تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي (ابن العراقي) القسم: الفقه الشافعي الكتاب: تحرير الفتاوي على «التنبيه» و «المنهاج» و «الحاوي» المسمى (النكت على المختصرات الثلاث) المؤلف: ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي الكُردي المِهْراني القاهري الشافعي (٧٦٢ هـ - ٨٢٦ هـ)المحقق: عبد الرحمن فهمي محمد الزواوي الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ معدد الأجزاء: ٣أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
تحرير الفتاوى على «التنبيه» و «المنهاج» و «الحاوي»المسمىالنكت على المختصرات الثلاث تأليفالإمام الحافظ الفقيه الأصولي ولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي الكردي المهراني القاهري الشافعي - رحمه الله تعالى - (٧٦٢ هـ - ٨٢٦ هـ) تحقيقعبد الرحمن فهمي محمد الزّواوي [المجلد الأول]
دَارُ المِنْهَاجِلبنان - بيروت - فاكس: ٧٨٦٢٣٠ الطَبعَة الأولَى١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ مجميع الحقوق محفوظة للناشر دَارُ المِنْهَاجِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوْزِيعلِصَاحِبهَا عُمَرْ سَالِمْ بَاجْخَيفْ وَفَّقَهُ الله تَعَالى المملكة العربية السعودية - جدةحي الكندرة - شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدونهاتف رئيسي: ٦٣٢٦٦٦٦ - الإدارة: ٦٣٠٠٦٥٥المكتبة: ٦٣٢٢٤٧١ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢ص. ب: ٢٢٩٤٣ - جدة: ٢١٤١٦ لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه، وبأيِّ شكل من الأشكال، أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه، وكذلك لا يسمح بالاقتباس منه أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبقاً من الناشر www.alminhaj.comE-Mail: info@alminhaj.com
تَحْرِيرُ الفَتَاوِي عَلى «التَّنبيهِ» وَ «المِنْهَاجِ» وَ «الحَاِوي»[١]
كتابُ التفليس٢١٤٢ - قول "التنبيه" فيما إذا حصلت على رجل ديون حالة [ص ١٠١]: "وإن كان له مال لا يفي بديونه، فسأل الغرماء الحاكم الحجر عليه .. حجر عليه) فيه أمور:أحدها: أنه لا يخفي أن التعبير بالرجل مثال لا مفهوم له؛ فالمرأة كذلك؛ ولذلك عبر "المنهاج" و"الحاوي" بعبارة تتناولهما (١).ثانيها: تعبيره وتعبير "المنهاج" بالديون مثال أيضًا جريا فيه على الغالب؛ فالدين الواحد إذا زاد على المال كذلك؛ ولذلك عبر "الحاوي" بالدين (٢).ثالثها: تعبيرهم جميعًا بالمال يقتضي عدم الحجر إذا لم يكن له مال، وتوقف فيه الرافعي، وقال: قد يقال: يجوز منعًا له من التصرف فيما عساه يحدث له باصطياد واتهاب والظفر بركاز وغيرها (٣).رابعها: تناول إطلاقهم دين الآدمي ودين الله تعالى كالزكاة ونحوها، والمراد: الأول، فلا حجر بدين الله تعالى، كما في الرافعي في (الأيمان) بعد ذكر الأقوال في اجتماعهما؛ حيث قال: ولا تجري هذه الأقوال في المحجور عليه بالفلس إذا اجتمعت حقوق الله ما دام حيًا. انتهى (٤).وعليه يدل تعبيرهم بسؤال الغرماء، وقول "المنهاج" و" التنبيه" بعد ذلك: (قسم بين الغرماء) (٥)، وقول "المنهاج" [ص ٢٥٠]: (فإذا حُجِرَ .. تعلق حق الغرماء بماله).خامسها: نقل شيخنا الإسنوي في "شرح المنهاج" عن الرافعي: تصحيح الحجر بالتماس الغرماء ولو زاد ماله على الدين إذا امتنع من وفائه، ولو صح ذلك .. لورد على الكتب الثلاثة، لكن الذي في الرافعي إطلاق كونه له مال (٦)، فليحمل على ما إذا كان الدين أزيد من المال.سادسها: لا يتقيد ذلك بسؤال جميع الغرماء، بل لو سأل بعضهم ذلك، ودينه قدر يُحْجَر به .. حُجِر أيضًا، وقد ذكره "المنهاج" (٧)، ولا يختص أثر الحجر بطالبه، بل يعم الكل، بل حكي(١) الحاوي (ص ٣٠٦)، المنهاج (ص ٢٥٠).(٢) الحاوي (ص ٣٠٦).(٣) انظر "فتح العزيز" (٥/ ٥).(٤) انظر "فتح العزيز" (١٢/ ٢٧٨).(٥) التنبيه (ص ١٠١)، المنهاج (ص ٢٥١).(٦) انظر "فتح العزيز" (٥/ ٥).(٧) المنهاج (ص ٢٥٠).
