اجتماع الجيوش الإسلامية - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: الفرق والردود الكتاب: اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢١)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)المحقق: زائد بن أحمد النشيريراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سعود بن العزيز العريفي الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٦١٤قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
اجتماع الجيوش الإسلاميةعلى حرب المعطلة والجهمية تأليفالإمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية(٦٩١ - ٧٥١) تحقيقزايد بن أحمد النشيري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(١)الله سبحانه المسؤول المرجو الإجابة أن يمتِّعكم بالإسلام والسنة والعافية، فإن سعادة الدنيا والآخرة ونعيمهما وفوزهما مبنيٌّ على هذه الأركان الثلاثة، وما اجتمعن في عبدٍ بوصف الكمال إلا وقد كملت نعمة الله عليه، وإلا فنصيبه من نعمة الله بحسب نصيبه منها.والنعمة نعمتان: نعمة مطلقة ونعمة مقيدة.فالنعمة المطلقة: هي المتصلة بسعادة الأبد، وهي نعمة الإسلام والسنة، وهي النعمة(٢) التي أمرنا الله سبحانه أن نسأله في صلواتنا(٣)؛ أن يهدينا صراط أهلها ومن خصَّهم(٤) بها وجعلهم أهل الرفيق الأعلى، حيث يقول تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء/٦٩].فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة، وأصحابها(١) زادت نسخة (ب): "وهو حسبي وكفى"، وزادت (ع): "رب يسِّر وأعن، يا كريم وبه نستعين، وصلى الله على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين" وهو من زيادات النسَّاخ، وقد طمس أعلى الصفحات الأُول من (ظ).(٢) من (ب، ظ) فقط.(٣) في (ب): "صلاتنا".(٤) في (ب، ظ): "خصَّه".
أيضًا هم المعنيُّون بقوله تعالى: { .. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا .. } [المائدة/٣] فأضاف الدين إليهم؛ إذ هم المختصُّون بهذا الدين القيِّم دون سائر الأمم.والدينُ تارةً يُضاف إلى العبد، وتارةً إلى الرب، فيقال: الإسلام دين الله الذي(١) لا يَقْبل من أحدٍ دينًا سواه(٢). ولهذا يقال في الدعاء: "اللهم انصر دينك الذي أنزلته من السماء"(٣). ونَسَبَ الكمال إلى الدين؛ والتمام إلى النعمة مع إضافتها إليه؛ لأنه هو وَليُّها ومُسْديها إليهم، وهُم مَحَلٌّ محضٌ لِنِعَمه قابلين لها، ولهذا في الدعاء المأثور للمسلمين "واجعلهم مُثْنِين بها عليك قابليها وأتممها عليهم"(٤).(١) ليس في (ب).(٢) ومنه قول عمر بن الخطاب: "إن الله عز وجل يحفظ دينه" أخرجه مسلم في صحيحه (١٨٢٣) ـ (١٢) مطولًا في استفهام ابن عمر منه في الاستخلاف.(٣) لم أقف عليه مأثورًا، فلعلَّه من الأدعية الدّارجة في زمن المؤلف.(٤) ورد نحو هذا من حديث ابن مسعود، لكن اختلف عليه في رفعه ووقْفه.فرواه عنه أبو وائل شقيق بن سلمة واختلف عليه.فرواه شريك القاضي وابن جُريج عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عن ابن مسعود مرفوعًا وأوَّله: "اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجِّنا من الظلمات إلى النور، وجنِّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها قابليها، وأتمَّها علينا". … == … أخرجه أبو داود (٩٦٩)، والطبراني في الدعاء (١٣٢٨)، وابن حبان (٩٩٦)، والبزار (٥/ ١٥٣) (١٧٤٥)، والحاكم (١/ ٣٩٨) (٩٧٨)، وغيرهم.ورواه داود بن يزيد الأودي ـ ضعيف ـ عن أبي وائل عن ابن مسعود مرفوعًا.أخرجه الطبراني في الدعاء (١٣٢٩)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٢٢٤).وخالفهما الأعمش فوقفه.فرواه أبو معاوية وحفص بن غياث عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود موقوفًا بنحوه.أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠١٣٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٣٠). وهذا هو الصواب موقوفًا، ورفعه وهم، ويؤيده ما رواه عطاء بن السائب عن أبي الأحوص عن ابن مسعود موقوفًا بنحوه. أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠١٤١).
