حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي) القسم: الفقه الشافعي الكتاب: تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب المؤلف: سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (ت ١٢٢١هـ) الناشر: دار الفكر الطبعة: بدون طبعةتاريخ النشر: ١٤١٥هـ - ١٩٩٥معدد الأجزاء:٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]«االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليهتاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَصْلٌ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الرُّكْنِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ (وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رُكْنًا) وَهَذَا مَا فِي التَّنْبِيهِ بِجَعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي السَّجْدَتَيْنِ وَنِيَّةِ الْخُرُوجِ أَرْكَانًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَهُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَالتَّحْقِيقِ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ نِيَّةَ الْخُرُوجِ لَا تَجِبُ، وَجَعَلَهَا فِي الْمِنْهَاجِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ بِجَعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ كَالْهَيْئَةِ التَّابِعَةِ، وَجَعَلَهَا فِي الْحَاوِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَزَادَ الطُّمَأْنِينَةَ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهَا فِي الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ رُكْنًا وَاحِدًا، وَالْخُلْفُ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ، فَمَنْ لَمْ يَعُدَّ الطُّمَأْنِينَةَ رُكْنًا جَعَلَهَا فِي كُلِّ رُكْنٍ كَالْجُزْءِ مِنْهُ وَكَالْهَيْئَةِــ[حاشية البجيرمي] [فَصَلِّ فِي أَرْكَان الصَّلَاة]عَبَّرَ هُنَا بِالْأَرْكَانِ، وَفِي الْوُضُوءِ بِالْفُرُوضِ لِأَنَّ الْفُرُوضَ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا بِخِلَافِ الْأَرْكَانِ قَوْلُهُ: (وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الرُّكْنِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَعْنَى الرُّكْنِ لُغَةً وَفِي الْمِصْبَاحِ رُكْنُ الشَّيْءِ جَانِبُهُ فَأَرْكَانُ الشَّيْءِ أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِه وَالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ فُهِمَ مِنْ الْفَرْقِ وَهُوَ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَكَانَ جُزْءًا مِنْهَا.قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْنًى، أَيْ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الَّذِي قَدَّمَهُ قَوْلُهُ وَالرُّكْنُ كَالشَّرْطِ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيُفَارِقُهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ وَيَجِبُ اسْتِمْرَارُهُ فِيهَا كَالطُّهْرِ وَالسِّتْرِ. وَالرُّكْنُ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَكَانَ جُزْءًا مِنْهَا، وَلَا يَجِبُ اسْتِمْرَارُهُ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اهـ. فَفِيهِ الْفَرْقُ دُونَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، يَعْنِي أَنَّ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ صَحِيحٌ، وَكَذَا تَقَدَّمَ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ لِفَهْمِهِ مِنْ الْفَرْقِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ.قَوْلُهُ: (وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ) مِنْ إضَافَةِ الْأَجْزَاءِ لِلْكُلِّ.قَوْلُهُ: (رُكْنًا) تَمْيِيزٌ غَيْرُ مُحَوَّلٍ لِأَنَّهُ تَمْيِيزٌ مُفْرَدٌ، وَهُوَ تَمْيِيزٌ مُؤَكِّدٌ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ الْمُبْتَدَأِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ " قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ لَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ الْخُرُوجِ.قَوْلُهُ: (وَجَعَلَهَا فِي الْمِنْهَاجِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ) وَهُوَ الرَّاجِحُ الْمُنَاسِبُ لِأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ بِالْهَيْئَةِ أَلْيَقُ، وَمِثْلُهَا فَقْدُ الصَّارِفِ وَكَذَا الْمُصَلِّي، وَفَارَقَ نَحْوَ الْبَيْعِ وَالصَّوْمِ حَيْثُ عَدُّوا الْبَائِعَ وَالصَّائِمَ رُكْنَيْنِ بِعَدَمِ وُجُودِ صُورَةٍ مَحْسُوسَةٍ فِي الْخَارِجِ فِيهِمَا، وَعَلَى عَدِّهِمَا أَيْ فَقْدِ الصَّارِفِ وَالْمُصَلِّي رُكْنَيْنِ تَكُونُ الْأَرْكَانُ عِشْرِينَ، وَعَلَى عَدِّ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ تَكُونُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ. اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (بِجَعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ كَالْهَيْئَةِ) أَيْ الصِّفَةِ، وَانْظُرْ لِمَ أَتَى بِالْكَافِ مَعَ أَنَّهَا هَيْئَةٌ وَجَعَلَهَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ هَيْئَةً تَابِعَةً لِلرُّكْنِ.قَوْلُهُ: (وَالْخُلْفُ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ وَعَدَمُهُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهَذَا فِي غَيْرِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ، أَمَّا الْخِلَافُ فِيهَا فَمَعْنَوِيٌّ كَمَا قَالَهُ ق ل. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي السُّجُودِ فِي طُمَأْنِينَةِ الِاعْتِدَالِ مَثَلًا، فَإِنْ جَعَلْنَاهَا تَابِعَةً لَمْ يُؤَثِّرْ شَكُّهُ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي بَعْضِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ فَرَاغِهَا، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا مَقْصُودَةً لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِلِاعْتِدَالِ فَوْرًا كَمَا فِي أَصْلِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَعُودُ كَمَا يَأْتِي اهـ اج. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ شَكُّهُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ تَابِعَةً فَلَا بُدَّ مِنْ تَدَارُكِهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّكِّ فِي بَعْضِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا بِأَنَّهُمْ اغْتَفَرُوا ذَلِكَ فِيهَا لِكَثْرَةِ حُرُوفِهَا وَغَلَبَةِ الشَّكِّ فِيهَا، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْعَوْدِ لِلطُّمَأْنِينَةِ إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمُتَابَعَةُ وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ، وَيَتَدَارَكُ بَعْدَ السَّلَامِ رَكْعَةً.قَوْلُهُ: (فَمَنْ لَمْ يَعُدَّ الطُّمَأْنِينَةَ) تَفْرِيعٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ السَّابِقَةِ وَلَيْسَ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِهِ وَالْخُلْفُ بَيْنَهُمْ
التَّابِعَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُهُمْ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ بِرُكْنٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَبِهِ يُشْعِرُ خَبَرُ: «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ» الْآتِي. وَمَنْ عَدَّهَا أَرْكَانًا فَذَاكَ لِاسْتِقْلَالِهَا، وَصِدْقِ اسْمِ السُّجُودِ وَنَحْوِهِ بِدُونِهَا، وَجُعِلَتْ أَرْكَانًا لِتَغَايُرِهَا بِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا، وَمَنْ جَعَلَهَا رُكْنًا وَاحِدًا فَلِكَوْنِهَا جِنْسًا وَاحِدًا كَمَا عَدُّوا السَّجْدَتَيْنِ رُكْنًا لِذَلِكَ. الْأَوَّلُ (النِّيَّةُ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ أَوَّلُهَا لَا فِي جَمِيعِهَا، فَكَانَتْ رُكْنًا كَالتَّكْبِيرِ وَالرُّكُوعِ. وَقِيلَ: هِيَ شَرْطٌ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ قَصْدِ فِعْلِ الصَّلَاةِ فَتَكُونُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: هِيَ بِالشَّرْطِ أَشْبَهُ. وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: ٥] قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْإِخْلَاصُ فِي كَلَامِهِمْ النِّيَّةُ.ــ[حاشية البجيرمي] لَفْظِيٌّ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ.قَوْلُهُ: (وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُهُمْ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَعُدُّوا التَّقَدُّمَ بِالرُّكُوعِ مَثَلًا تَقَدُّمًا بِرُكْنَيْنِ بَلْ بِرُكْنٍ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ لِأَنَّهَا هَيْئَةٌ تَابِعَةٌ.قَوْلُهُ: (الْآتِي) لِأَنَّهُ قَالَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، وَلَمْ يَقُلْ وَاطْمَئِنَّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَابِعَةٌ قَوْلُهُ: (وَصِدْقِ اسْمِ السُّجُودِ) عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ اسْتِقْلَالِهَا صِدْقُ اسْمِ السُّجُودِ بِدُونِهَا قَوْلُهُ: (وَمَنْ جَعَلَهَا رُكْنًا وَاحِدًا إلَخْ) يُقَالُ عَلَيْهِ فَمَا بَالُ الْمُصَنِّفِ عَدَّهَا أَرْكَانًا لِتَغَايُرِهَا بِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا وَلَمْ يُجْرِ عَلَى ذَلِكَ فِي السَّجْدَتَيْنِ، فَعَدَّهُمَا رُكْنًا وَاحِدًا، فَمَا وَجَّهَ بِهِ صَنِيعَهُ فِي الطُّمَأْنِينَةِ يَخْدِشُهُ صَنِيعُهُ فِي السَّجْدَتَيْنِ قَوْلُهُ: (رُكْنًا لِذَلِكَ) لِكَوْنِهِمَا جِنْسًا وَاحِدًا.قَوْلُهُ: (لَا فِي جَمِيعِهَا) قَصْدُهُ الرَّدُّ عَلَى الْقَائِلِ بِالشَّرْطِيَّةِ قَوْلُهُ: (عَنْ قَصْدِ فِعْلِ الصَّلَاةِ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ فِي شَرْحِهِ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ خُرُوجَ الْقَصْدِ عَنْ الْفِعْلِ لَا يَمْنَعُ أَنَّ مَجْمُوعَهُمَا هُوَ مُسَمَّى الصَّلَاةِ شَرْعًا وَهُوَ الْمُدَّعَى اهـ. عَلَى أَنَّهَا مُقَارِنَةٌ بِالتَّكْبِيرِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهُ رُكْنُ تَأَمُّلٍ ق ل.قَوْلُهُ: (هِيَ بِالشَّرْطِ أَشْبَهُ) أَيْ لِأَنَّهُ يَجِبُ اسْتِمْرَارُهَا حُكْمًا بِأَنْ لَا يَأْتِيَ بِمَا يُنَافِيهَا، فَلَوْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهَا حَالًا أَوْ بَعْدَ نَحْوِ رُكُوعِهِ أَوْ تَرَدَّدَ فِي الْخُرُوجِ وَالِاسْتِمْرَارِ أَوْ عَلَّقَ الْخُرُوجَ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَطَعَ بِحُصُولِهِ أَوْ جَوَّزَ حُصُولَهُ وَعَدَمَ حُصُولِهِ ضَرَّ، وَلَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوُضُوءِ وَالِاعْتِكَافِ لَمْ يَضُرَّ سم. وَقَوْلُهُ بِالشَّرْطِ أَشْبَهُ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ افْتَتَحَهَا مَعَ مُقَارَنَةِ مُفْسِدٍ مِنْ نَجَاسَةٍ أَوْ اسْتِدْبَارٍ وَتَمَّتْ النِّيَّةُ وَلَا مَانِعَ لَمْ تَصِحَّ عَلَى الرُّكْنِيَّةِ وَصَحَّتْ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ أَيْ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمَاهِيَّةِ. قَالَ م ر: وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهَا شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ لِمُقَارَنَةِ الْمُفْسِدِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ رُكْنِيَّتُهَا وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّلَاةِ وَتَتَعَلَّقُ بِمَا عَدَاهَا مِنْ الْأَرْكَانِ وَلَا تَفْتَقِرُ إلَيَّ نِيَّةٍوَلَك أَنْ تَقُولَ: يَجُوزُ تَعَلُّقُهَا بِنَفْسِهَا أَيْضًا كَمَا قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ كُلُّ صِفَةٍ تَتَعَلَّقُ وَلَا تُؤَثِّرُ يَجُوزُ تَعَلُّقُهَا بِنَفْسِهَا وَبِغَيْرِهَا كَالْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِعِلْمِهِ أَنَّ لَهُ عِلْمًا وَإِنَّمَا لَمْ تَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهَا شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الصَّلَاةِ فَتُحَصِّلُ نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا كَالشَّاةِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا شَرْحُ م ر. وَقَالَ فِي الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ: أَرْكَانُهَا نِيَّةٌ بِقَلْبٍ لِفِعْلِهَا أَيْ الصَّلَاةِ وَلَوْ نَفْلًا وَهِيَ هُنَا مَا عَدَا النِّيَّةَ لِأَنَّهَا لَا تُنْوَى اهـ. وَقَوْلُهُ: وَهِيَ هُنَا أَيْ الصَّلَاةُ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تُنْوَى وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ لِأَنَّ كُلَّ نِيَّةٍ تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَهَذَا لَا يَأْتِي إلَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَنْوِي كُلَّ فَرْدٍ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَنْوِي الْمَجْمُوعَ أَيْ يُلَاحِظُ مَجْمُوعَ الصَّلَاةِ بِالنِّيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَيُمْكِنُ أَنْ تُنْوَى بِأَنْ تُلَاحَظَ مِنْ جُمْلَةِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا تُنْوَى أَيْ لَا تَجِبُ نِيَّتُهَا أَيْ وَحْدَهَا، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُلَاحِظَ النِّيَّةَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يُلَاحِظَ النِّيَّةَ أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلَاحِظَ أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ: {وَمَا أُمِرُوا} [البينة: ٥] أَيْ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إذَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ. وَاسْتُشْكِلَ تَفْسِيرُ الْإِخْلَاصِ بِالنِّيَّةِ بِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى نَاوِينَ لَهُ الدِّينَ وَالدِّينُ لَا يُنْوَى إذْ هُوَ الْأَحْكَامُ وَلَا مَعْنَى لِنِيَّتِهَا.وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ مُتَعَلِّقَاتِ الدِّينِ. وَهِيَ الْأَفْعَالُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ قَوْلُهُ: (قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ) لَعَلَّ وَجْهَ إسْنَادِهِ لِلْمَاوَرْدِيِّ إشَارَةٌ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَتِهِ، فَقَدْ فَسَّرَ الْبَيْضَاوِيُّ الْإِخْلَاصَ بِعَدَمِ الْإِشْرَاكِ.قَوْلُهُ: (فِي كَلَامِهِمْ) أَيْ الْمُفَسِّرِينَ
