاته لأنه لو وجد أحد القبولين دون الآخر لم يكن ممكنا فإنه لو لم يقبل الوجود كان مستحيلا ولو لم يقبل العدم كان واجبا فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين وإن تنافى المقبولان وكذلك نقول الجسم يقبل الأضداد فقبولاتها مجتمعة والمقبولات متنافية.فائدة: الإنشاءات التي صيغهاأخبار اختلف في الإنشاءات التي صيغها أخبار ك بعت وأعتقت فقالت الحنفية هي أخبار وقالت الحنابلة والشافعية هي إنشاءات لا أخبار لوجوه أحدها لو كانت خبرا لكانت كذبا لأنه لم يتقدم منه مخبره من البيع والعتق وليست خبرا عن مستقبل وفي هذا الدليل شيء لأن لهم أن يقولوا إنها إخبارات عن الحال فخبرها مقارن للتكلم بها الثاني لو كانت خبرا فإما صدقا وإما كذبا وكلاهما ممتنع أما الثاني فظاهر وأما الأول فلأن صدقها متوقف على تقدم أحكامها إما أن تتوقف عليها فلزم الدور أو لا يتوقف وذلك محال لأنه لا توجد أحكامها بدونها ولقائل أن يقول: هو دور معية لا تقدم فليس بممتنع الثالث أنها لو كانت إخبارات فإما عن الماضي أو الحال ويمتنع مع ذلك تعليقها بالشرط لأنه لا يعمل إلا في مستقبل وإما عن مستقبل وهي محال لأنه يلزم تجردها عن أحكامها في الحال كما لو صرح بذلك وقال: ستصيرين طالقا ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون خبرا عن الحال قولكم يمتنع تعليقها بالشرط قلنا إذا علقت بالشرط لم تبق إخبارا عن الحال بل إخبارا عن المستقبل فالخبر عن الحال الإنشاء المطلق وأما المعلق فلا
الرابع: أنه وقال لمطلقة رجعية أنت طالق لزمه طلقة أخرى مع أن خبره صدق فلما لزمه أخرى دل على أنهما إنشاء ولقائل أن يقول: لما قلنا هي خبر عن الحال بطل هذا الإلزام. الخامس: أن امتثال قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أن يقول أنت طالق وليس هذا تحريما فإن التحريم والتحليل ليس إلى المكلف وإنما إليه أسبابهما وليس المراد بالأمر أخبروا عن طلاقهن وإنما المراد إنشاء أمر يترتب عليه تحريمهن ولا نعني بالإنشاء إلا ذلك ولقائل أن يقول: المأمور به هو السبب الذي يترتب عليه الطلاق فهنا ثلاثة أمور الأمر بالتطليق وفعل المأمور به وهو التطليق والطلاق وهو التحريم الناشيء عن السبب فإذا أتى بالخبر عما في نفسه في التطليق فقد وفى الأمر حقه وطلقت السادس: أن الإنشاء هو المتبادر إلى الفهم عرفا وهو دليل الحقيقة ولهذا لا يحسن أن يقال فيه صدق أو كذب ولو كان خبرا لحسن فيه أحدهما وقد أجيب عن هذه الأدلة بأجوبة أخرى فأجيب عن الأول بأن الشرع قدر تقدم مدلولات هذه الأخبار قبل التكلم بها بالزمن الفرد ضرورة الصدق والتقدير أولى من النقل عن الثاني أن الدور غير لازم فإن هنا ثلاثة أمور مترتبة فالنطق باللفظ لا يتوقف على شيء وبعده تقدير تقدم المدلول على اللفظ وهو غير متوقف عليه في التقدير وإن توقف عليه في الوجود وبعده لزوم الحكم ولا يتوقف اللفظ عليه وإن توقف هو على اللفظ عن الثالث إما يلزم أنها إخبارات عن الماضي ولا يتعذر التعليق فإن الماضي نوعان ماض تقدم مدلوله عليه قبل النطق به من غير تقدير فهذا يتعذر تعليقه والثاني ماض بالتقدير لا التحقيق فهذا يصح تعليقه وبيانه أنه إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار فقد أخبر عن طلاق امرأته بدخول الدار فقدرنا هذا الارتباط قبل تطليقها بالزمن الفرد ضرورة الصدق وإذا قدر الارتباط قبل النطق صار الخبر عن الارتباط ماضيا إذ حقيقة الماضي هو الذي تقدم مخبره خبره إما تحقيقا وإما تقديرا وعلى هذا فقد اجتمع الماضي والتعليق ولم يتنافيا عن الرابع أن المطلقة الرجعية إن أراد بقوله لها أنت