وأما الدين، فلما كانوا هم القائمين به الفاعلين له بتوفيق ربهم نسبَهُ إليهم، فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة/٣]، وكان الكمال في جانب الدين، والتمام في جانب النعمة، واللفظتان وإن تقاربتا وتواردتا(١) فبينهما(٢) فرق لطيف يظهر عند التأمل؛ فإن الكمال أخصُّ بالصفات والمعاني، ويطلق على الأعيان والذوات ولكن(٣) باعتبار صفاتها وخواصّها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم [ب/ق ١ ب] بنت عمران، وآسية بنت مزاحم،(١) من (ظ) فقط، وجاء في (ب): "وتوازنتا"، وفي (أ، ت): "وتواختا".(٢) في (ب): "فبينها".(٣) في (ب): "وذلك".
وخديجة بنت خويلد"(١).وقال عمر بن عبد العزيز: "إن للإيمان حدودًا وفرائض وسننًا وشرائع، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان"(٢).(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٣/ ٢٦٣)، والثعلبي في تفسيره (٩/ ٣٥٣) من طريق آدم بن أبي إياس وأبي أسامة حماد بن أسامة عن شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة بن شراحيل الطيب عن أبي موسى فذكر مثله وزادا: "وفاطمة بنت محمد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".وزيادة (خديجة وفاطمة) شاذة غير محفوظة، وهي وهم على آدم وأبي أسامة.فأخرجه البخاري في صحيحه (٣٢٥٠) عن آدم، وأبو يعلى في مسنده (١٣/ ٢٥٣) (٧٢٦٩) عن مجاهد بن موسى عن أبي أسامة كلاهما عن شعبة به، بدون ذكر (خديجة وفاطمة) رضي الله عنهما، وهذا هو المحفوظ عنهما.وهكذا رواه: يحيى بن سعيد القطان ومحمد بن جعفر (غُندر) ووكيع بن الجراح وغيرهم كلهم عن شعبة به مثله، ولم يذكروا (خديجة وفاطمة) وهو الصواب.أخرجه البخاري (٣٢٣٠ و ٣٥٥٨)، ومسلم (٢٤٣١)، والنسائي (٣٩٤٧) وعبد ابن حميد (٥٦٤)، وأحمد (١٩٥٢٣ و ١٩٦٦٨)، والطحاوي في شرح المشكل رقم (١٥٠)، واللالكائي برقم (٢٧٤٧ و ٢٧٤٨) والطيالسي في مسنده (٥٠٦). تنبيه: ذكر الحافظ في الفتح (٦/ ٤٤٧): أن الطبراني وأبا نعيم في الحلية والثعلبي في تفسيره أخرجوا زيادة (خديجة وفاطمة) من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة. قلت: لعله وهم في ذلك فدخل عليه حديث في حديث، وإلا فالحديث عند الطبراني (٢٣/ ٤١) وفي الحلية (٥/ ٩٨ ـ ٩٩) من طريق عمرو بن مرزوق بدون الزيادة، وأما الثعلبي فقد تقدم ذكره.(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١١) معلَّقًا، ووصله ابن أبي شيبة في الإيمان رقم (١٣٥).