النووي عن جماعة: إطلاق الحجر إذا عجز ماله عن ديونه، وطلبه بعضهم، ولم يعتبروا دين الطالب، وقال: إنه قوي (١)، وقد يوافقه تعبير "الحاوي" بـ (الغريم) (٢)، وقد يُدعي فيه العموم أيضًا؛ لكونه جنسًا معرفًا بالألف واللام.سابعها: في معنى سؤال الغرماء أو بعضهم: سؤال المفلس فيحجر بطلبه، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٣)، قال السبكي: وصورته: أن يثبت الدين بدعوي الغرماء والبينة أو الإقرار أو علم القاضي، فيطلب المديون الحجر دون الغرماء، وإلا .. لم يكف طلبه ولو لم يدع الغرماء، فمقتضي كلام ابن الرفعة: تخريج الحجر على الحكم بالعلم. انتهى.ثامنها: مقتضي كلامه: أنه لا يحجر بغير طلب، وقد صرح بذلك "المنهاج" (٤)، لكن محله: في الرشيد، أما المحجور عليه لصبًا أو جنون أو سفه .. فيحجر له بسؤال وليّه، فإن لم يسأل .. حجر الحاكم بغير سؤال أحد، وقد ذكره "الحاوي (٥).تاسعها: عبارته وعبارة "المنهاج" تقتضي أنه إنما يكون الحجر على من عليه الدين، ويرد عليه: ما إذا كان الذي زاد دينه على ماله صبيًا ونحوه؛ فإن الحجر إنما يُضرَبُ على وليه في مال محجوره لا مطلقًا، وقد توقف شيخنا الإسنوي في الحجر في هذه الصورة، وقال: إن رأينا الحجر به .. ضُرب على الولي، ومراده: في مال محجوره لا مطلقًا كما ذكرته، لكن لا معنى لهذا التوقف؛ فإطلاق المطولات والمختصرات يقتضي الحجر في هذه الصورة، وهو الفقه، لكن الحجر على الولي كما ذكرته، وأما من عليه الدين .. فإنه محجور عليه بأصل الشرع، وعبارة "الحاوي" لا تنافي ذلك؛ لأنه لم يصرح بمن يحجر عليه.عاشرها: تعبير الكتب الثلاثة يحتمل جواز الحجر، ووجوبه، والأول هو الذي في "المحرر" تبعًا للإمام وغيره (٦)، والثاني هو الذي صرح به في "الروضة" من زيادته، وقال: إنه صرح به أصحابنا، وعد جماعةً، قال: ونبهت عليه؛ لأن عبارة كثير منهم: فللقاضي الحجر، ولم يريدوا: أنه مخير فيه. انتهى (٧).وقال السبكي: لعل الإمام ومن وافقه يقولون: إن القاضي يفعل المصلحة من الحجر والبدار(١) انظر "الروضة" (٤/ ١٢٨).(٢) الحاوي (ص ٣٠٦).(٣) الحاوي (ص ٣٠٦)، المنهاج (ص ٢٥٠).(٤) المنهاج (ص ٢٥٠).(٥) الحاوي (ص ٣٠٦).(٦) المحرر (ص ١٧٣)، وانظر "نهاية المطلب" (٦/ ٣٠٤).(٧) الروضة (٤/ ١٢٨).