[مُقَدِّمَة الْكتاب]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَشَرَ لِلْعُلَمَاءِ أَعْلَامًا، وَثَبَّتَ لَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَقْدَامًا، وَجَعَلَ مَقَامَ الْعِلْمِ أَعْلَى مَقَامٍــ[حاشية البجيرمي] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إفْضَالِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَآلِهِ.وَبَعْدُ: فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ مُنْكَسِرُ الْخَاطِرِ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى عُثْمَانُ ابْنُ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ سُلَيْمَانِ السُّوَيْفِيِّ الشَّافِعِيِّ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِحُسْنِ الْعَمَلِ وَغَفَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ الزَّلَلِ: إنِّي اطَّلَعْت عَلَى شَرْحِ الْخَطِيبِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ بِخَطِّ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ سُلَيْمَانِ الْبُجَيْرِمِيِّ، فَرَأَيْت عَلَيْهِ حَوَاشِيَ رَقِيقَةً وَنِكَاتٍ دَقِيقَةً وَتَحْرِيرَاتٍ شَرِيفَةً مِمَّا نَقَلَهُ مِنْ الْحَوَاشِي الْمُعْتَمَدَةِ وَتَلَقَّاهُ عَنْ أَشْيَاخِهِ الْفُضَلَاءِ.ثُمَّ إنَّ شَيْخَنَا الْمَذْكُورَ وَكَثِيرًا مِنْ الْإِخْوَانِ الْمُخْلِصِينَ وَالْأَعِزَّاءِ الْمُصْلِحِينَ، طَلَبُوا مِنِّي تَجْرِيدَ ذَلِكَ لِيَكُونَ حَاشِيَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعُمُّ بِهَا الِانْتِفَاعُ لِمَا رَأَوْا مِنِّي مِنْ الْإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ مَعَ الِانْقِطَاعِ، فَأَجَبْتهمْ إلَى ذَلِكَ قَاصِدًا بِهِ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ، وَلِيَكُونَ ذَخِيرَةً لِي وَلِشَيْخِنَا الْمَذْكُورِ يَوْمَ الْمَآبِ، وَسَمَّيْتهَا: تُحْفَةُ الْحَبِيبِ عَلَى شَرْحِ الْخَطِيبِ وَقَدْ كُنْت جَرَّدْت لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا عَلَى نُسْخَةِ الْمَنْهَجِ، وَزِدْته كَثِيرًا مِنْ الْحَوَاشِي، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسَبَبًا لِلْفَوْزِ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ.وَقَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ) ابْتَدَأَ بِالْبَسْمَلَةِ اقْتِدَاءً بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي أَشْرَفُهَا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ، لِمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ التُّونُسِيِّ مِنْ إجْمَاعِ عُلَمَاءِ كُلِّ مِلَّةٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَتَحَ كُلَّ كِتَابٍ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الدَّالِّ لَهُ خَبَرُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَاتِحَةُ كُلِّ كِتَابٍ» . وَلَا يُنَافِيهِ خُصُوصِيَّةُ نَبِيِّنَا وَأُمَّتِهِ بِهَا إذْ الْمُخْتَصُّ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ بِهَذَا التَّرْتِيبِ، وَأَمَّا مَا فِي النَّمْلِ عَنْ سُلَيْمَانَ، فَهُوَ تَرْجَمَةٌ عَمَّا فِي كِتَابِهِ لِبِلْقِيسَ، إذْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا، وَإِنْ كَانَ كُلُّ كِتَابٍ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ عَرَبِيًّا، لَكِنْ عَبَّرَ كُلُّ نَبِيٍّ عَنْ كِتَابِهِ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، وَلَا يُنَافِيهِ أَمْرُهُ عليه السلام بِكَتْبِ بِاسْمِك اللَّهُمَّ إلَى نُزُولِ: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: ٤١] ، فَأَمَرَ بِكَتْبِ بِسْمِ اللَّهِ إلَى نُزُولِ {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء: ١١٠] فَأَمَرَ بِكَتْبِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ إلَى نُزُولِ آيَةِ النَّمْلِ، فَأَمَرَ بِكَتْبِهَا بِتَمَامِهَا، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ افْتِتَاحِ الْقُرْآنِ بِهَا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ عِلْمِهِ بِافْتِتَاحِ الْقُرْآنِ بِهَا قَبْلَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، إذْ كَيْفَ يَتَأَخَّرُ عِلْمُهُ إلَى نُزُولِ آيَةِ النَّمْلِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا بُعْدَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ حَالَ نُزُولِ مَا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، بَلْ عَلِمَ بِذَلِكَ عِنْدَ تَرْتِيبِ الْقُرْآنِ، وَلَا يُنَافِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَعَانِيَ الْكُتُبِ مَجْمُوعَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ فِي الْفَاتِحَةِ وَمَعَانِيهَا فِي الْبَسْمَلَةِ، فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْقُرْآنِ بِهَا لِأَنَّ الْمُخْتَصَّ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ كَمَا مَرَّ، فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ اقْتِدَاءٌ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَشْرَفِ أَوْ لِجَمْعِهِ لَهَا أَوْ نَسْخِهِ إيَّاهَا. اهـ. مَدَابِغِيٌّ، وَفِي قَوْلِهِ: اقْتِدَاءً بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي مَذْهَبِنَا وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ.قَوْلُهُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ) هُوَ حَمْدٌ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ مَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[حاشية البجيرمي] مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِأَجْلِ نَشْرِهِ لِلْعُلَمَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّعْلِيقِ الرَّبْطُ، وَبِالْحُكْمِ ثُبُوتُ الْحَمْدِ لِلَّهِ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ حَمْدًا فِي مُقَابَلَةِ الذَّاتِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: الَّذِي نَشَرَ إلَخْ بَيَانًا لِصِفَةِ اللَّهِ فِي الْوَاقِعِ فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ: مَا صِفَةُ اللَّهِ الَّذِي أَوْقَعْت الْحَمْدَ لَهُ؟ فَقَالَ: الَّذِي نَشَرَ إلَخْ.وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَمْدَانِ: حَمْدٌ فِي مُقَابَلَةِ الذَّاتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَحَمْدٌ فِي مُقَابَلَةِ الصِّفَاتِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي نَشَرَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَوْصُولَ وَصِلَتَهُ فِي تَأْوِيلِ الْمُشْتَقِّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا أَوْقَعْت الْحَمْدَ لِلذَّاتِ الْعَلِيَّةِ لِأَجْلِ نَشْرِهَا لِلْعُلَمَاءِ، إلَخْ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حَمْدًا ثَانِيًا لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِوُقُوعِ حَمْدٍ مِنْهُ وَالْإِخْبَارُ بِالْحَمْدِ حَمْدٌ، وَقَوْلُهُ: (نَشَرَ) أَيْ أَظْهَرَ لِلْعُلَمَاءِ فَضَائِلَ كَالْمُشَاهَدَةِ بِالْأَبْصَارِ، فَشَبَّهَ الْفَضَائِلَ بِالْأَعْلَامِ، أَيْ الرَّايَاتِ أَطْلَقَ اسْمَهَا عَلَيْهَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْجَامِعُ الظُّهُورُ وَالِاهْتِدَاءُ وَالْقَرِينَةُ حَالِيَّةٌ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَا أَعْلَامَ لَهُمْ، وَيَكُونُ النَّشْرُ تَرْشِيحًا لِأَنَّ النَّشْرَ ضِدُّ الطَّيِّ، أَوْ شَبَّهَ الْإِظْهَارَ بِالنَّشْرِ وَاسْتَعَارَ النَّشْرَ لِلْإِظْهَارِ، وَاشْتَقَّ مِنْ النَّشْرِ نَشَرَ بِمَعْنَى أَظْهَرَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ وَالْجَامِعُ الِاهْتِدَاءُ إلَى الْمَقْصُودِ فِي كُلٍّ وَالْأَعْلَامُ تَرْشِيحٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْأَعْلَامَ بِمَعْنَى الرَّايَاتِ حَقِيقَةً وَنَشَرَ بِمَعْنَى يَنْشُرُ لِمَا وَرَدَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْقِدُ لِلْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَايَاتٍ لِمَعْرِفَتِهِمْ وَيَقُولُ لِلْعَالِمِ: قِفْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» . وَالْعُلَمَاءُ: جَمْعُ عَلِيمٍ كَكَرِيمٍ وَكُرَمَاءَ وَهُوَ جَمْعٌ قِيَاسِيٌّ أَوْ جَمْعُ عَالِمٍ وَهُوَ قِيَاسِيٌّ أَيْضًا، لِأَنَّ فُعَلَاءَ يَطَّرِدُ جَمْعًا لِفَاعِلٍ إذَا دَلَّ عَلَى مَدْحٍ نَحْوُ صَالِحٍ، أَوْ ذَمٍّ نَحْوُ فَاسِقٍ كَمَا أَفَادَ الْأُشْمُونِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ:وَلِكَرِيمٍ وَبَخِيلٍ فُعَلَا … كَذَا لِمَا ضَاهَاهُمَا قَدْ جُعِلَافَسَقَطَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ جَمْعَ عَالِمٍ عَلَى عُلَمَاءَ غَيْرُ مَقِيسٍ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ الْمَعْهُودُونَ وَهُمْ الْعَامِلُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَثَبَتَ لَهُمْ إلَخْ. عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّرَاطِ الْجِسْرُ الْمَمْدُودُ أَوْ الدِّينُ الْحَقُّ، وَالْمُرَادُ ثَبَّتَ أَقْدَامَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِمْ عَلَى إقَامَتِهِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ الْعَامِلُونَ، لِأَنَّ إقَامَةَ الدِّينِ تَحْصُلُ بِغَيْرِ الْعَامِلِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ عَالِمٍ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مَدْحَ أَهْلِ الْعِلْمِ.