وأما التمام، فيكون في الأعيان [ظ/ق ١ أ] والمعاني، ونعمة الله أعيانٌ وأوصافٌ ومعانٍ.وأما دينه، فهو شرعه المتضمن لأمره ونهيه ومحابِّه، فكانت نِسْبة الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة أحسن، كما كانت إضافة الدين إليهم والنعمة إليه أحسن.والمقصود أنَّ هذه(١) هي النعمة المطلقة، وهي التي اختصَّتْ بالمؤمنين، وإذا قيل: ليس لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار؛ فهو صحيح.والنعمة الثانية: النعمة المقيدة، كنعمة الصِّحة والغِنى وعافية الجسد وبسط(٢) الجاه وكثرة الولد والزوجة الحسنة وأمثال هذا.فهذه(٣) النعمةُ مشتركةٌ بين البر والفاجر والمؤمن والكافر، وإذا قيل: لله(٤) على الكافر نعمة بهذا الاعتبار فهو حق. فلا يصح إطلاق السلب والإيجاب إلا(٥) على وجه واحد، وهو أن(٦) النعم المقيدة لمَّا كانت استدراجًا للكافر ومآلها إلى العذاب والشقاء فكأنها لم تكن(١) في (ع، مط): "أن هذه النعمة، هي النعمة … "، والمثبت أولى.(٢) في (ع، مط): "وتبسط"، والمثبت أولى.(٣) في (ت): "وأمثال هذه النعمة". بدل "وأمثال هذا. فهذه".(٤) وقع في (ب): "ليس لله" وهو خطأ.(٥) كذا في جميع النسخ، والمعنى مستقيم.(٦) ليس في (ت).
نعمة، وإنما كانت بليّة، كما سمَّاها الله تعالى في كتابه كذلك(١)، فقال جل وعلا: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا … } الآية [الفجر/١٥ ـ ١٧]، أي ليس كل من أكرمته في الدنيا ونعَّمته(٢) فيها قد(٣) أنعمت عليه، وإنما ذلك ابتلاء مني له واختبار، ولا كل من قدرْتُ عليه رزقه فجعلته(٤) بقدر حاجته من غير فضلةٍ أكون قد أهنته، بل أبتلي عبدي بالنعم كما أبتليه بالمصائب.فإن قيل: فكيف يلتئم هذا المعنى ويتفق مع قوله: {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} فأثبت له الإكرام ثم أنكر عليه قوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ}(٥) وقال: {كَلَّا}. أي ليس ذلك(٦) إكرامًا مني وإنما هو ابتلاء، فكأنه أثبت الإكرام ونفاه.قيل: الإكرام المثبت غير الإكرام المنفي، وهما من جنس(٧) النعمة المطلقة والمقيدة، فليس هذا الإكرام المقيد بموجِب لِصاحبه أن يكون(١) سقط من (ب): "الله تعالى في كتابه كذلك".(٢) في (ع): "أو نعَّمته".(٣) في (أ، ت): "فقد".(٤) في (أ، ت): "فجعلت".(٥) من قوله: "فأكرمه" إلى هنا سقط من (ت).(٦) في (أ، ت): "كذلك"، وهو خطأ.(٧) سقط من (ب).
من أهل الإكرام المطلق.وكذلك أيضًا إذا قيل: إن الله أنعم على الكافر نعمة مطلقة ولكنه ردَّ نعمة الله وبدلها، فهو بمنزلة من أُعْطِيَ مالًا يعيش به فرماه في البحر، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا}(١) [إبراهيم/٢٨]، وقال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى … } الآية [فصلت/١٧]، فهدايته إياهم نعمة منه عليهم، فبدلوا نعمته وآثروا عليها الضلال.فهذا فصل النزاع(٢) في مسألة: هل لله على الكافر نعمة أم لا؟ وأكثر اختلاف الناس من جهتين إحداهما: اشتراك الألفاظ وإجمالها. والثانية: من جهة الإطلاق والتفصيل. فصلوهذه النعمة المطلقة هي التي يُفرَحُ بها في الحقيقة، [ظ/ق ١ ب] والفَرَح بها مما يحبه الله ويرضاه، وهو لا يحب الفَرحِين قال الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس/ ٥٨].(١) زادت النسخة (أ): {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}.(٢) سقط من (ت) من قوله: "وآثروا عليها .... " إلى "النزاع".
