مقدمة الناشر للطبعة الثانية بسم الله الرحمن الرحيمإنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ١٠٢].{يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: ١].{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: ٧١، ٧٠].أما بعد:فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمّد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار.أمّا بعد:فقد قال الله سبحانه وتعالى: {يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (١٦٨) [البقرة: ١٦٨].
وقال عز وجل: {يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ} (٦) [فاطر: ٦، ٥].وقال جل جلاله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اُعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ} (٦١) [يس: ٦١، ٦٠].ففي هذه الآيات الكريمة بيّن ربّنا - جلّ في علاه - عداوة إبليس لآدم عليه السلام وذرّيّته، وحذّرهم منه، وأعلمهم أنّ الشّيطان مظهر لعداوته الشّديدة لهم.ولذا أمرهم سبحانه وتعالى بمعاداته أشدّ العداوة، ومخالفته أشدّ المخالفة، وتكذيبه فيما يغرّرهم به.وهذه العداوة القديمة نشأت منذ أن خلق الله آدم عليه السلام بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته؛ قال الله جل جلاله: {إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} (٨٥) [ص: ٧١ - ٨٥].فابليس اللّعين (الشّيطان الرّجيم) هو العدوّ اللّدود للإنسان، ويسلك في سبيل هذه العداوة قصارى جهده، ويتّبع فيها طرقا شتّى، وله في ذلك خطوات وتلبيسات قلّ من يتنبّه
لها، إذ تحتاج إلى علم، وبصيرة، ومجاهدة، وصبر في الصّولات معه، والجولات، وأخذ للعدّة في الدّفاع والمقاومة؛ لأنّ اتّباع إبليس معناه الخسران المبين، وذلك بمقارنته - والعياذ بالله - في العذاب الأليم؛ وهذا أقصى ما يسعى إليه، ويجهد نفسه فيه {وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: ٢٢].وبرغم ما لهذا العدوّ اللّدود من المكائد الخطيرة، والأساليب الكثيرة لإضلال الإنسان إلّا أنّ كيده ضعيف، قال جلّ وعلا: {فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً} [النساء: ٧٦].فكيد الشّيطان ضعيف أمام من آمن بالله وأطاعه، واتّبع صراطه المستقيم ولزمه، وسارع إلى التّوبة والاستغفار بعد كلّ زلّة وخطيئة؛ قال الله تقدّست أسماؤه: {إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ} (٢٠١) [الأعراف: ٢٠١]، وقال رسولنا صلى الله عليه وسلم: «إنّ الشّيطان قال: وعزّتك وجلالك، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرّبّ جل جلاله: وعزّتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني»(١).وقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى ما يعصمنا من مكائد الشّيطان ووساوسه، ومن أهمّ ذلك:توحيد الله، والتّوكّل عليه، والانقطاع إليه، وإخلاص كلّ العبادات له؛ قال الله جلّ وعلا:(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٧/ ٣٣٧) (١١٢٣٧)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٢٩٠) (٧٦٧٢)، من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، وصحّحه الألبانيّ في «الصّحيحة» (١٠٤).