قَوْلُهُ: (أَعْلَامًا) جَمْعُ عَلَمٍ مُحَرَّكًا كَبَطَلٍ وَأَبْطَالٍ وَفَرَسٍ وَأَفْرَاسٍ وَهُوَ جَمْعٌ قِيَاسِيٌّ وَاسْتُعْمِلَ جَمْعُ الْقِلَّةِ فِي أَعْلَامًا مَكَانَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ وَإِنَّمَا ارْتَكَبَهُ لِعَدَمِ سَمَاعِ جَمْعِ الْكَثْرَةِ فِيهِ وَهُوَ عِلَامٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ كَجَبَلٍ وَجِبَالٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْأَلْفِيَّةِ وَفَعْلٌ أَيْضًا لَهُ فِعَالُ وَلِأَجْلِ السَّجْعِ وَالْعَلَمُ الرَّايَةُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْجَبَلِ، وَلَمَّا كَانَ الْعَالِمُ يُهْتَدَى بِعِلْمِهِ جُعِلَ عِلْمُهُ كَالرَّايَةِ أَوْ كَالنَّارِ عَلَى الْجَبَلِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِمَّا يُهْتَدَى بِهِ إلَى الْمَقْصُودِ، كَذَا ذَكَرَهُ الَأُجْهُورِيُّ، وَهَذَا لَا يَظْهَرُ إلَّا إذَا كَانَ الْعِلْمُ يُطْلَقُ عَلَى النَّارِ وَلَمْ يَرِدْ إطْلَاقُهُ عَلَيْهَا فَالْمُنَاسِبُ تَشْبِيهُهُمْ بِالْجِبَالِ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَعَدَمِ التَّزَلْزُلِ. قَوْلُهُ: (عَلَى الصِّرَاطِ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِسْرُ الْمَمْدُودُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ الْأَدَقُّ مِنْ الشَّعْرَةِ الْأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْأَقْدَامُ بَاقِيَةً عَلَى مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ، وَيَكُونُ ثَبَتَ بِمَعْنَى يَثْبُتُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّبَعِيَّةِ بِأَنْ شَبَّهَ التَّثْبِيتَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِالتَّثْبِيتِ فِي الْمَاضِي، وَاسْتَعَارَ التَّثْبِيتَ فِي الْمَاضِي لِلتَّثْبِيتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَاشْتَقَّ مِنْ التَّثْبِيتِ فِي الْمَاضِي ثَبَتَ بِمَعْنَى يَثْبُتُ عَلَى حَدِّ: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: ١] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الدِّينُ الْحَقُّ، فَالْمَعْنَى وَثَبَّتَ لَهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ أَقْدَامًا أَيْ: قُوَّةً، فَفِي الْأَقْدَامِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَتْ الْقُوَّةُ بِالْأَقْدَامِ، وَاسْتُعِيرَتْ الْأَقْدَامُ لِلْقُوَّةِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا كَوْنُ كُلٍّ يُوَصِّلُ إلَى الْمَقْصُودِ، وَمِثْلُ
وَفَضَّلَ الْعُلَمَاءَ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ الدِّينِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ. وَأَوْدَعَ الْعَارِفِينَ. لَطَائِفَ سِرِّهِ فَهُمْ أَهْلُ الْمُحَاضَرَةِ وَالْإِلْهَامِ،.ــ[حاشية البجيرمي] ذَلِكَ يَأْتِي فِي الصِّرَاطِ بِأَنْ شَبَّهَ الدِّينَ الْحَقَّ بِالصِّرَاطِ، وَاسْتُعِيرَ الصِّرَاطُ لِلدِّينِ الْحَقِّ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا يُوَصِّلُ إلَى الْمَقْصُودِ وَالْأَقْدَامُ تَرْشِيحٌ، وَفِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مُقَدَّرٌ أَيْ: عَلَى إنْفَاذِهِ أَوْ إقَامَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَوَصْفُهُ بِالِاسْتِقَامَةِ أَيْ كَوْنُهُ لَا خَلَلَ وَلَا مُخَالَفَةَ فِيهِ لِلصَّوَابِ عَلَى الثَّانِي ظَاهِرٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْجِسْرُ الْمَمْدُودُ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّهُ كَالْمِيزَانِ أَلْفُ سَنَةٍ صُعُودٌ وَأَلْفُ سَنَةٍ اسْتِوَاءٌ وَأَلْفُ سَنَةٍ هُبُوطٌ. وَيُجَابُ بِأَنَّ وَصْفَهُ بِالِاسْتِقَامَةِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ جُمْلَتِهِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِهِ الثَّلَاثَةِ، فَكُلُّ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِهِ مُسْتَقِيمَةٌ لَا اعْوِجَاجَ وَلَا انْعِطَافَ فِيهَا. قَالَ الْمَرْحُومِيُّ: الصِّرَاطُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ وَالزَّايِ قَدْ قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِالصَّادِ وَالسِّينِ وَبِإِشْمَامِ الصَّادِ زَايًا.قَوْلُهُ: (أَقْدَامًا) جَمْعُ قَدَمٍ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ. قَالَ تَعَالَى: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} [النحل: ٩٤] وَلِهَذَا تُصَغَّرُ عَلَى قُدَيْمَةٍ بِالْهَاءِ، وَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُهُ مِنْ الْحَمْدِ إلَى وَبَعْدُ عَلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْعَةً: مِنْهَا اثْنَتَانِ عَلَى الْمِيمِ الْمَوْصُولَةِ بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ وَهُمَا الْأُولَيَانِ، وَثَمَانِيَةٌ عَلَى الْمِيمِ السَّاكِنَةِ، وَاثْنَتَانِ عَلَى النُّونِ السَّاكِنَةِ، وَاثْنَتَانِ عَلَى اللَّازِمِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا الْهَاءُ السَّاكِنَةُ، إذْ لَا يَصِحُّ السَّجْعُ عَلَى الْهَاءِ.مَبْحَثٌ فِي تَعْرِيفِ السَّجْعِ وَأَقْسَامِهِ قَالَ الَأُجْهُورِيُّ وَالسَّجْعُ تَوَافُقُ الْفَاصِلَتَيْنِ أَيْ الْكَلِمَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ النَّثْرِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطَرَّفًا أَوْ مُرَصَّعًا أَوْ مُتَوَازِيًا لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ تَتَّفِقَ قَوَافِيهِ فِي الْوَزْنِ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ الْمُطَرَّفُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ تَتَّفِقَ كُلُّ كَلِمَاتِ السَّجْعَتَيْنِ أَوْ غَالِبُهَا فِي الْوَزْنِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ الْمُرَصَّعُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ الْمُتَوَازِي مِثَالُ الْمُطَرَّفِ قَوْله تَعَالَى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: ١٣] {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: ١٤] وَمِثَالُ الْمُرَصَّعِ قَوْلُ الْحَرِيرِيِّ: فَهُوَ يَطْبَعُ الْأَسْجَاعَ بِجَوَاهِرِ لَفْظِهِ، وَيَقْرَعُ الْأَسْمَاعَ بِزَوَاجِرِ وَعْظِهِ؛ وَلَوْ أَبْدَلَ الْأَسْمَاعَ بِالْآذَانِ لَكَانَ مِثَالًا لِمَا اتَّفَقَ فِيهِ الْغَالِبُ، وَمِثَالُ الْمُتَوَازِي: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم: ١] {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: ٢] وَالْأُولَيَانِ مِنْ الشَّرْحِ مِنْ السَّجْعِ الْمُتَوَازِي، وَضَابِطُهُ أَنْ تَتَّفِقَ الْفَاصِلَتَانِ فِي الْوَزْنِ، وَلَا يَكُونُ مَا قَبْلَ الْفَاصِلَتَيْنِ مِنْ الْفِقْرَتَيْنِ مُوَافِقًا فِي الْوَزْنِ، وَبَاقِي السَّجْعِ مِنْ قَبِيلِ السَّجْعِ الْمُطَرَّفِ، وَضَابِطُهُ أَنْ تَخْتَلِفَ الْفَاصِلَتَانِ فِي الْوَزْنِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ سَجْعٌ مُرَصَّعٌ، وَضَابِطُهُ أَنْ تَتَّفِقَ الْفَاصِلَتَانِ فِي الْوَزْنِ وَالتَّقْفِيَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَ الْفَاصِلَتَيْنِ مِنْ الْفِقْرَتَيْنِ مُوَافِقًا فِي الْوَزْنِ أَيْضًا.قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ مَقَامَ الْعِلْمِ) أَيْ جَعَلَ مَرْتَبَةَ الْعِلْمِ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، فَلَا يُسَاوِيهِ غَيْرُهُ أَوْ جَعَلَ أَهْلَهُ فِي أَعْلَى الْمَرَاتِبِ بِحَيْثُ لَا يُسَاوِيهِمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا. اهـ. ق ل. فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ جَعَلَ مَقَامَ أَهْلِهِ. وَقَالَ ح ف: أَيْ جَعَلَ مَحَلَّ الْعِلْمِ وَهُوَ الْعُلَمَاءُ أَعْلَى وَأَرْفَعَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ. قَوْلُهُ: (وَفَضَّلَ الْعُلَمَاءَ) الْمَقَامُ لِلْإِضْمَارِ غَيْرَ أَنَّهُ أَبْرَزَهُ إظْهَارًا لِشَرَفِهِمْ، أَوْ اسْتِلْذَاذًا بِذِكْرِهِمْ عَلَى حَدِّ:سُعَادُ الَّتِي أَضْنَاك حُبُّ سُعَادَا … وَإِعْرَاضُهَا عَنْك اسْتَمَرَّ وَزَادَااهـ. أُجْهُورِيٌّ. وَقَالَ ق ل: لَوْ قَدَّمَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا لَاسْتَغْنَى عَنْ إظْهَارِ الضَّمِيرِ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْإِظْهَارَ حِينَئِذٍ فِي مَحَلِّهِ. [مَبْحَثٌ فِي تَعْرِيفِ الْحُجَّةِ وَالْحُكْمِ وَتَقْسِيمِهِ إلَى تَكْلِيفِيٍّ وَوَضْعِيٍّ]ٍّ قَوْلُهُ: (بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ) جَمْعُ حُجَّةٍ وَهِيَ الدَّلِيلُ وَهُوَ مَا يَتَوَصَّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ فَالْمُرَادُ بِالْحُجَجِ الْأَدِلَّةُ الدِّينِيَّةُ الَّتِي أَثْبَتَتْ أَمْرًا دِينِيًّا سَوَاءٌ كَانَ عَمَلِيًّا أَوْ اعْتِقَادِيًّا فَدَخَلَ فِيهِ بَعْضُ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعَالَمُ مُتَغَيِّرٌ وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ فَهَذَا دَلِيلٌ دِينِيٌّ مَعَ أَنَّهُ عَقْلِيٌّ وَسُمِّيَ الدَّلِيلُ حُجَّةً لِأَنَّهُ يُحَجُّ بِهِ الْخَصْمُ وَلِذَا سُمِّيَتْ الْبَيِّنَةُ حُجَّةً.وَقَوْلُهُ: (وَمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ، لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ نَاشِئَةٌ عَنْ إقَامَةِ الْحُجَجِ فَسَقَطَ قَوْلُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[حاشية البجيرمي] بَعْضِهِمْ: لَوْ قَدَّمَ هَذَا عَلَى إقَامَةِ الْحُجَجِ لَكَانَ أَوْلَى، لَكِنَّهُ أَخَّرَهُ لِأَجْلِ السَّجْعِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ وَالْوَضْعِيَّةِ، وَجُمْلَةُ التَّكْلِيفِيَّةِ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي خِلَافِ الْأُولَى، وَالْوَضْعِيَّةُ خَمْسَةٌ، لِأَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ هُوَ الْخِطَابُ الْوَارِدُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا أَوْ مَانِعًا أَوْ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَالْأَحْكَامُ جَمْعُ حُكْمٍ وَهُوَ لُغَةً إثْبَاتُ أَمْرٍ لِأَمْرٍ أَوْ نَفْيُهُ عَنْهُ وَاصْطِلَاحًا خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ أَيْ كَلَامُهُ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا كَالْمُتَعَلِّقِ بِالْمُكَلَّفِينَ أَوْ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا كَالْمُتَعَلِّقِ بِغَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ إذَا كُلِّفُوا خُوطِبُوا بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّنْجِيزِ. اهـ. شَوْبَرِيٌّ.وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُ الْأَحْكَامِ بِالنِّسَبِ التَّامَّةِ كَثُبُوتِ الْوُجُوبِ لِلنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، كَمَا فَسَّرَ بِهَا الْجَلَالُ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِيَشْمَلَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ وَلِأَنَّهَا الَّتِي يُقَامُ عَلَيْهَا الدَّلِيلُ قَالَ ق ل: لَوْ حُذِفَ لَفْظٌ مَعْرِفَةٌ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى، وَوَجْهُ الْعُمُومِ شُمُولُهُ لِغَيْرِ الْمَعْرِفَةِ كَالْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ وَنَحْوِهِ، وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْمُفْرَدَاتِ، وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ الْأَحْكَامَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا النِّسَبُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْمَعْرِفَةِ الْعِلْمُ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ تَرَادُفِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ. [مَبْحَثٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ]قَوْلُهُ: (وَأَوْدَعَ الْعَارِفِينَ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَلَوْ أَبْدَلَهَا بِأَوْزَعَ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَلْهَمَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} [النمل: ١٩] لَكَانَ أَوْلَى إذْ الْوَدِيعَةُ شَأْنُهَا الرَّدُّ كَمَا قَالَ:وَمَا الْمَالُ وَالْأَهْلُونَ إلَّا وَدَائِعُ … وَلَا بُدَّ يَوْمًا أَنْ تُرَدَّ الْوَدَائِعُوَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْوَدِيعَةِ شَأْنُهَا الرَّدُّ إنَّمَا هُوَ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِخِلَافِ الدِّينِيَّةِ كَمَا هُنَا، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ وَعْدُهُ لَا يَتَخَلَّفُ فَبِالْأَوْلَى مَا أَوْصَلَهُ إلَى عَبِيدِهِ. وَأَمَّا سَلْبُ الْإِيمَانِ وَنَحْوِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَنَادِرٌ، إذْ الْغَالِبُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَشَكَرَهَا لَا يَسْلُبُهَا عَنْهُ. وَيُجَابُ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ عَبَّرَ بِأَوْدَعَ نَظَرًا لِلْحَقِيقَةِ، وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ، بَلْ جَمِيعُ مَا عِنْدَ الْعَبْدِ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ حَقِيقَةً بَلْ الْمَالِكُ لَهُ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. اهـ. ح ف.مَبْحَثٌ فِي قَوْلِهِمْ: حَقِيقَةٌ بِلَا شَرِيعَةٍ بَاطِلَةٌ وَشَرِيعَةٌ بِلَا حَقِيقَةٍ عَاطِلَةٌ وَقَوْلُهُ: (الْعَارِفِينَ) جَمْعُ عَارِفٍ وَهُمْ عُلَمَاءُ الْحَقِيقَةِ، وَبِالضَّرُورَةِ يَلْزَمُهَا عِلْمُ الشَّرِيعَةِ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَقِيقَةٌ بِلَا شَرِيعَةٍ بَاطِلَةٌ وَشَرِيعَةٌ بِلَا حَقِيقَةٍ عَاطِلَةٌ، مِثَالُ الْأَوَّلِ إذَا قُلْت لِشَخْصٍ: صَلِّ الظُّهْرَ، فَقَالَ: إنْ كَانَ اللَّهُ كَتَبَنِي سَعِيدًا أُدْخِلْت الْجَنَّةَ وَإِنْ لَمْ أُصَلِّ، أَوْ إنْ كَانَ اللَّهُ قَدَّرَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ صَلَّيْت فَقَدْ نَظَرَ لِبَاطِنِ الْأَمْرِ، وَمِثَالُ الثَّانِي إذَا قَالَ الشَّخْصُ: لَا أُصَلِّي إلَّا لِأَجْلِ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلَا أَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا بِالصَّلَاةِ مَثَلًا، فَهَذِهِ شَرِيعَةٌ عَاطِلَةٌ عِنْدَهُمْ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا عَاطِلَةً أَنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا عِنْدَهُمْ، لِأَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِالْعَمَلِ وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ.مَبْحَثٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ لَهُمْ شَرِيعَةً وَهِيَ أَنْ تَعْبُدَهُ تَعَالَى، فَعِبَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى شَرِيعَةٌ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَتْ الشَّرِيعَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَحْكَامِ وَطَرِيقَةٌ وَهِيَ أَنْ تَقْصِدَهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَحَقِيقَةٌ وَهِيَ نَتِيجَتُهُمَا وَهِيَ أَنْ تَشْهَدَ بِنُورٍ أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِي سُوَيْدَاءِ الْقَلْبِ أَيْ وَسَطِهِ، أَنَّ كُلَّ بَاطِنٍ لَهُ ظَاهِرٌ وَعَكْسُهُ أَيْ كُلُّ ظَاهِرٍ لَهُ بَاطِنٌ مَعْلُومٌ، كَخَرْقِ الْخَضِرِ لِلسَّفِينَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُنْكَرًا ظَاهِرًا فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْبَاطِنِ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِنَجَاةِ السَّفِينَةِ مِنْ الْمَلِكِ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُعْرَفَ الْحَقِيقَةُ بِعِلْمِ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ كَعِلْمِ الْخَضِرِ بِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مَعَ مُوسَى مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ وَغَيْرِهَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ مَفْسَدَةً فِي الْبَعْضِ، وَالشَّرِيعَةُ ظَاهِرُ الْحَقِيقَةِ وَالْحَقِيقَةُ بَاطِنُهَا وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ مَعْنًى كَمَا سَبَقَ وَمَثَّلْت الثَّلَاثَةَ بِالْجَوْزَةِ، فَالشَّرِيعَةُ كَالْقِشْرِ الظَّاهِرِ، وَالطَّرِيقَةُ كَاللُّبِّ الْخَفِيِّ، وَالْحَقِيقَةُ كَالدُّهْنِ الَّذِي فِي بَاطِنِ اللُّبِّ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَى اللُّبِّ إلَّا
وَوَفَّقَ الْعَامِلِينَ لِخِدْمَتِهِ فَهَجَرُوا لَذِيذَ الْمَنَامِ وَأَذَاقَ الْمُحِبِّينَ لَذَّةَ قُرْبِهِ وَأُنْسِهِ فَشَغَلَهُمْ عَنْ جَمِيعِ الْأَنَامِ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُــ[حاشية البجيرمي] بِخَرْقِ الْقِشْرِ وَلَا إلَى الدُّهْنِ إلَّا بِدَقِّ اللُّبِّ. وَقَوْلُهُ: (لَطَائِفَ سِرِّهِ) جَمْعُ لَطِيفَةٍ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْرَارِ الْخَفِيَّةِ كَمَا وَقَعَ لِلْخَضِرِ مَعَ مُوسَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَعَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُحَاضَرَةِ أَيْ؛ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ أَيْ مُشَاهَدَتِهِ تَعَالَى بِقُلُوبِهِمْ مِنْ الْحُضُورِ وَهُوَ الشُّهُودُ. قَالَ الطَّبَلَاوِيُّ فِي السِّرِّ الْقُدُسِيِّ وَقَدْ نَبَّهَ أَهْلُ الْحَقِيقَةِ أَنَّ لِأَصْحَابِ النِّهَايَةِ فِي الْمُكَاشَفَاتِ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ: الْمُحَاضَرَةُ وَهِيَ حُضُورُ الْقَلْبِ عِنْدَ الدَّلَائِلِ، ثُمَّ الْمُكَاشَفَةُ وَهِيَ أَنْ يَصِيرَ الْعَبْدُ فِي سَيْرِهِ إلَى اللَّهِ عز وجل غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى طَلَبِ السَّبِيلِ وَتَأَمُّلِ الدَّلِيلِ، ثُمَّ الْمُشَاهَدَةُ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَوَالِي الْأَنْوَارِ مِنْ التَّجَلِّي عَلَى قَلْبِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا انْقِطَاعٌ، فَالْمُحَاضَرَةُ كَرُؤْيَةِ الشَّيْءِ فِي النَّوْمِ وَالْمُكَاشَفَةُ كَرُؤْيَةِ الشَّيْءِ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، وَالْمُشَاهَدَةُ كَرُؤْيَةِ الشَّيْءِ فِي الْيَقَظَةِ، وَمِثَالٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُحَاضَرَةَ تُشْبِهُ الْجُلُوسَ عَلَى عَتَبَةِ بَابِ الْمَلِكِ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ وَالْمُكَاشَفَةُ تُشْبِهُ الدُّخُولَ فِي دَارِ الْمَلِكِ وَالْمُشَاهَدَةُ تُشْبِهُ الْوُقُوفَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَكُونُ بَيْنَك وَبَيْنَ مَطْلُوبِك فِيهِ حِجَابٌ اهـ وَيُمْكِنُ أَنَّ الشَّارِحَ أَشَارَ إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، فَذَكَرَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ الْمُحَاضَرَةُ صَرِيحًا، وَأَدْرَجَ فِيهِ الثَّانِيَ أَوْ تَرَكَهُ لِفَهْمِهِ مِنْهُ، وَأَشَارَ إلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: وَالْإِلْهَامُ وَهُوَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ بِطَرِيقِ الْفَيْضِ يَطْمَئِنُّ لَهُ الصَّدْرُ. قَوْلُهُ: (وَوَفَّقَ الْعَامِلِينَ لِخِدْمَتِهِ) أَيْ طَاعَتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَقْدَرَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِطَاعَتِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلِذَا قَالَ: فَهَجَرُوا لَذِيذَ الْمَنَامِ أَيْ النَّوْمَ اللَّذِيذَ، فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، وَالْمُرَادُ بِهَجْرِ النَّوْمِ عَدَمُ الْغَفْلَةِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْهُ، إذْ لَيْسَ لِلنَّوْمِ لَذَّةٌ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا إحْسَاسَ لَهُ ق ل بِخِلَافِ الْغَفْلَةِ، فَإِنَّهَا قَدْ تَشْتَمِلُ عَلَى شَهَوَاتٍ يُلْتَذُّ بِهَا لِأَهْلِهَا، أَوْ الْمُرَادُ بِالنَّوْمِ حَقِيقَتُهُ وَبِاللَّذَّةِ مَا يَحْصُلُ لِلنَّائِمِ فِي أَوَّلِهِ أَوْ عَقِبَهُ مِنْ الرَّاحَةِ كَمَا فَسَّرَ بِهِ آيَةَ: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} [النبأ: ٩] مِنْ أَنَّ السُّبَاتَ فِي الْآيَةِ مَعْنَاهُ الرَّاحَةُ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ النَّوْمِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ، وَهَذِهِ السَّجَعَاتُ فِي الشَّرْحِ لَيْسَتْ عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْوَاقِعِ لِأَنَّ الْوَاقِعَ تَقْدِيمُ الْعِلْمِ ثُمَّ الْعَمَلِ ثُمَّ الْمَعْرِفَةِ أَيْ لِلْأَسْرَارِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْهَا عُلَمَاءُ الْحَقِيقَةِ ثُمَّ الْمَحَبَّةِ ثُمَّ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ الْأَسْرَارَ وَالشَّارِحُ قَدَّمَ الْمَعْرِفَةَ وَإِيدَاعَ الْأَسْرَارِ عَلَى الْعَمَلِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالتَّوْفِيقِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: وَوَفَّقَ الْعَامِلِينَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمُ هَذِهِ السَّجْعَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا لِأَنَّ الْقِيَامَ بِوَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ سَبَبٌ لِإِيدَاعِ الْأَسْرَارِ وَمُقَدَّمٌ عَلَيْهِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَلَا تَعْقِيبًا.وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَرْكَانَ طَرِيقَةِ الْقَوْمِ أَرْبَعَةٌ: تَرْكُ الْمَنَامِ، وَتَرْكُ الْأَنَامِ، وَتَرْكُ الطَّعَامِ، وَتَرْكُ الْكَلَامِ. اثْنَانِ مَذْكُورَانِ هُنَا صَرِيحًا وَهُمَا تَرْكُ الْأَنَامِ وَتَرْكُ الْمَنَامِ، وَالِاثْنَانِ الْآخَرَانِ مَذْكُورَانِ تَلْوِيحًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَادَةً مِنْ تَرْكِ الطَّعَامِ تَرْكُ الْمَنَامِ، وَمِنْ تَرْكِ الْأَنَامِ تَرْكُ الْكَلَامِ، وَالْمُرَادُ مِنْ تَرْكِهِمَا تَرْكُ الْكَثِيرِ مِنْهُمَا وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْقَلِيلِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ. وَحَاصِلُ الْمَطْلُوبِ فِي الطَّرِيقَةِ تَرْكُ الْعَوَائِدِ، فَمَنْ تَرَكَ الْعَوَائِدَ أَيْ الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، فَالْمُرَادُ بِالْعَوَائِدِ الْأُمُورُ الْمُعْتَادَةُ خُرِقَتْ لَهُ الْعَوَائِدُ بِظُهُورِ الْكَرَامَاتِ عَلَى يَدَيْهِ لِأَنَّهَا خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ. قَوْلُهُ: (وَأَذَاقَ الْمُحِبِّينَ) أَيْ أَلْقَى حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ فَاسْتَأْنَسُوا بِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى مَا سِوَاهُ وَالْمُرَادُ بِالْقُرْبِ الْقُرْبُ الْمَعْنَوِيُّ وَهُوَ مُرَاقَبَتُهُ تَعَالَى بِالْخَوْفِ وَالْإِجْلَالِ.