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}بقلمالدكتور محمد عبد الرحمن شميلة الأهدلجامعة الطائفالحمد لله رب العالمين، حمداً لا انقطاع له على الدوام، حمداً يوافي نعمه، ويدافع نقمه، ويكافئ مزيده، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، من رفع أهل الذكر إلى المحل الأسمى، وصيَّرهم مرجع الأمة إذا ادلهمت سحب المشكلات، وأمر بسؤالهم إذا جَدَّت معضلة من المعضلات، فقال جل وعلا: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.وحض سبحانه على الرحلة من أجل التفقه في الدين، فقال جل وعزَّ: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.والصلاة والسلام على البشير النذير، السراج المنير، محمد بن عبد الله، خاتم رسل الله، وصاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، والشفاعة والجود، الذي جعل التفقه في الدين من إرادة الله لصاحبه الخير؛ فقال: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (١)، وعلى آله الأطهار، وصحابته أسد الغابة الأبرار، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين".أما بعد:فإن من أجلِّ الطاعات، وأشرف القربات: الاشتغال بعلم الفقه؛ تعلماً وتعليماً، وتفهماً وتفهيمًا، فمن أخذ به .. فقد أخذ بحظ وافر؛ لأنه زبدة المصدَرَين النيرين، وخلاصة أفكار الأئمة المجتهدين، وطريق السلف الصالح في كل عصر ومصر، ويرحم الله ابن الوردي إذ قال (٢): (من الرمل)اُطْلُب العلمَ ولا تكسَلْ فما … أَبعدَ الخيرَ على أهل الكَسَلواحتفِل للفقه في الدين ولا … تشتغِل عنهُ بمال وخَوَلْلا تقُلْ قد ذهَبتْ أربابُهُ … كل من سارَ على الدرب وَصلولقد قيض الله تعالى لحفظ الشريعة الغراء أعلاماً موهوبين، وأفذاذًا مخبتين موفقين، وعلماء مخلصين، فأقام بهم معالم الدين، وأنفقوا أعمارهم في سبيل تشييد قواعده، وتثبيت دعائمه.(١) صحيح البخاري (٧١)، وصحيح مسلم (١٠٣٧) عن سيدنا معاوية رضي الله عنه.(٢) شرح لامية ابن الوردي (ص ٣٤).
أعملوا أفكارهم في كتاب ربهم، واستناروا بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وفهم سلفهم الأئمة الأجلاء.وعكفوا على الاستنباط والغوص على المقاصد الشرعية، وصاروا من الراسخين في العلم، والسابقين إلى الفهم، فحينئذ نصبوا أنفسهم لهداية الخلق إلى الحق، ودونوا الكتب النافعة، والتصانيف البارعة، حوت من نفائس العلوم أعلاها، ومن دقائق المسائل أجلها، وعكفوا على هذه التصانيف لتحقيقها، والتأكد من سلامة محتواها.وهكذا سارت قافلة الفقه على هذه الوتيرة، فإن الأوائل المصنفين خلفهم جهابذة شرحوا المعمى، وفصلوا المجمل، ووضحوا المشكل، وخدموا الفقه خدمة ما وراءها مرمى، حتى آض مكيناً، متين البنيان، مشيد الأركان، يغدو ويروح في حلل التحقيق والتدقيق.(ب)ولقد كان لفقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى النصيب الأوفر، والحظ الأكبر من عناية العلماء به، وضبطه واستجلاء معارفه، ونصب قبابه، حتى صار المذهب منقحاً محرراً، مضبوطاً بقواعده وأصوله، وجادت أقلام أصحابه بآلاف المصنفات، ومئاتٍ من التحريرات والتعقبات، والاستدراكات والترجيحات، ومن هذه التحريرات هذا الكتاب المبارك، الموسوم بـ "تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي" (١) تأليف الإمام أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (ت ٨٢٦ هـ).والمقصود بتحرير الفتاوي: تخليصها على وجه محمود، وتنقيحها وإصلاح ما خامرها من سقط، وهذا مستمد من المعنى اللغوي في قولهم: (تحرير الكتاب)، والمقصود: تقويمه وتخليصه، بإقامة حروفه، وتحسينه بإصلاح سقطه، والتحرير أيضاً: بيان المعنى بالكتابة (٢).والفتاوي: جمع فتوى، وعلم الفتاوى: (هو علم تروى فيه الأحكام الصادرة عن الفقهاء في الواقعات الجزئية؛ ليسهل الأمر على القاصرين من بعدهم) (٣).أما الفتوى ذاتها .. (فهي الحكم الشرعي الذي يبينه الفقيه لمن سأله عنه) (٤).(١) وقد قامت الدكتورة الموفقة هدى أبو بكر سالم باجبير بتحقيق جزء الطهارة إلي آخر كتاب الجنائز، وقدمت للكتاب بمقدمة ضافية، ضمنتها نفائس مهمة، وفوائد جمة، وتراجم لأعلام وأئمة، فشكر الله لها هذا الصنيع، حيث قدمت هذا العمل أطروحة دكتوراه في جامعة أم القرى. وكتابها مطبوع بدار المنهاج.(٢) تاج العروس (١٠/ ٥٨٨)، لسان العرب (٤/ ١٨١) مادة (حرر).(٣) أبجد العلوم (ص ٤٥٤).(٤) معجم الفقهاء (ص ٣٣٩).