{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (٩٩) [النحل: ٩٩].وقال - جلّ وعلا - مخاطبا هذا العدوّ اللّعين: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ} (٤٢) [الحجر: ٤٢].وأخبر عز وجل عن تحدّي إبليس الرّجيم للبشر أجمعين: {قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (٨٣) [ص: ٨٣، ٨٢].وعباد الله المخلصون: هم الّذين أخلصوا دينهم وعبادتهم لله وحده لا شريك له.هذا، وقد سطر العلماء مصنّفات قيّمة في عداوة الشّيطان للإنسان، وتبيين خطواته، وتلبيساته، وطرق الوقاية منها، ومن هؤلاء: الإمام ابن الجوزيّ رحمه الله، الّذي خطّ بيراعه مصنّفه الرّائع والماتع «تلبيس إبليس»، الّذي سارت به الرّكبان، وتداوله النّاس على كرّ الدّهور، ومرّ الأعوام، وانتفع به طلبة العلم والعوامّ.وقد عملنا في «دار المنهاج» على إخراجه محقّقا، مزيدا بتعليقات عقديّة نفيسة على مواضع موهمة ومشكلة في الكتاب، لفضيلة الشّيخ العلّامة زيد بن هادي المدخلي رحمه الله، كنا قد تواصلنا مع فضيلته بشأنها، فأفاد بها رحمه الله، وأثبتناها في الحواشي متبوعة باسمه رحمه الله، وكان تحقيقنا لهذا الكتاب وفق الخطوات العلميّة المنهجيّة التّالية:١ - مراجعة الكتاب مراجعة لغويّة دقيقة.٢ - إثبات الآيات القرآنيّة بالرّسم العثمانيّ، وعزوها إلى مواضعها في المصحف الشّريف.٣ - تخريج الأحاديث بمنهج موحّد، وقد اكتفينا بتخريج الحديث إن كان في «الصّحيحين»، أو في أحدهما بذكر رقمه فقط، وإن كان في غيرهما ذكرنا رقمه، أو رقم
الجزء والصّفحة في كتب السّنّة، ثمّ أوردنا - في الغالب - عليه حكم الشّيخ الألبانيّ رحمه الله.٤ - وضع عنوانات للفصول الّتي لم يعنون لها الإمام ابن الجوزيّ رحمه الله.٥ - عمل ترجمة للمصنّف الإمام ابن الجوزيّ رحمه الله.والله من وراء القصد، وهو الموفّق والهادي إلى سواء السّبيل.وصلّى الله على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعينقسم التحقيق والبحث العلميّب «دار المنهاج»
ترجمة الإمام ابن الجوزي رحمه اللهاسمه ونسبه:هو الشّيخ الإمام العلّامة، الحافظ المفسّر، شيخ الإسلام، مفخر العراق، جمال الدّين، أبو الفرج عبد الرّحمن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن عبيد الله بن عبد الله بن حمّادي بن أحمد بن محمّد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النّضر بن القاسم بن محمّد بن عبد الله ابن الفقيه عبد الرّحمن ابن الفقيه القاسم بن محمّد بن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصّدّيق، القرشيّ التّيميّ البكريّ البغداديّ، الحنبليّ، الواعظ، صاحب التّصانيف. مولده:ولد سنة تسع أو عشر وخمس مئة. لقبه:لقّب بابن الجوزيّ لشجرة جوز كانت في داره ب «واسط»، ولم تكن بالبلدة شجرة جوز سواها، وقيل: نسبة إلى «فرضة الجوز»، وهي مرفأ نهر البصرة. نشأته:توفّي أبوه وهو صغير السّنّ، وكان موسرا، خلّف أموالا طائلة، ولكنّهم أجحفوا عليه، وهضموه حقّه من إرث أبيه، فلم يعطوه سوى دارين وعشرين دينارا، فما كان منه إلا أن اشترى بذلك كتبا.
رعته عمّته حتّى أدرك، فأخذته إلى مسجد أبي الفضل محمّد بن ناصر الحافظ، وهو خاله، وكان حافظا ضابطا متقنا من أهل السّنّة، فاعتنى به، وأسمعه الحديث، وحفّظه القرآن. شيوخه:أمّا شيوخ ابن الجوزيّ فكثيرون، ذكر منهم سبعة وثمانون شيخا، ومن أهمّ شيوخه:١ - خاله أبو الفضل محمّد بن ناصر، الحافظ الثّقة.٢ - أبو القاسم الهرويّ.٣ - أبو الحسن، ابن الزاغوني.٤ - أبو بكر الدّينوري.٥ - ابن أبي الدّنيا.٦ - القاضي أبو بكر الأنصاري.٧ - أبو منصور الجواليقي. تلاميذه:ولده الصّاحب العلّامة محيي الدّين يوسف أستاذ دار المستعصم بالله، وولده الكبير عليّ النّاسخ، وسبطه الواعظ شمس الدّين يوسف بن قزغلي الحنفي صاحب «مرآة الزّمان»، والحافظ عبد الغني، والشّيخ موفّق الدّين ابن قدامة، وابن الدبيثي، وابن النّجّار، وابن خليل، والضّياء، واليلداني، والنّجيب الحرّاني، وابن عبد الدّائم، وخلق سواهم.وبالإجازة الشّيخ شمس الدّين عبد الرّحمن، وابن البخاريّ، وأحمد ابن أبي الخير، والخضر بن حمويه، والقطب بن عصرون.