طالق الخبر عن طلقة ماضية لم يلزمه ثانية وإن أراد الخبر عن طلقة ثانية فهو كذب لعدم وقوع الخبر فيحتاج إلى التقدير ضرورة التصديق فيقدر تقدم طلقة قبل طلاقه بالزمن الفرد يصح معها الكلام فيلزمه وعن الخامس أن الأمر متعلق بإيجاد خبر يقدر الشارع قبله الطلاق فيلزم به لا أنه متعلق بإنشاء الطلاق حتى يكون اللفظ سببا كما ذكرتموه بل هو علامة ودليل على الوقوع وإنما ينتفي الطلاق عند انتفائه كانتفاء المدلول لانتفاء دليله وعلاماته ولا يقال لا يلزم من نفي الدليل نفي المدلول فإن هذا لازم في الشرعيات لأنها إنما تثبت بأدلتها فأدلتها أسباب ثبوتها عن السادس فهو أقواها وقد قيل إنه لا يمكن الجواب عنه إلا بالمكابرة فإنا نعلم بالضرورة أن من قال لامرأته أنت طالق لا يحسن أن يقال له صدقت ولا كذبت فهذه نهاية أقدام الطائفتين في هذا المقام وفصل الخطاب في ذلك أن لهذه الصيغ نسبتين نسبة إلى متعلقاتها الخارجية فهي من هذه الجهة إنشاءات محضة كما قالت الحنابلة والشافعية ونسبة إلى قصد المتكلم وإرادته وهي من هذه الجهة خبر عما قصد إنشاءه كما قالت الحنفية: "فهي إخبارات بالنظر إلى معانيها الذهنية إنشاءات بالنظر إلى متعلقاتها الخارجية" وعلى هذا فإنما لم يحسن أن يقال بالتصديق والتكذيب وإن كانت أخبارا لأن متعلق التصديق والتكذيب النفي والإثبات ومعناهما مطابقة الخبر لمخبره أو عدم مطابقته وهنا المخبر حصل بالخبر حصول المسبب بسببه فلا يتصور فيه تصديق ولا تكذيب وإنما يتصور التصديق والتكذيب في خبر لم يحصل مخبره ولم يقع به كقولك قام زيد فتأمله فإن قيل: فما تقولون في قول المظاهر أنت علي كظهر أمي هل هو إنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب والله سبحانه قد كذبهم هنا في ثلاثة مواضع أحدها في قوله: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} فنفى ما أثبتوه وهذا حقيقة التكذيب ومن طلق امرأته لا يحسن أن يقال ما هي مطلقة والثاني قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً} والإنشاء لا يكون منكرا وإنما يكون المنكر هو
الخبر والثالث أنه سماه زورا والزور هو الكذب وإذا كذبهم الله دل على أن الظهار إخبار لا إنشاء الثالث أن الظهار محرم وليست جهة تحريمه إلا كونه كذبا والدليل على تحريمه خمسة أشياء الأول ما وصفه بالمنكر والثاني وصفه بالزور والثالث أنه شرع فيه الكفارة ولو كان مباحا لم يكن فيه كفارة والرابع أن الله قال: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} والوعظ إنما يكون في غير المباحات والخامس قوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} والعفو والمغفرة إنما يكونان عن الذنب وإن قلتم: هو إخبار هو باطل من وجوه أحدها أن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فجعله الله في الإسلام تحريما تزيله الكفارة وهذا متفق عليه بين أهل العلم ولو كان خبرا لم يوجب التحريم فإنه إن كان صدقا فظاهر وإن كان كذبا فأبعد له من أن يترتب عليه التحريم والثاني أنه لفظ يوجب حكمه الشرعي بنفسه وهو التحريم وهذا حقيقة الإنشاء