بسم الله الرحمن الرحيم كلمة المحققإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا}.{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}.أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.و بعد فلما كان كتاب «تلبيس ابليس» للامام الكبير والمحدث الفقيه جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من أشهر كتبه، ومن أواخرها، فقد أشار فيه الى بعض كتبه كالموضوعات والتاريخ وغيرهما.
ولما كان هذا الكتاب يجمع بين الفائدة والمتعة، بين العلم الغزير والأسلوب البسيط الرائق الذي يجلو الشبهات ويكشف ستر ابليس وجماعته، ويرشد الى أقوم السبل وآمنها فقد قمت بالقاء نظرة عليه قبل أن أقدمه الى المطبعة، شارحا بعض عباراته المبهمة، مخرجا أحاديثه المرفوعة، مشيرا الى الآيات ومواضعها من القرآن الكريم، ومعلقا بعض التعليقات النافعة.وقد اعتمدت في هذا التحقيق، النسخة التي نشرها «محمد منير الدمشقي» سائلا الله عز وجل أن ينفع بهذا الكتاب، ويثيب مؤلفه وناشريه أجزل الثواب، وله الحمد أولا وآخرا.«خير الدين علي»
التعريف بابن الجوزيهو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي القرشي التيمي البكري البغدادي الفقيه، الواعظ، الحافظ، المفسر الملقب بجمال الدين. وهو منسوب إلى محلة بالبصرة تسمى (محلة الجوز). ولد سنة إحدى عشرة أو اثنتي عشرة وخمسمائة للهجرة في بغداد، وتوفي والده وهو صغير. فلما ترعرع حملته عمته إلى مسجد «أبي الفضل بن ناصر» الحافظ البغدادي فسمع منه الحديث. وحفظ القرآن على جماعة من أئمة القراء، وكان يلازم من الشيوخ أعلمهم، ويؤثر من أرباب النقل أفهمهم - كما قال هو عن نفسه في مشيخته.وقد صحب «ابن الزاغوني» فأخذ عنه الفقه والوعظ. وقرأ الأصول والجدل على «أبي بكر الدينوري» والقاضي «أبي يعلى»، وتتبع مشايخ الحديث والفقه، ولم يقنع بفن واحد. فقرأ الأدب على «الجواليقي» أستاذ عصره، بل لم يترك أحدا ممن يروي ويعظ، ولا غريبا يقدم إلا استفاد منه. وقد قال عن نفسه: كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق.وكان في زمن الطلب يأخذ معه أرغفة يابسة ويخرج في طلب الحديث، فيقعد على نهر عيسى لا يقدر على أكل هذا الخبز اليابس إلا عند الماء، كلما أكل لقمة شرب عليها شربة!كان رحمه الله ورعا، جريئا، وما تناول مالا من جهة لا يتيقن حلها، ولا ذل لأحد، وكان معجبا بنفسه، قال في «لفتة الكبد»:
«ولقد وضع الله لي من القبول في قلوب الخلق فوق الحد، وأوقع كلامي في نفوسهم، فلا يرتابون بصحته، وقد أسلم على يدي نحو مائتين من أهل الذمة».وقال سبطه أبو المظفر: «أقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف».كان رحمه الله قوي البديهة، حاضر الذهن، فقد وقع النزاع على عهده في المفاضلة بين أبي بكر وعلي، بين أهل السنة والشيعة، ورضوا فيما بينهم بما يجيب به الشيخ أبو الفرج، فأقاموا له رجلا وسط المجلس، فسأله عن ذلك فقال على الفور: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك. فقال السنية: هو أبو بكر رضي الله عنه لان عائشة رضي الله عنها تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الشيعة: هو علي رضي الله عنه لأن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحته قال ابن خلكان:و هذه من لطائف الاجوبة، ولو حصل بعد الفكر التام وامعان النظر كان في غاية الحسن، فضلا عن البديهة.أما منزلته في الوعظ فلم يكن يدانيه أحد، فلقد أوتي حسن التصرف في فنون القول، وشدة التأثير في الناس، وكانت مجالسه الوعظية جامعة، ولقد تاب في مجالسه أكثر من مائة ألف.ووعظ وهو ابن عشر سنين الى أن مات، وكان يحضر مجالسه أمير المؤمنين والسلاطين والأمراء والعلماء فضلا عن عامة الناس.