وبناء على هذا: فمعنى قوله: "تحرير الفتاوي أنه يُعنَى بذكر القول الراجح، الذي يلزم الفتيا به في المذهب، لقوة دليله، ووضوح تعليله، إضافة إلى عنايته بتبيين وتقويم وإصلاح ما أبهم في عبارات الكتب الثلاثة، والتعليق على ما يحتاج إلى تعليق منها، والتنبيه إلى دقائق العبارات، والغوص على لطيف الإشارات، وغير ذلك مما يظهر ملكة هذا الإمام الفقهية، والتمكن من قواعده، والتعريف بالراجح من الأقوال إذا احتدم الخلاف، وغير ذلك من الفوائد العزيزة، التي قيدتها يراعة هذا الإمام.(ج)أما الكتب الثلاثة التي عينها .. فأولها: "التنبيه"، وهو كتاب ألفه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الفيروزآبادي المولود سنة (٣٩٣ هـ)، والمتوفى سنة (٤٧٦ هـ)، وهو إمام الشافعية في عصره بلا منازع، قال فيه الإمام النووي رحمه الله تعالى: (هو الإمام المحقق، المتقن المدقق، ذو الفنون من العلوم المتكاثرات، والتصانيف النافعة المستجادات، الزاهد العابد الورع … ) إلى آخر التحلية المذهبة (١).ولكتاب "التنبيه" أهميته الخاصة، ومميزاته الفريدة، فهو أحد الكتب الخمسة المعتمدة المتداولة في المذهب، كما ذكر النووي رحمه الله تعالى (٢).وهذا الإمام النووي رحمه الله تعالى على جلالة قدره، وعلو كعبه، وحسن مصنفاته، يقول في "التنبيه": (هو من الكتب المشهورات النافعات المباركات، فينبغي لمريد نصح المسترشدين، وهداية الطالبين: أن يعتني بتقريبه وتحريره وتهذيبه) إلى أن قال: (فإذا علم ما ذكرته .. حصل منه أن مذهب الشافعي رضي الله عنه العمل بما تضمنه "التنبيه" مع هذه الكراسة - يعني تصحيحه) (٣).وقد اهتم الشافعية بهذا الكتاب اهتماماً كبيراً، وأولوه عناية فائقة؛ فمن بين شارح ومختصر ومصحح، ومخرج لأحاديثه، ومبين لغريبه، وكأن الإمام أبا زرعة العراقي استجاب لطلب الإمام النووي حين دعا علماء الشافعية إلى العناية بتحريره وتهذيبه.أما الكتاب الثاني .. فهو "المنهاج" وإذا أطلق .. فالمراد به "منهاج" الإمام الرباني، والعلامة(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٧٠).(٢) الكتب الخمسة هي: "التنبيه"، و"مختصر المزني"، و"المهذب"، و"الوسيط"، و"الوجيز". انظر "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ٥٢)، وبمشيئة الله تعالى سوف تطبع قريباً دار المنهاج "الوجيز" طبعة محققة مضبوطة.(٣) تصحيح التنبيه للنووي (١/ ٦١ - ٦٣).