بخلاف الخبر فإنه لا يوجب حكمه بنفسه فسلب كونه إنشاء مع ثبوت حقيقة الإنشاء فيه جمع بين النقيضين وثالثها أن إفادة قوله أنت علي كظهر أمي للتحريم كإفادة قوله أنت حرة وأنت طالق وبعتك ووهبتك وتزوجتك ونحوها لأحكامها فكيف يقولون هذه إنشاءات دون الظهار وما الفرق أما الفقهاء فيقولون الظهار إنشاء ونازعهم بعض المتأخرين في ذلك وقال: الصواب إنه إخبار وأجاب عما احتجوا به من كونه إنشاء قال: أما قولهم كان طلاقا في الجاهلية فهذا لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق بل يقتضي أنهم كانوا يزيلون العصمة عند النطق به فجاز أن يكون زوالها لكونه إنشاء كما زعمتم أو لكونه كذبا وجرت عادتهم أن من أخبر بهذا الكذب زالت عصمة نكاحه وهذا كما التزموا تحريم الناقة إذا جاءت بعشرة من الولد ونحو ذلك قال وأما قولكم: إنه يوجب التحريم المؤقت وهذا حقيقة الإنشاء لا الإخبار فلا نسلم أن ثم تحريما ألبتة والذي دل عليه القرآن وجوب تقديم الكفارة على الوطء كتقديم الطهارة على الصلاة فإذا قال الشارع لا تصل حتى تتطهر لا يدل ذلك على تحريم الصلاة عليه بل ذلك نوع ترتيب سلمنا أن الظهار ترتب
عليه تحريم لكن التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له ودلالته عليه وهذا هو الإنشاء وقد يكون عقوبة محضة كترتيب حرمان الإرث على القتل وليس القتل إنشاء للتحريم وكترتب التعزير على الكذب وإسقاط العدالة به فهذا ترتيب بالوضع الشرعي لا بدلالة اللفظ وحقيقة الإنشاء أن يكون ذلك وضع لذلك الحكم ويدل عليه كصيغ العقود فسببية القول أعم من كونه سببا بالإنشاء أو بغيره فكل إنشاء سبب وليس كل سبب إنشاء فالسببية أعم فلا يستدل بمطلقها على الإنشاء فإن الأعم لا يستلزم الأخص فظهر الفرق بين ترتب التحريم على الطلاق وترتبه على الظهار قال وأما قولكم إنه كالتكلم بالطلاق والعتاق والبيع ونحوها فقياس في الأسباب فلا نقبله ولو سلمناه فنص القرآن يدفعه وهذه الاعتراضات عليهم باطلة أما قوله إن كونه طلاقا في الجاهلية لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق إلى آخره فكلام باطل قطعا فإنهم لم يكونوا يقصدون الإخبار الكذب ليترتب عليه التحريم بل كانوا إذا أرادوا الطلاق أتوا بلفظ الظهار إرادة للطلاق ولم يكونوا عند أنفسهم كاذبين ولا مخبرين وإنما كانوا منشئين للطلاق به ولهذا كان هذا ثابتا في أول الإسلام حتى نسخه الله بالكفارة في قصة خولة بنت ثعلبة كانت تحت عبادة بن الصامت حسن فقال لها أنت علي كظهر أمي فأتت رسول الله فسألته عن ذلك فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حرمت عليه فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي فقال: حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي فقال: رسول الله ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيء" فجعلت تراجع رسول الله وإذا قال لها حرمت عليه هتفت وقالت أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكوا إليك وكان هذا أول ظهار في الإسلام فنزل الوحي على رسول الله فلما قضى الوحي قال: ادعي زوجك" فتلا عليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ} فهذا يدل على أن الظهار كان إنشاء للتحريم الحاصل بالطلاق في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالكفارة وبهذا يبطل ما نظر به