وقد دارت أقوال السلف(١) على أن فضل الله ورحمته: الإسلام والسنة، وعلى حسب حياة القلب يكون فرحه بهما، وكلما كان أرسخ فيهما كان قلبه(٢) أشد فرحًا، حتى إن القلب ليرقص فرحًا ــ إذا باشر روح السنة(٣) ــ أحزن ما يكون الناس، وهو ممتلئ أمنًا أخوف ما يكون الناس(٤).فإن السنة حصن الله الحصين، الذي من دخله كان من الآمنين، وبابه(٥) الأعظم الذي من دخله كان إليه من الواصلين، تقوم بأهلها وإن قعدت بهم أعمالهم، ويسعى نورها بين أيديهم إذا طفئت لأهل البدع والنفاق أنوارهم(٦)، وأهل السنة هم المبيضَّة وجوههم إذا اسودَّت وجوه أهل البدعة، قال تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ … } الآية [آل عمران/ ١٠٦]، قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة والائتلاف،(١) انظر: الدر المنثور للسيوطي (٣/ ٥٥٤).(٢) في (أ): "قلبيًّا"، وفي (ت): "قلبًا" والمثبت أولى.(٣) قوله: "حتى أن القلب … روح السنة"، وقع في (أ، ت): "حتى أن القلب إذا باشر روح السنة ليرقص فرحًا".(٤) قوله: "وهو ممتلئ أمنًا أخوف ما يكون الناس" سقط من: (ع، مط).(٥) جاء (ظ): "وبابه حصن الله"، ولعله مقحم سهوًا.(٦) قوله: "لأهل البدع والنفاق أنوارهم" من (أ، ت، ظ)، ووقع في (ب): "لأهل وجوه البدعة" وهو خطأ.
وتسودُّ وجوه أهل البدعة والتفرق(١)(٢).وهي الحياة والنور اللذان(٣) بهما سعادة العبد(٤) وهداه وفوزه، قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام/ ١٢٢]. فصاحب السنة حي القلب مستنيره(٥)، وصاحب البدعة ميت القلب مظلمه.وقد ذكر الله سبحانه هذين الأصلين في كتابه في غير موضع، وجعلهما صفة أهل الإيمان، وجعل ضدهما صفة من خرج عن الإيمان،فإن القلب الحي المستنير هو الذي عقل عن الله، وفهم عنه، وأذعن(٦)، وانقاد لتوحيده ومتابعة ما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم. والقلب الميت المظلم:(١) في (ع): "والافتراق".(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره رقم (١١٣٩، ١١٤٠ ـ آل عمران)، والخطيب في تاريخه (٧/ ٣٩٠، ٣٩١)، واللالكائي رقم (٧٤)، وغيرهم.وفيه مجاشع بن عمرو وميسرة بن عبد ربه وقد اتهما بالكذب.تنبيه: ليس في تفسير ابن أبي حاتم: ميسرة بن عبد ربه.انظر: تكميل النفع لمحمد عمرو عبد اللطيف (ص/٥٤ ـ ٥٨).(٣) وقع في جميع النسخ: "اللذين"، والمثبت هو الصواب؛ لأنه صفة للحياة والنور.(٤) في (ظ): "الأبد"، والمثبت أولى.(٥) من (مط)، وفي (ع): "مستنير"، ووقع في (أ، ب، ظ): "مستنير القلب" بدل "مستنيره"، وجاء في (ت): "فصاحب السنة حيّ، وصاحب البدعة … ".(٦) في (ب): "وأذعن وفهم عنه"، والمثبت أولى.
الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بُعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يصف سبحانه هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها، ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم من(١) جميع جهاتهم، فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة(٢)، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة.وإذا قُسمت(٣) الأنوار دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في(٤) النار مُظلم، وهذه الظلمة هي التي خُلق فيها الخلق أوَّلًا، فمن أراد الله سبحانه وتعالى به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها، كما روى الإمام أحمد [ظ/ق ٢ أ] وابن حبان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله خلقَ خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من(٥) نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول:(١) في باقي النسخ: "في".(٢) من قوله: "وأعمالهم مظلمة … كلها مظلمة": سقط من (ت).(٣) في (ظ): "قُيِّمت".(٤) في (أ، ت، ظ، ع): "من".(٥) ليس في (ب).