وكان يظهر في مجالسه مدح السنة ويذم أهل البدع.أما كتبه فهي أكثر من أن تعد كما قال ابن خلكان وكتب بخط يده شيئا كثيرا، وقد قيل: انه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس. وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل.وقال أبو الفرج: «أول ما صنفت وألفت ولي من العمر نحو ثلاث عشرة سنة».وتصانيفه كثيرة جدا، وقد نقل ابن رجب عن ابن القطيعي أن ابن الجوزي ناوله كتابا بخطه سرد فيه تصانيفه.قال ابن كثير في البداية والنهاية: «برز ابن الجوزي في علوم كثيرة وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوا من ثلاثمائة مصنف، وكتب بيده نحوا من مئتي مجلد، وله في أكثر العلوم اليد الطولى، والمشاركات في سائر أنواعها، من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنجوم والطب والفقه، وغير ذلك من اللغة والنحو، وله من المصنفات في ذلك كله ما يضيق هذا المكان عن تعدادها وحصر أفرادها.»وقال ابن خلكان في ترجمته: (انه كان علامة عصره، وامام وقته في الحديث وصناعة الوعظ، صنف في فنون كثيرة منها: «زاد المسير في علم التفسير» أربعة أجزاء أتى فيه بأشياء غريبة، وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله «المنتظم» في التاريخ وهو كبير، وله «الموضوعات»، أربعة أجزاء ذكر فيها كل حديث موضوع. وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد.
ويقال: إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحصل منها شيء كثير أوصى أن يسخن به الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت».وقال الحافظ الذهبي: «ما علمت أن أحدا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل».وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:«عددت له أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك ما لم أره».ووصفه الحافظ الدبيشي بأنه:«صاحب التصانيف في فنون العلم، من التفاسير والفقه والحديث والوعظ والرقائق والتواريخ وغير ذلك. وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه والوقوف على صحيحه من سقيمه. وله فيه المصنفات … وله في الوعظ العبارة الرائعة والإشارات الفائقة والمعاني الدقيقة … وكان من أحسن الناس كلاما، وأتمهم نظاما، وأعذبهم لسانا، وأجودهم بيانا … سمع الناس منه أكثر من أربعين سنة وحدث بمصنفاته مرارا».وقال الموفق عبد اللطيف: «كان ابن الجوزي لا يضيع من زمانه شيئا، يكتب في اليوم أربعة كراريس، ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلدا إلى ستين. وله في كل علم مشاركة، لكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف … »من مصنفاته في القرآن وعلومه كتابه «المغني في التفسير» و «زاد المسير في علم التفسير»(١)، و «تيسير البيان في تفسير».(١) وقد قام بطبعه المكتب الإسلامي بدمشق في تسعة أجزاء.
«القرآن»، و «عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ».ومن مصنفاته في أصول الدين: «منهاج الوصول الى علم الأصول»، و «منهاج أهل الاصابة».وله في الحديث مصنفات عديدة منها:«جامع المسانيد بألخص الأسانيد» «التحقيق في أحاديث التعليق» «الموضوعات(٢) من الأحاديث المرفوعات» «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية» وله في المناقب مصنفات كثيرة منها «مناقب أبي بكر»، و «فضائل عمر بن الخطاب»، و «مناقب علي» و «فضائل عمر بن عبد العزيز» و «فضائل سعيد بن المسيب والحسن البصري والفضيل والثوري وابن حنبل وغيرهم.ومن مصنفاته في التاريخ:«تلقيح فهوم أهل الاثر في عيون التواريخ والسير»و «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم».وله في الفقه مصنفات منها:«الانصاف في مسائل الخلاف»، و «عمدة الدلائل في مشتهر المسائل»أما في الوعظ فله:علوم الوعظ. واليواقيت في الخطب. ونسيم الرياض والمدهش، ونزهة الأديب. وتحفة الوعاظ وغيرها(٢) طبعته المكتبة السلفية بالمدينة المنورة
وله في الفنون الأخرى الشيء الكثير منها:ذم الهوى. وصيد الخاطر، والأذكياء. والحمقى. وأعلام الأحياء بأغلاط الاحياء. والمقامات. والطب الروحاني. والوفا بفضائل المصطفى. والمختار من الأشعار. ولغة الفقه، وغريب الحديث، وزين القصص.وكانت وفاته في رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة عن ست وثمانين سنة تقريبا قضاها في التأليف والوعظ والارشاد. قال سبطه أبو المظفر:((وغسل وقت السحر، واجتمع أهل بغداد، وغلقت الأسواق، وحملت جنازته على رؤوس الناس، وكان الجمع كثيرا جدا، وكان في شهر تموز فأفطر بعض من حضر لشدة الحر وكثرة الزحام، وما وصل حفرته الا وقت صلاة الجمعة والمؤذن يقول: الله أكبر. ودفن بباب حرب بالقرب من مدفن أحمد بن حنبل رضي الله عنه.))