من تحريم الناقة عند ولادتها عشرة أبطن ونحوه فإنه ليس هناك لفظ إنشاء يقتضي التحريم بل هو شرع منهم لهذا التحريم عند هذا السبب وأما قوله إنا لا نسلم أنه يوجب تحريما فكلام باطل فإنه لا نزاع بين الفقهاء أن الظهار يقتضي تحريما تزيله الكفارة فلو وطئها قبل التكفير أثم بالإجماع المعروف من الدين والتحريم المؤقت هنا كالتحريم بالإحرام وبالصيام والحيض وأما تنظيره بالصلاة مع الطهر ففاسد فإن الله أوجب عليه صلاة بطهر فإذا لم يأت بالطهر ترك ما أوجب الله عليه فاستحق الإثم وأما المظاهر فإنه حرم على نفسه امرأته وشبهها بمن تحرم عليه فمنعه الله من قربانها حتى يكفر فهنا تحريم مستند إلى طهارة وفي الصلاة لا تجزي منه بغير طهر لأنها غير مشروعة أصلا وقوله التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له وقد يكون عقوبة إلى آخر جوابه أنهما غير متنافيين في الظهار فإنه حرام تحرم به تحريما مؤقتا حتى يكفر وهذا لا يمنع كون اللفظ إنشاء كجمع الثلاث عند من يوقعها والطلاق في الحيض فإنه يحرم ويتعقبه التحريم وقد قلتم إن طلاق السكران يصح عقوبة له مع أنه لو لم يأت بإنشاء السبب لم تطلق امرأته اتفاقا فكون التحريم عقوبة لا ينفي أن يستند إلى أسبابها التي تكون إنشاءات لها قوله السببية أعم من الإنشاء إلى آخره جوابه أن السبب نوعان فعل وقول فمتى كان قولا لم يكن إلا إنشاء فإن أردتم بالعموم أن سببية القول أعم من كونها إنشاء وإخبارا فممنوع وإن أردتم أن مطلق السببية أعم من كونها سببية بالفعل والقول فمسلم ولا يفيدكم شيئا وفصل الخطاب: أن قوله أنت علي كظهر أمي يتضمن إنشاء وإخبارا فهو إنشاء من حيث قصد التحريم بهذا اللفظ وإخبار من حيث تشبيهها بظهر أمه ولهذا جعله الله منكرا وزورا فهو منكر باعتبار الإنشاء وزور باعتبار الإخبار وأما قوله إن المنكر هو الخبر الكاذب فالخبر الكاذب من المنكر والمنكر أعم منه فالإنكار في الإنشاء والإخبار فإنه
ضد المعروف فما لم يؤذن فيه من الإنشاء فهو منكر وما لم يكن صدقا من الإخبار فهو زور.فائدة: المجاز والتأويلالمجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له وهنا نكتة ينبغي التفطن لها وهي أن كون اللفظ نصا يعرف بشيئين أحدهما عدم احتماله لغير معناه وضعا كالعشرة والثاني ما أطرد استعماله على طريقة واحدة في جميع موارده فإنه نص في معناه لا يقبل تأويلا ولا مجازا وإن قدر تطرق ذلك إلى بعض أفراده وصار هذا بمنزلة خبر المتواتر لا يتطرق احتمال الكذب إليه وإن تطرق إلى كل واحد من أفراده بمفرده وهذه عصمة نافعة تدلك على خطأ كثير من التأويلات السمعيات التي أطرد استعمالها في ظاهرها وتأويلها والحالة هذه غلط فإن التأويل إنما يكون لظاهر قد ورد شاذا مخالفا لغيره ومن السمعيات فيحتاج إلى تأويله لتوافقها فأما إذا أطردت كلها على وتيرة واحدة صارت بمنزلة النص وأقوى وتأويلها ممتنع فتأمل هذا.فائدة: إضافة الموصوف للصفةأضافوا الموصوف إلى الصفة وإن اتحدا لأن الصفة تضمنت معنى ليس في الموصوف فصحت الإضافة للمغاير وهنا نكتة لطيفة وهي أن العرب إنما تفعل ذلك في الوصف المعرفة اللازم للموصوف لزوم اللقب للأعلام كما لو قالوا زيد بطة أي صاحب هذا اللقب وأما الوصف الذي لا يثبت كالقائم والقاعد ونحوه فلا يضاف الموصوف إليه لعدم الفائدة المخصصة التي لأجلها أضيف الاسم إلى اللقب