قَوْلُهُ: (وَأُنْسِهِ) هُوَ سُرُورُ الْقَلْبِ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ وَشَبَّهَ الْقُرْبَ بِالْعَسَلِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ وَأَذَاقَ تَخْيِيلٌ وَاللَّذَّةُ تَرْشِيحٌ، وَالْمُرَادُ بِقُرْبِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْعَبْدِ ارْتِفَاعُ الْحُجُبِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَبَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حِجَابًا بَعْضُهَا ظُلْمَانِيٌّ وَبَعْضُهَا نُورَانِيٌّ، فَإِذَا مَزَّقَهَا الْعَبْدُ وَأَزَالَهَا بِالْمُجَاهَدَاتِ وَالرِّيَاضَاتِ وَهِيَ تَأْدِيبُ النَّفْسِ عَلَى مَا وَافَقَ الشَّرْعَ، فَقَدْ قَرُبَ مِنْ اللَّهِ قُرْبًا مَعْنَوِيًّا، وَهَذِهِ الْحُجُبُ حَاجِبَةٌ لِلْعَبْدِ عَنْ رَبِّهِ لَا لِلَّهِ عَنْ عَبْدِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ وَقَوْلُهُ: (الْأَنَامِ) أَيْ الْخَلْقِ. قَوْلُهُ: (أَحْمَدُهُ إلَخْ) حَمِدَهُ بِالِاسْمِيَّةِ ثُمَّ بِالْفِعْلِيَّةِ إشَارَةٌ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ نَوْعَيْ الْحَمْدِ الدَّالِّ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالدَّالُّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ التَّجَدُّدِيِّ، وَقَصَدَ بِالثَّانِي الْمُوَافَقَةَ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالْمَحْمُودِ عَلَيْهِ أَيْ كَمَا أَنَّ
وَتَعَالَى عَلَى جَزِيلِ الْإِنْعَامِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْمَلِكُ الْعَلَّامُ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَاــ[حاشية البجيرمي] آلَاءَهُ تَعَالَى لَا تَزَالُ تَتَجَدَّدُ فِي حَقِّنَا دَائِمًا نَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا تَزَالُ تَتَجَدَّدُ، وَإِنَّمَا عَدَلْت عَنْ قَوْلِ الَأُجْهُورِيُّ أَثْنَى عَلَيْهِ ثَانِيًا بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ بَعْدَ أَنْ حَمِدَهُ أَوَّلًا بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إشَارَةً إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ نَوْعَيْ الْحَمْدِ الْوَاقِعِ فِي مُقَابَلَةِ صِفَاتِهِ تَعَالَى الْعِظَامِ، وَالْوَاقِعِ فِي مُقَابَلَةِ نِعَمِهِ الْجِسَامِ إلَى مَا قُلْته لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ، وَهُوَ قَدْ عَلَّقَ الْحَمْدَ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى نَشْرِ الْأَعْلَامِ لِلْعُلَمَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لِأَجْلِ نَشْرِهِ لِلْعُلَمَاءِ أَعْلَامًا فَيَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ نِعَمِهِ كَالثَّانِي، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَاحَظَ إيرَادَ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ مَوْرِدَ الصِّفَاتِ.فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُدِّمَتْ الِاسْمِيَّةُ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ مَعَ حُصُولِ الْجَمْعِ لَوْ عَكَسَ؟ قُلْت: لَمَّا كَانَتْ الصِّفَاتُ قَدِيمَةً مُسْتَمِرَّةً وَالنِّعَمُ مُتَجَدِّدَةً مُتَعَاقِبَةً ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِالِاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الثُّبُوتِ وَالِاسْتِمْرَارِ، وَالثَّانِيَ بِالْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالتَّعَاقُبِ اهـ أُجْهُورِيٌّ. وَقَوْلُهُ: قَدِيمَةٌ هَذَا لَا يَظْهَرُ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ قَدِيمَةٌ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ قَدَّمَ الِاسْمِيَّةَ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ» .قَوْلُهُ: (سُبْحَانَهُ) هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ وَهُوَ مَا نَقَصَتْ حُرُوفُهُ عَنْ حُرُوفِ فِعْلِهِ الْمَاضِي وَهُوَ سَبَّحَ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ.قَوْلُهُ: (عَلَى جَزِيلِ الْإِنْعَامِ) أَيْ الْإِنْعَامِ الْجَزِيلِ أَيْ الْكَثِيرِ أَوْ الْعَظِيمِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْإِنْعَامِ لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَوْصَافِ الْمُنْعِمِ أَمْكَنُ مِنْ الْحَمْدِ عَلَى نَفْسِ النِّعْمَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُنْعَمِ بِهِ لِقُصُورِ الْعِبَارَةِ عَنْ الْإِحَاطَةِ بِهِ تَفْصِيلًا قَوْلُهُ: (وَأَشْهَدُ) أَيْ أَعْلَمُ وَأُذْعِنُ، فَلَا يَكْفِي الْعِلْمُ مِنْ غَيْرِ إذْعَانٍ وَهُوَ تَسْلِيمُ الْقَلْبِ لِحَقِيقَةِ مَا عَلِمَهُ وَالْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ لِمَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يَخْلُو مِنْ مَعْنَى التَّعَبُّدِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: جَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْأُمَّةِ سَلَفِهَا وَخَلَفِهَا فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَشْهَدُ مُقْتَصَرِينَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْقِيقِ الشَّيْءِ نَحْوُ: أَعْلَمُ وَأَتَيَقَّنُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ مَعْنَى التَّعَبُّدِ إذْ لَمْ يُنْقَلْ غَيْرُهُ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الشَّهَادَةَ اسْمٌ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ وَهِيَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الشَّيْءِ عِيَانًا، فَاشْتَرَطَ فِي الْأَدَاءِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْمُشَاهَدَةِ، وَأَقْرَبُ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا اُشْتُقَّ مِنْ اللَّفْظِ وَهُوَ أَشْهَدُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ الْمَوْضُوعِ لِلْإِخْبَارِ فِي الْحَالِ لَا الْمَاضِي، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِخْبَارِ عَمَّا وَقَعَ، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ أَشْهَدُ فِي الْقَسَمِ نَحْوُ: أَشْهَدُ لَقَدْ كَانَ كَذَا أَيْ أُقْسِمُ فَيَتَضَمَّنُ لَفْظُ أَشْهَدُ مَعْنَى الْمُشَاهَدَةِ وَالْإِخْبَارِ وَالْقَسَمِ فِي الْحَالِ، فَكَأَنَّ الشَّاهِدَ قَالَ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَقَدْ اطَّلَعْت عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَا الْآنَ أُخْبِرُ بِهِ. وَهَذِهِ الْمَعَانِي مَفْقُودَةٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ. [مَبْحَثٌ فِيمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ شَارِعِ تَصْنِيفٍ وَمَا يُسَنُّ صِنَاعَةً]قَوْلُهُ: (أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَيْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ إلَّا اللَّهُ بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّ " لَا " وَاسْمِهَا، لِأَنَّ مَحَلَّهُمَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي خَبَرِ " لَا " الْمَحْذُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا إلَهَ مَوْجُودٌ إلَّا اللَّهُ، أَوْ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ بَدَلًا مِنْ مَحَلِّ اسْمِ " لَا " لِأَنَّ " لَا " لَا تَعْمَلُ فِي الْمَعَارِفِ، وَأَتَى بِالشَّهَادَةِ هُنَا لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا التَّشَهُّدُ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَقْطُوعَةَ الْبَرَكَةِ أَوْ قَلِيلَتَهَا.