علمه، وفضله، وثناء العلماء عليه:تحدّث عنه علماؤنا الأفذاذ بكثير من الإعجاب والاعتراف له بالفضل والتّقدير:قال أبو عبد الله الدبيثي رحمه الله في «تاريخه»: «شيخنا جمال الدّين صاحب التّصانيف في فنون العلوم من التّفسير، والفقه، والحديث، والتّواريخ، وغير ذلك».وقال عنه الحافظ الذّهبيّ رحمه الله: « … ثمّ لمّا ترعرع حملته عمّته إلى ابن ناصر، فأسمعه الكثير، وأحبّ الوعظ وهو مراهق، فوعظ النّاس وهو صبيّ، ثمّ ما زال نافق السّوق، معظّما متغاليا فيه، مضروبا برونق وعظه المثل، كما له في ازدياد اشتهار إلى أن مات، رحمه الله وسامحه، فليته لم يخض في التّأويل، ولا خالف إمامه.وقال: «وكان ذا حظّ عظيم، وصيت بعيد في الوعظ، يحضر مجالسه الملوك، والوزراء، وبعض الخلفاء والأئمّة الكبراء».وقال ابن خلّكان رحمه الله: «كان علّامة عصره، وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ، صنّف في فنون كثيرة».وقال عنه الإمام ابن كثير رحمه الله: «أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنّفات الكبار والصّغار نحوا من ثلاث مئة مصنّف، وكتب نحوا من مئتي مجلّد». آثاره وتصانيفه:له من المصنّفات ما يضيق هذا المكان عن تعدادها وحصر أفرادها، إلّا أنّه قد أخذ عليه كثرة الأوهام والخطإ في تواليفه؛ كما حكى ذلك الذّهبيّ وغيره.ومن هذه التّصانيف: كتابه في التّفسير المشهور ب «زاد المسير».وله تفسير أبسط منه، لكنّه ليس بمشهور.
وله «جامع المسانيد».وله كتاب «المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم» في عشرين مجلّدا.نزهة العيون النّواظر في الوجوه والنّظائر.منهاج الوصول إلى علم الأصول.بيان غفلة القائل بقدم أفعال العباد.الموضوعات.العلل المتناهية في الأحاديث الواهية.الضّعفاء والمتروكين.صيد الخاطر.المدهش.ذمّ الهوى.كنز المذكر.اللّطائف.اليواقيت في الخطب.تلبيس إبليس، وهو الكتاب الّذي بين أيدينا.وغيرها كثير. معتقد ابن الجوزي رحمه الله:أخذ بعض العلماء على ابن الجوزيّ رحمه الله كلاما غير سديد في كتابه «صيد الخاطر»، وكتابه المسمّى «دفع شبه التّشبيه» ممّا اعتبروه موافقة لمذهب الأشاعرة!
قال ابن تيمية - طيّب الله ثراه - في «شرح العقيدة الأصفهانيّة»: «وما في كتب الأشعريّ ممّا يوجد مخالفا للإمام أحمد وغيره من الأئمّة، فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد؛ كأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الفرج ابن الجوزي، وصدقة بن الحسين، وأمثالهم ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمّة من قول الأشعريّ، وأئمّة أصحابه».ثمّ بيّن رحمه الله أنّ ابن الجوزيّ مع مخالفته لمعتقد أهل السّنّة والجماعة إلّا أنّه أفضل حالا من متأخّري الأشاعرة الّذين غالوا في البدعة، وخرجوا عن قول الأشعريّ نفسه، فقال رحمه الله: «ومن هو أقرب إلى أحمد والأئمّة من مثل ابن عقيل، وابن الجوزيّ، ونحوهما، أقرب إلى السّنّة من كثير من أصحاب الأشعري المتأخّرين الّذين خرجوا عن كثير من قوله إلى قول المعتزلة، أو الجهميّة، أو الفلاسفة». انتهى.هذا، وقد عاش ابن الجوزيّ رحمه الله ومن قبله شيخه أبو الوفاء عليّ بن عقيل رحمه الله تناقضا بين انتمائه السّلفيّ لمدرسة الحنابلة الأثريّة الرّافضة لعلم الكلام والبدع، وبين قوّة التّيّار الكلاميّ الّذي بلغ ذروته وأوج نشاطه في القرنين الخامس والسّادس، ومن ثمّ جاءت أقوالهما مضطربة متناقضة.قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في تعليل ما لقيه أبو الوفاء من أصحابه الحنابلة: «والأذيّة الّتي ذكرها من أصحابه له، وطلبهم منه هجران جماعة من العلماء، نذكر بعض شرحها:وذلك أنّ أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردّده إلى ابن الوليد، وابن التبّان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السّرّ علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السّنّة، وتأوّل لبعض الصّفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات رحمه الله».وقد تأثّر ابن الجوزيّ بشيخه تأثّرا بالغا، فحاد عن طريق سلفه من أئمّة المذهب، وقال بقول أهل التّأويل، لا سيّما في كتابه: «دفع شبه التّشبيه بأكفّ التّنزيه»، الّذي صنّفه في الرّدّ على بعض مشايخ المذهب، كابن حامد، والقاضي أبي يعلى، وشيخه ابن الزّاغوني، وليس