تغمده الله برحمته ونفع المسلمين بعلومه، وجعل أجر ذلك في صحيفة أعماله(١).(١) راجع وفيات الاعيان ١/ ٢٧٩، البداية والنهاية ١٣ - ٢٨، مفتاح السعادة ١ - ٢٠٧، ابن الوردي ٢ - ١١٨، دائرة المعارف الاسلامية ١ - ١٢٥، الكامل لابن الأثير ١٠ - ٢٢٨، الذيل على طبقات الحنابلة ١ - ٣٩٩.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي سلم ميزان العدل إلى أكف ذوي الألباب، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين بالثواب والعقاب، وأنزل عليهم الكتب مبينة للخطأ والصواب، وجعل الشرائع كاملة لا نقص فيها ولا عاب(١)، أحمده حمد من يعلم أنه مسبب الأسباب، وأشهد بوحدانيته شهادة مخلص في نيته غير مرتاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله وقد سدل(٢) الكفر على وجه الايمان الحجاب، فنسخ الظلام بنور الهدى وكشف النقاب، وبين للناس ما نزل إليهم وأوضح مشكلات الكتاب، وتركهم على المحجة(٣) البيضاء لاسرب(٤) فيها ولا سراب، فصلى الله عليه وعلى جميع الآل وكل الأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والحساب، وسلم تسليما كثيرا.أما بعد، فإن أعظم النعم على الإنسان العقل، لأنه الآلة في معرفة الإله سبحانه، والسبب الذي يتوصل به إلى تصديق الرسل، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد، بعثت الرسل وأنزلت الكتب، فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس. ولما ثبت عند العقل أقوال الأنبياء الصادقة، بدلائل المعجزات الخارقة، سلم إليهم، واعتمد فيما يخفى عنه عليهم.ولما أنعم الله على هذا العالم الإنسي بالعقل أفتتحه الله بنبوة أبيهم آدم عليه السلام، فكان يعلمهم عن وحي الله عز وجل فكانوا على الصواب، إلى أن انفرد قابيل بهواه فقتل أخاه، ثم تشعبت الأهواء بالناس فشردتهم في بيداء الضلال، حتى عبدوا الأصنام واختلفوا في العقائد والأفعال اختلافا خالفوا فيه الرسل والعقول اتباعا لأهوائهم، وميلا إلى عاداتهم، وتقليدا لكبرائهم، فصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين.(١) العاب والعيب: الوصمة (قاموس).(٢) سدل: أرخى.(٣) المحجة: الطريق.(٤) السرب: الحفر تحت الارض. والسراب: ما تراه نصف النهار كأنه ماء.
فصلواعلم أن الانبياء جاؤوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي، وتوافقوا على منهاج لم يختلف. فأقبل الشيطان يخلط بالبيان شبها، وبالدواء سما، وبالسبيل الواضح جردا(١) مضلا. وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة، وبدع قبيحة، فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام، ويحرمون السائبة(٢) والبحيرة(٣) والوصيلة(٤) والحامي(٥)، ويرون وأد البنات، ويمنعونهن الميراث، إلى غير ذلك من الضلال الذي سوله لهم إبليس، فابتعث الله سبحانه وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم، فرفع المقابح، وشرع المصالح. فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره، سالمين من العدو وغروره. فلما انسلخ نهار وجودهم أقبلت أغباش الظلمات، فعادت الاهواء تنشيء بدعا(٦) وتضيق سبيلا ما زال متسعا، ففرق الاكثرون دينهم وكانوا شيعا، ونهض إبليس يلبس ويزخرف، ويفرق ويؤلف وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل، فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح.فرأيت أن أحذر من مكايده، وأدل على مصايده، فإن في تعريف الشر تحذيرا عن الوقوع فيه. ففي الصحيحين من حديث حذيفة قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني». وقد أخبرنا أبو البركات سعدالله بن علي البزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي الطريثيثي، قال: أخبرنا هبة الله بن حسن الطبري، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن سهل، قال: ثنا محمد بن(١) يقال: مكان جرد أي لا نبات فيه.(٢) السائبة: الناقة المنذورة وكانت تسيب أي تترك لترعى فلا يمسها احد بسوء، وكانت اذا ولدت عشرة أبطن كلهن اناث سبيت.(٣) البحيرة: التي تنجب خمسة أبطن والخامس ذكر. أو هي بنت السائبة.(٤) الوصيلة: الشاة إذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.(٥) الحامي: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضاه تركوه لآلهتهم وأعفوه من الحمل.(٦) لقد زين الشيطان لبعض المسلمين فعادوا إلى الجاهلية الأولى من نذر لغير الله كالأولياء وأصحاب الأضرحة. فتراهم يسيبون المواشي للأولياء ترعى حيث شاءت لا يمسها أحد بسوء لأنها منذورة خشية أن ينتقم منه الولي إذا منعها من أن تعيث في الأرض فسادا.