المحقق يحيى بن شرف شيخ الإسلام محيي الدين أبي زكريا النووي نسبة إلى نوى من قرى دمشق، المولود سنة (٦٣١ هـ)، والمتوفى سنة (٦٧٦ هـ)، ذي المؤلفات الجليلة في علوم الدين، ومن احتل المرتبة السامية في قلوب المسلمين، وهو من العلماء الراسخين المحررين للمذهب، البارعين في التصنيف.وكتابه "المنهاج" أشهر من نار على علم، فقد احتل منزلة عظيمة عند الشافعية، فأكبوا عليه حفظاً وفهماً، وشرحاً وتحشيةً ونظماً، وتفانوا في خدمته، والثناء عليه.قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (وقال لي العلامة جمال الدين بن مالك: "والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت لحفظته"، وأثنى على حسن اختصاره، وعذوبة ألفاظه) (١).وقال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى وصدق: (وهو الآن عمدة الطالبين والمدرسين والمفتين) (٢).وقال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (إن من وفور جلالته وجلالة مؤلفه انتساب جماعة ممن حفظه إليه، فيقال له: المنهاجي، وهذه خصوصية لا أعلمها الآن لغيره من الكتب) (٣).وأما الكتاب الثالث .. فهو: "الحاوي الصغير" تأليف الشيخ الإمام نجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني، المولود سنة (٥٨٥ هـ) تقريباً، والمتوفى سنة (٦٦٥ هـ).قال الإمام السبكي رحمه الله تعالى عنه: (له اليد الطولى في الفقه والحساب وحسن الاختصار) (٤).وكتابه "الحاوي" من الكتب المعتبرة في المذهب، ولا سيما وهو قد اختصره من كتاب الإمام الرافعي المسمي "فتح العزيز"، ووصفه صاحب "كشف الظنون" بقوله: (وجيز اللفظ، بسيط المعاني، محرر المقاصد، مهذب المباني، حسن التأليف والترتيب، جيد التفصيل والتبويب؛ ولذلك عكفوا عليه بالشرح والنظم) (٥).وهذا العلامة ابن المقري رحمه الله تعالى يمدحه قائلاً: (لم يكن في المذهب مصنف أوجز ولا أعجز من "الحاوي" فإنه كتاب لا ينكر فضله، ولا يختلف اثنان في أنه ما صنف قبله مثله، ولقد أبدع الشيخ في تصنيفه وترصيعه) (٦).(١) تحفة الطالبين (ص ١٢).(٢) المنهاج السوي (١/ ٦٥).(٣) حياة الإمام النووي (ص ٢٩).(٤) طبقات الشافعية (٨/ ٢٧٧).(٥) كشف الظنون (١/ ٦٢٥).(٦) مقدمة إخلاص الناوي (١/ ٢٧).
(د)فهذه هي الكتب الثلاثة، وها هي قيمتها العلمية عند الشافعية، فإذا عرفت أن هذه الكتب الثلاثة هي عين أعيان المصنفات، وإنسان عيون المؤلفات .. أدركت أن الكتاب الذي يقوم بتحريرها وتقويمها وتتميمها لهو كتاب من الأهمية بمكان، وعلى طالب العلم أن يتلقفه فرحاً مستبشراً، فإن هذا المصنّف يجعل المفتي والمستفتي، والمدرس والطالب في اطمئنان وركون إلى ما يقيد من نفائس الاستدراكات.وكل الشافعية بمختلف طبقاتهم محتاجون إلى هذا الكتاب؛ لمعرفة الصحيح الراجح، وتمييز مقابله، ومعرفة مرتبته، وهذا مسلك أولي التحقيق والتدقيق.(هـ)وها هي دار المنهاج تقوم بنشر هذا السفر النفيس لأول مرة، بعد أن كان مطموراً في زوايا الدهاليز، يتلألأ حُسناً وجمالاً في ثوبه الجذاب القشيب، وها هي طلعة محياه تبهج الخاطر، وتسعد الناظر، ولا سيما وهو محلى بتلك التخريجات المفيدة، والإفادات النفيسة، التي ما تفتأ دار المنهاج تتحف بها قرّاءها الكرام، وتوجت الدار هذه الأعمال بالإشارات الفنية، والطباعة المضبوطة، والشكل الفني، والإخراج الممتاز؛ خدمة للعلم، وتقريباً للمعارف، وتيسيراً للوصول إلى مطالب هذا الكتاب الرائع.فشكر الله تعالى لصاحب الدار الشيخ أبي سعيد عمر بن سالم باجخيف، الذي سخر جميع إمكانياته المادية والفكرية لإخراج هذه الكنوز من معادنها، وإبراز هذا التراث بهذا الشكل المرضي.نفع الله تعالى به المسلمين أينما حلوا، وبارك في هذه الدار وصاحبها، وجزاه خير ما يجزي الصالحين. آمين.والحمد ربّ العالين
تمهيدإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله .. فلا مضل له، ومن يضلل .. فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.أما بعد:فإن الاشتغال بعلوم الدين من أهم الفضائل والأعمال التي يقوم بها الإنسان؛ ولذا تواترت النصوص والأخبار في الحث على طلبها وتعلمها وتعليمها، ومن ذلك علم الفقه.قال ابن الجوزي: (أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه .. علم أنه أفضل العلوم؛ فإن أرباب المذاهب فاقوا بالفقه على الخلائق أبداً وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منه بالقرآن أو بالحديث أو باللغة).ولما أدرك سلف هذه الأمة ما للفقه في الدين من الفضل عند الله تعالي .. اشتغلوا به تعلماً وتعليماً وتأليفاً.ولا شك في أن تراثنا الفقهي تراث عظيم، وما طُبع منه يدل على ذلك، وبعض هذا التراث يتميز بخصائص معينة تزيد من هذه الأهمية؛ فبعض كتب الفقه في تراثنا تعد علامة بارزة في تاريخ التصنيف الفقهي؛ إما لأنها حلقة وسيطة في تاريخ التصنيف، ونقلة بين ما قبلها وما بعدها من كتب الفقه، وإما لروعة التصنيف ودقة التحليل والتعليل، أو لغير ذلك من خصائص التميز، ولا يزال هذا التراث بحاجة إلى مزيد من الجهود الجادة لاستخراج بقيَّة من درره المخطوطة، التي لا زالت حبيسة مكتبات العالم.وتحقيق المخطوط وإبرازه هو من نشر العلم الذي هو من أفضل الأعمال؛ ولذلك وقع اختياري على كتاب "تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي" للحافظ الإمام الفقيه الأصولي المفنن أبي زرعة أحمد بن الحافظ الكبير أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين، المعروف بابن العراقي.قال الحافظ ابن حجر: (تلقى الطلبة هذا الكتاب بالقبول ونسخوه وقرؤوه عليه).
وسبب تحقيقي لهذا الكتاب:أولاً: عِظَم شأن مؤلفه، وسيتبين ذلك من خلال الترجمة المفصلة له فيما سيأتي.ثانياً: قوة مادة الكتاب؛ فقد جمع ولي الدين العراقي فيه بين ثلاثة مختصرات تعد العمدة في الفقه الشافعي، وهي:"التنبيه في فروع الشافعية" لأبي إسحاق، إبراهيم بن علي الشيرازي، المتوفى سنة (٤٧٦ هـ). "الحاوي الصغير" للإمام نجم الدين، عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني، المتوفى سنة (٦٦٥ هـ)."منهاج الطالبين" للإمام محيي الدين، أبي زكريا، يحيى بن شرف النووي، المتوفى سنة (٦٧٦ هـ).ولم يقتصر أبو زرعة في كتابه على عبارات الكتب الثلاثة، وإنما أضاف إليها فوائد وزيادات وتعليقات من بعض المصنفات البارزة في الفقه الشافعي منها:- "نكت النبيه على أحكام التنبيه" لأحمد بن عمر النشائي، المتوفى سنة (٧٥٨ هـ).- "السراج على نكت المنهاج" لشهاب الدين، أحمد بن لؤلؤ بن عبد الله بن النقيب، المتوفى سنة (٧٦٩ هـ).- "توشيح التصحيح" لتاج الدين، عبد الوهاب بن علي السبكي، المتوفى سنة (٧٧١ هـ).-"تصحيح الحاوي" لسراج الدين، عمر بن علي بن أحمد بن الملقن، المتوفى سنة (٨٠٤ هـ).- "تصحيح المنهاج" لسراج الدين، عمر بن رسلان البلقيني، المتوفى سنة (٨٠٥ هـ).وغير ذلك الكثير مما سيتضح للقارئ في الكتاب.ومما سبق تتبين أهمية الكتاب ومدى الحاجة الداعية إلى تحقيقه، والوقوف على محتواه الفقهي الزاخر بالفوائد الجمة المختلفة، فالحمد لله الذي أعانني على تحقيق هذا الكتاب وإخراجه إلى النور.وبما أن الكتاب يدور حول الكتب الثلاثة "التنبيه" و"المنهاج" و"الحاوي" .. قدمت بين يدي الكتاب بمقدمة بينت فيها ما يلي:- ترجمة الإمام الشيرازي، وبيان عناية العلماء بكتاب "التنبيه".- ترجمة الإمام القزويني، وبيان عناية العلماء بكتاب "الحاوي الصغير".- ترجمة الإمام النووي، وبيان عناية العلماء بكتاب "منهاج الطالبين".- ترجمة المؤلف ولي الدين العراقي.
- التعريف بكتاب "تحرير الفتاوي" ويشتمل على:١ - توثيق نسبة الكتاب للمؤلف.ب- منهج المؤلف في "تحرير الفتاوي".ج- مصطلحات الكتاب.- التعريف بنسخ الكتاب المخطوطة.- منهج تحقيق الكتاب.* * *