في الرّدّ على الحنابلة كما زعم بعضهم.قال الإمام ابن رجب رحمه الله في ذكر كلام النّاس فيه: « … ومنها - وهو الّذي من أجله نقم جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمّتهم من المقادسة والعلثيين - من ميله إلى التّأويل في بعض كلامه، واشتدّ نكرهم عليه في ذلك، ولا ريب أنّ كلامه في ذلك مضطرب مختلف، وهو إن كان مطّلعا على الأحاديث والآثار في هذا الباب، فلم يكن خبيرا بحلّ شبهة المتكلّمين وبيان فسادها، وكان معظّما لأبي الوفاء بن عقيل، يتابعه في أكثر ما يجد في كلامه، وإن كان قد ردّ عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعا في الكلام، ولم يكن تامّ الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب، وتتلوّن فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التّلوّن». انتهى.قال الإمام الموفّق المقدسيّ ابن قدامة رحمه الله: « … كان حافظا للحديث، وصنّف فيه إلّا أنّنا لم نرض تصانيفه في السّنّة، ولا طريقته فيها».وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «متناقض في هذا الباب، لم يثبت على قدم النّفي، ولا على قدم الإثبات!».وحقيقة الأمر: أنّنا لا نستطيع أن نتسب أبا الفرج ابن الجوزيّ إلى مذهب الأشاعرة في الاعتقاد، ذلك لأنّه لا يوافقهم في جميع أصولهم، وإنّما يوافقهم في بعضها، ومن ذلك تفويضه لمعاني صفات الله جلّ وعلا، حيث قال بقول متقدّمي الأشاعرة.وشيخ الإسلام ابن تيمية يفضّل أصحاب أبي الحسن الأشعريّ المتقدّمين على ابن الجوزيّ وشيخه ابن عقيل، ويراهم أقرب إلى ما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل والأئمّة، ولكنّه يفضّلهما على كثير من متأخّري الأشاعرة الّذين انتحلوا نحلة الجهميّة.ولذا، نستطيع أن نقول: إنّ الإمام ابن الجوزيّ رحمه الله كان من العلماء الّذين وقعت لهم
زلّات متنوّعة عن غير قصد، وبدون معاندة؛ لأنّه لم يجد في عصره من يبيّن له وجه الحقّ بدليله، ويردّه عليه، فخرجت بعض أقواله وفق ما درس وتأثّر من مشايخه بدون مراجعة، وتحرير، وتمحيص. وهاك بعض أقوال العلماء المنصفين في معتقد الإمام ابن الجوزي رحمه الله:١ - قال الإمام الذّهبيّ كما في «سير أعلام النبلاء»: «عالم العراق، ومفتي الآفاق».وقال: «هكذا هو له أوهام وألوان من ترك المراجعة، وأخذ العلم من الصّحف».وقال في «التّاريخ الكبير»: «لا يوصف ابن الجوزيّ عندنا بالحفظ باعتبار الصّنعة، بل باعتبار كثرة اطّلاعه وجمعه».٢ - وقال الشّيخ عبد الرّحمن السّعدي رحمه الله في «الفتاوى السّعديّة»: «ابن الجوزيّ إمام في الوعظ والتّفسير والتّاريخ، وكذلك هو أحد الأصحاب المصنّفين في فقه الحنابلة، ولكنّه رحمه الله خلط تخليطا عظيما في باب الصّفات، وتبع في ذلك الجهميّة والمعتزلة، فسلك سبيلهم في تحريف كثير منها، وخالف السّلف في حملها على ظاهرها، وقدح في المثبتين، ونسبهم إلى البلاهة، وهذا الموضوع من أكبر أغلاطه، ولذلك أنكر عليه أهل العلم، وتبرّأ منه الحنابلة في هذا الباب، ونزّهوا مذهب الإمام أحمد عن قوله وتخبيطه فيه، ومع ذلك فإنّ له في المذهب كتاب «المذهب»، وغيره.وله تصانيف كثيرة جدّا حسنة، فيها علم عظيم، وخير كثير، وهو معدود من الأكابر الأفاضل.ولكن كلّ أحد مأخوذ من قوله ومتروك سوى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فكلامه في كتاب التّأويل، وكلامه في الفصول الّتي أوّل «صيد الخاطر» … يجب الحذر منها، والتّحذير منها، ولولا أنّ هذه الكتب موجودة بين النّاس لكان للإنسان مندوحة عن الكلام فيه؛ لأنّه من أكابر أهل