أحمد بن الحسن، قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا عبيد بن يعيش، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا محمد بن اسحاق عن الحسن او الحسن بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني. فقيل: وكيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه كما أخرجها. فصلوقد وضعت هذا الكتاب محذرا من فتنة، ومخوفا من محنة، وكاشفا عن مستوره، وفاضحا له في خفي غروره. والله المعين بجوده، كل صادق في مقصوده.وقد قسمته ثلاثة عشر بابا ينكشف بمجموعها تلبيسه، ويتبين للفطن بفهمها تدليسه، فمن انتهض عزمه للعمل بها ضج منه إبليسه. والله موفقي فيما قصدت، وملهمي للصواب فيما أردت. ذكر تراجم الأبوابالباب الأول - في الأمر بلزوم السنة والجماعة.الباب الثاني - في ذم البدع والمبتدعين.الباب الثالث في التحذير من فتن إبليس ومكايده.الباب الرابع - في معنى التلبيس والغرور.الباب الخامس - في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات.الباب السادس - في ذكر تلبيسه على العلماء في فنون العلم.الباب السابع - في ذكر تلبيسه على الولاة والسلاطين.الباب الثامن - في ذكر تلبيسه على العباد في فنون العبادات.الباب التاسع - في ذكر تلبيسه على الزهاد.الباب العاشر - في ذكر تلبيسه على الصوفية.الباب الحادي عشر - في ذكر تلبيسه على المتدينين بما يشبه الكرامات.الباب الثاني عشر - في ذكر تلبيسه على العوام.الباب الثالث عشر - في ذكر تلبيسه على الكل بتطويل الأمل.
الباب الأول الأمر بلزوم السنة والجماعةأخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي التميمي، نا أحمد بن جعفر ابن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي عن ابن إسحاق، نا ابن المبارك، ثنا محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما خطب بالجابية فقال:قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «من أراد منكم بحبوحة الجنة(١) فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد(٢)».أخبرنا أحمد، وحدثنا جرير عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة. قال: خطب عمر الناس بالجابية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مثل مقامي هذا، فقال: «من أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ ويحيى بن علي المديني، نا أبو محمد الصريفيني، نا أبو بكر محمد بن الحسن بن عبدان، ثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا سعيد بن يحيى الأموي، ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود، عن زر عن عمر بن الخطاب. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد(٣)».حدثنا عبد الأول بن عيسى، نا أبو القصار بن يحيى، ثنا أبو الحسن علي ابن عبد العزيز، أنبأنا أبو عبيد، نا النضر بن إسماعيل، عن محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله(١) بحبوحة الدار وسطها.(٢) حديث ابن عمر هذا رواه الترمذي مطولا من طريق أبي المغيرة عن محمد بن سوقة وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقة. قلت: ورجاله ثقات والحديث صحيح وله طرق.(٣) وإسناده لين لكنه يتقوى بما سبقه وبما بعده.