جفَّ القلم على علم الله"(١).وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى أن يجعل له نورًا في قلبه، وسمعه وبصره، وشعره وبشره، ولحمه وعظمه(٢) ودمه، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله، وخلفه وأمامه، وأن يجعل ذاته نورًا(٣)، فطلب صلى الله عليه وسلم النور لذاته ولأبعاضه ولحواسه(٤) الظاهرة والباطنة ولجهاته الست.وقال أُبيُّ بن كعب رضي الله عنه: "المؤمن مدخله نور، ومخرجه نور، وقوله نور، وعمله نور"(٥)، وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر(١) أخرجه أحمد (١١/ ٢١٩، ٢٢٠) (٦٦٤٤، ٦٨٥٤)، والترمذي (٢٦٤٢)، وابن أبي عاصم في السنة رقم (٢٤٨ ـ ٢٥١)، والفريابي في القدر رقم (٦٥ ـ ٧٠)، وابن حبان (٦١٦٩، ٦٠٧٠)، وابن خزيمة (١٣٣٤) في دعوة سليمان، والحاكم (١/ ٨٤، ٨٥) مطولًا وغيرهم من طرق عن ربيعة بن يزيد ويحيى بن أبي عمرو السيباني وعروة بن رويم عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقرن معه حديثًا في "شرب الخمر" وحديثًا "في دعوة سليمان لمَّا بنى مسجد بيت المقدس". وسنده صحيح.والحديث: حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ولم يتعقَّبه الذهبي.(٢) في (أ، ت، ظ، ع): "وعظامه".(٣) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٧٦٣) ــ (١٨١، ١٨٧، ١٨٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.(٤) في (أ، ت، ع): "وحواسه".(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٦٠٣) (١٤٦١٩)، والطبري في تفسيره == … (١٨/ ١٣٨) مطولًا، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٤) رقم (٣٥١٠) مطولًا، ولم يذكر الشاهد اختصارًا.من طريق: حجاج وعبيد الله بن موسى عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أُبيّ بن كعب وفيه: "فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة".قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.قلت: قد تكلم في رواية أبي جعفر عن الربيع بسبب وصله أحاديث لأبي العالية وجعلها عن أبي بن كعب، قال ابن حبان: "الناس يتَّقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر (أي الرازي) عنه؛ لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كثيرًا". تهذيب الكمال (٩/ ٦٢) حاشية.
لصاحبه يوم القيامة فيسعى بين يديه وبيمينه. فمن الناس من يكون نوره كالشمس، وآخر كالنجم، وآخر كالنخلة السحوق، وآخر دون ذلك حتى إن(١) منهم من يُعطى نورًا على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أُخرى، كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا كذلك، فهو هذا بعينه يظهر هناك للحس والعيان.وقال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا … } الآية [الشورى/٥٢].(١) من: (ظ) فقط.
فسمَّى وحيه وأمره روحًا؛ لِمَا يحصل(١) به من حياة القلوب والأرواح. وسمَّاه نورًا؛ لما يحصل به من الهدى واستنارة القلوب والفرقان بين الحق والباطل.وقد اختُلف في الضمير في قوله عز وجل: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا} [الشورى/٥٢]. فقيل: يعود على الكتاب(٢). وقيل: على الإيمان.والصحيح أنه يعود على الروح في قوله: {رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}، فأخبر تعالى أنه جعل أمره روحًا ونورًا وهدى، ولهذا ترى صاحب اتباع(٣) الأمر والسنة قد كُسي من الروح والنور وما يتبعهما من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حُرِمَه غيره، كما قال الحسن: "إن المؤمن رُزق حلاوة ومهابة"(٤).وقال جل وعلا: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ … } الآية [البقرة/ ٢٥٧].(١) في (ب): "حصل" وكذلك ما بعده.(٢) قوله: "ولكن جعلناه … "، فقيل: يعود على الكتاب" سقط من: (ت)، وسوف يُعيده المؤلف بأبسط من هذا في (ص/٧٦).(٣) ليس في (أ، ت، ع).(٤) لم أقف عليه.