العلم وأفاضلهم، وهو معروف بالدّين والورع والنّفع، ولكن لكلّ جواد كبوة، نرجو الله أن يعفو عنّا وعنه».٣ - وقال فضيلة الشّيخ المحدّث مقبل بن هادي الوادعيّ رحمه الله كما في «الجواب النّافع عن أسئلة أهل يافع»: « … - والعلماء أنفسهم وقلّ أن تجد عالما إلّا وهو يحدّث أو يستدلّ بأحاديث ضعيفة - .. من الأمثلة على هذا: الحافظ ابن الجوزيّ رحمه الله، له كتاب «الموضوعات»، وكتاب «العلل المتناهية»، ولكنّك إذا قرأت في سائر كتبه تراه يستدلّ بأحاديث ضعيفة وموضوعة، كما تجد هذا في كتابه «صيد الخاطر»، وفي غير «صيد الخاطر»، فالعلماء ربّما يتساهلون في بعض الأوقات … ». اه.٤ - وقال فضيلة الشّيخ العلّامة صالح الفوزان - حفظه الله - كما في «الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة»: «الإمام ابن الجوزيّ رحمه الله عنده أخطاء لا شكّ، و «صيد الخاطر» هذا فيه أخطاء كثيرة في العقيدة، في أبواب الصّفات، متأثّر بمذهب الّذين يؤوّلون الصّفات، لا شكّ، وهو إمام جليل، ومحدّث، وفقيه، ومفسّر، ومتبحّر في العلوم، ولكن عنده أخطاء في كتبه، ومنها «صيد الخاطر» هذا، ففيه كلام غير جيّد في الصّفات، وتأويلها، ولكن لا يعدّ جهميّا.ونرجو الله أن يغفر له، ويسامحه، ونحن نتجنّب هذه الأخطاء، ولا نتقبّلها وإن كانت عند ابن الجوزيّ أو غيره». وفاته:توفّي رحمه الله بعدما أفرج عنه، وقدم بغداد، وعاد إلى الوعظ، والإرشاد، والكتابة، ونشر العلم حتّى توفّاه الله ليلة الجمعة (١٢ رمضان سنة ٥٩٧ هـ) بين العشائين، وقد قارب التّسعين من العمر، ودفن بباب حرب قرب مدفن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
مصادر ترجمته:«سير أعلام النّبلاء»، للإمام الذّهبيّ رحمه الله.«ذيل طبقات الحنابلة»، للإمام ابن رجب رحمه الله.«وفيات الأعيان»، لابن خلّكان رحمه الله.«مجموع الفتاوى»، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.«الفتاوى السّعديّة»، للعلّامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله.«الجواب النّافع عن أسئلة أهل يافع»، للعلّامة المحدّث مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله.«الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة»، للعلّامة صالح الفوزان حفظه الله.
خطبة الكتابالحمد لله الّذي سلّم ميزان العدل إلى أكفّ ذوي الألباب، وأرسل الرّسل مبشّرين ومنذرين بالثّواب والعقاب، وأنزل عليهم الكتب مبيّنة للخطإ والصّواب، وجعل الشّرائع كاملة لا نقص فيها، ولا عاب.أحمده حمد من يعلم أنّه مسبّب الأسباب.وأشهد بوحدانيّته شهادة مخلص في نيّته غير مرتاب، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله وقد سدل الكفر على وجه الإيمان والحجاب، فنسخ الظّلام بنور الهدى، وكشف النّقاب، وبيّن للنّاس ما أنزل إليهم، وأوضح مشكلات الكتاب، وتركهم على المحجّة البيضاء، لا سرب فيها، ولا سراب، فصلّى الله عليه، وعلى جميع الآل، وكلّ الأصحاب، وعلى التّابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والحساب، وسلّم تسليما كثيرا.أما بعد:فإنّ أعظم النّعم على الإنسان العقل؛ لأنّه الآلة في معرفة الإله سبحانه، والسّبب الّذي يتوصّل به إلى تصديق الرّسل، إلّا أنّه لمّا لم ينهض بكلّ المراد من العبد، بعثت الرّسل، وأنزلت الكتب، فمثال الشّرع الشّمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة، رأت الشّمس، ولمّا ثبت عند العقل أقوال الأنبياء الصّادقة بدلائل المعجزات الخارقة، سلّم إليهم، واعتمد فيما يخفى عنه عليهم.ولمّا أنعم الله على هذا العالم الإنسيّ بالعقل، افتتحه الله بنبوّة أبيهم آدم عليه السلام؛ فكان يعلّمهم عن وحي الله عز وجل، فكانوا على الصّواب، إلى أن انفرد قابيل بهواه فقتل أخاه، ثمّ