عليه وسلم: «من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد».أخبرنا عبد الأول، نا أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الفارسي، نا عبد الرحمن بن أبي شريح، ثنا ابن صاعد، ثنا ابراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا أبو معاوية عن يزيد بن مردانبه عن زياد بن علاقة عن عرفجة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يد الله على الجماعة، والشيطان مع من يخالف الجماعة»(١).أخبرنا محمد بن عمر الأرموي والحسين بن علي المقري، نا عبد الصمد ابن المأمون، نا علي بن عمر الدارقطني، ثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول، حدثني أبي، ثنا محمد بن يعلى، ثنا سليمان العامري عن الشيباني عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم»(٢).أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، أنبأنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي وائل عن عبد الله، قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما(٣)» قال: ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال: «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه». ثم قرأ {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل}.وبالإسناد قال أحمد، وثنا روح، ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا العلاء بن زياد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية.(١) وزياد بن علاقة لم يسمع من عرفجة فالحديث ضعيف بهذا اللفظ.(٢) وفيه محمد بن يعلى ضعيف. ورواه الترمذي عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: يد الله على الجماعة ومن شذ شذ الى النار وهو ضعيف أيضا لكن قال ابن حجر له شواهد كثيرة منها موقوف صحيح.(٣) ورواه الحاكم وصححه. وله طريق أخرى عند النسائي والحاكم وقد صححها ايضا وله شواهد ذكرها ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٩٠.
والناحية. فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد(١)». حدثنا أحمد، ثنا أبو اليمان، ثنا ابن عياش، عن أبي البختري، عن عبيد ابن سليمان، عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإن الله عز وجل لم يجمع أمتي إلا على الهدى(٢)».أخبرنا عبد الملك بن القاسم الكروخي، قال: أخبرنا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العروجي، قالا: أخبرنا الحراجي، قال: أخبرنا المحبوبي، ثنا الترمذي، ثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية، لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت(٣) على ثنتين وسبعين ملة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه(٤).وروى أبو داود في «سننه» من حديث معاوية بن أبي سفيان أنه قام فقال: ألا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة، وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجاري(٥) بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب.(١) ورجاله ثقات الا ان العلاء بن زياد لم يسمع من معاذ كما في «التهذيب».(٢) واسناده ضعف بسبب أبي البختري قال في اللسان: كذبه دحيم. ثم ان ابا عبيد تابعي لا يعرف كذا في (فيض القدير).(٣) قال أبو منصور البغدادي: للحديث الوارد في افتراق الأمة أسانيد كثيرة، وقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة كأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي الدرداء وجابر وأبي سعيد الخدري وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي أمامة وغيرهم.(٤) في سنده عبد الرحمن بن زياد الافريقي وهو ضعيف. فتحسين الترمذي له لطرقه.(٥) بحذف إحدى التاءين أي تدخل وتسري تلك الأهواء أي البدع. والكلب بفتح الكاف واللام داء يعرض للانسان من عض الكلب.
بصاحبه(١).أخبرنا أبو البركات بن علي البزاز، نا أحمد بن علي الطريثيثي، نا هبة الله ابن الحسين الحافظ، نا محمد بن الحسين الفارسي، نا يوسف بن يعقوب ابن إسحاق، ثنا العلاء بن سالم، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش بن مالك بن الحارث عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله(٢). قال: «الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة».أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، نا أحمد بن الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمد بن أحمد بن الحسين، ثنا بشر بن موسى، ثنا محمد بن سعيد، ثنا ابن المبارك عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: «عليكم بالسبيل والسنة فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار، وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف».أخبرنا سعد الله بن علي، نا الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسين، نا عبد الواحد بن عبد العزيز، نا محمد بن أحمد الشرقي، ثنا عثمان بن أيوب، نا إسحاق بن إبراهيم المروزي، قال: ثنا أبو إسحاق الأقرع، قال: سمعت الحسن بن أبي جعفر يذكر عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادة».أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال: نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم الأصبهاني، ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي قال: أنبأنا سفيان بن عيينة، قال: سمعت عاصما الأحول يحدث عن أبي العالية، قال: «عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا» قال عاصم: فحدثت به الحسن. فقال: «قد نصحك والله وصدقك».أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا أحمد بن أحمد، قال: نا أحمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحسن، أنبأنا بشر بن موسى، نا معاوية ابن عمرو، نا أبو إسحاق الفزاري. قال: قال الأوزاعي: «اصبر نفسك على(١) رواه أبو داود في أول كتاب السنة (٤٥٩٧) بإسناد جيد، رجاله ثقات.(٢) أي ابن مسعود رضي الله عنه.