مَبْحَثٌ فِيمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ شَارِعِ تَصْنِيفٍ وَمَا يُسَنُّ صِنَاعَةً وَلَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ عَلَى كُلِّ شَارِعٍ فِي تَصْنِيفٍ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: الْبَسْمَلَةُ، وَالْحَمْدَلَةُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالتَّشَهُّدُ وَيُسَنُّ لَهُ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: تَسْمِيَةُ نَفْسِهِ، وَتَسْمِيَةُ الْكِتَابِ، وَالْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مَقْصُودِهِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ بِبَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ رَابِعًا وَهُوَ لَفْظُ وَبَعْدُ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ الْمَنْفِيُّ فِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ أَوْ الْمَعْبُودُ بِبَاطِلٍ؟ قُلْت: وَقَعَ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ النَّفْيَ إنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ بِحَقٍّ، لَا الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ بِبَاطِلٍ، لِأَنَّ
مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ إمَامُ كُلِّ إمَامٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.ــ[حاشية البجيرمي] الْمَعْبُودَ بِبَاطِلٍ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَوُجُودٌ فِي ذِهْنِ الْمُؤْمِنِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ بَاطِلًا، وَوُجُودٌ فِي ذِهْنِ الْكَافِرِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ حَقًّا فَهُوَ لِوُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ لِأَنَّ الذَّوَاتِ لَا تُنْفَى، وَكَذَا مِنْ حَيْثُ وُجُودُهُ فِي ذِهْنِ الْمُؤْمِنِ أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِبَاطِلٍ لَا يُنْفَى إذْ كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِبَاطِلٍ أَمْرٌ حَقٌّ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ وَإِلَّا كَانَ كَذِبًا، وَإِنَّمَا يُنْفَى مِنْ حَيْثُ وُجُودُهُ فِي ذِهْنِ الْكَافِرِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَعْبُودًا بِحَقٍّ، فَالْمَعْبُودَاتُ الْبَاطِلَةُ لَمْ تُنْفَ إلَّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَعْبُودَةً بِحَقٍّ فَلَمْ يُنْفَ فِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَّا الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. مَلَوِيٌّ لِأَنَّ الْمَعْبُودَ بِحَقٍّ أَمْرٌ كُلِّيٌّ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا.قَوْلُهُ: (وَحْدَهُ) أَيْ مُنْفَرِدًا فِي ذَاتِهِ وَقَوْلُهُ: (لَا شَرِيكَ لَهُ) أَيْ فِي صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِ وَحْدَهُ شَامِلًا لِلثَّلَاثَةِ وَلَا شَرِيكَ لَهُ تَأْكِيدًا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنْ التَّأْكِيدِ، لِأَنَّهُ أَفَادَ فَائِدَةً لَمْ تُسْتَفَدْ مِنْ الْأَوَّلِ، فَقَوْلُهُ وَحْدَهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَأَتَى بِهِ بَعْدَ حَصْرِ الْأُلُوهِيَّةِ تَوْكِيدًا لِتَوْحِيدِ الذَّاتِ وَرَدًّا عَلَى الثَّانَوِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: (لَا شَرِيكَ لَهُ) أَيْ لَا مُشَارِكَ لَهُ وَأَتَى بِهِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ الْحَصْرِ تَأْكِيدًا لِتَوْحِيدِ الْأَفْعَالِ وَرَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ قَوْلُهُ: (الْمَلِكُ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الْمَأْمُورِينَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُلْكِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْمَالِكِ وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ كَيْفَ شَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمِلْكِ بِكَسْرِ الْمِيمِ، فَبَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَتَصَرَّفُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ مَأْمُورَةً أَوْ لَا. وَالْمَلِكُ يَتَصَرَّفُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَأْمُورَةِ مَمْلُوكَةً أَوْ لَا اهـ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ. فَيَجْتَمِعَانِ فِي آمِرٍ تَصَرَّفَ فِي الْمَمْلُوكِ لَهُ، وَيَنْفَرِدُ الْمَلِكُ فِي الْآمِرِ الْمُتَصَرِّفِ فِي غَيْرِ الْمَمْلُوكِ لَهُ، وَيَنْفَرِدُ الْمَالِكُ فِي تَصَرُّفِهِ فِي الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ، وَوَجْهُ أَبْلَغِيَّةِ مَلِكٍ دَلَالَتُهُ عَلَى التَّعْظِيمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُضَافُ إلَّا إلَى الْعُقَلَاءِ.لَا يُقَالُ مَلِكُ الدَّوَابِّ، وَإِنَّمَا يُقَالُ مَالِكُ. وَقَوْلُهُ: (الْعَلَّامُ) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ أَيْ كَثِيرُ الْعِلْمِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَثْرَةِ الْإِحَاطَةُ وَعُمُومُ الِانْكِشَافِ، فَالْكَثْرَةُ بِالنَّظَرِ لِمُتَعَلِّقَاتِ الْعِلْمِ وَهِيَ الْمَعْلُومَاتُ وَإِلَّا فَعِلْمُ اللَّهِ وَاحِدٌ. [مَبْحَثٌ فِي الْمُبَالَغَةِ النَّحْوِيَّةِ وَالْبَيَانِيَّةِ]ِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُبَالَغَةِ هُنَا الْمُبَالَغَةُ النَّحْوِيَّةُ وَهِيَ مُطْلَقُ الْكَثْرَةِ لَا الْبَيَانِيَّةُ وَهِيَ إثْبَاتُك لِلشَّيْءِ زِيَادَةً عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ تَعَالَى الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ.قَوْلُهُ: (مُحَمَّدًا) بَدَلٌ مِنْ نَبِيِّنَا لَا مِنْ سَيِّدِنَا لِأَنَّهُ لَا يُفْصَلُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ بِعَطْفِ النَّسَقِ قَوْلُهُ: (صَلَّى اللَّهُ إلَخْ) جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ بَيْنَ اسْمِ أَنَّ وَخَبَرِهَا (قَوْلُهُ: عَبْدُهُ) قَدَّمَهُ امْتِثَالًا لِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَلَكِنْ قُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» . وَلِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ أَشْرَفُ أَوْصَافِهِ عليه الصلاة والسلام فَقَدْ دُعِيَ بِهَا فِي أَشْرَفِ الْمَقَامَاتِ فَقَالَ تَعَالَى: {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا - الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ - نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: ٢٣ - ١] {أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: ١] وَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ صِفَةٌ أَتَمُّ وَلَا أَشْرَفُ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ لِأَنَّهَا غَايَةُ التَّذَلُّلِ.وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي نَظْمِهِ حَيْثُ قَالَ:وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا … وَكِدْت بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّادُخُولِي تَحْتَ قَوْلِك يَا عِبَادِي … وَأَنْ صَيَّرْت أَحْمَدَ لِي نَبِيَّاوَقَدْ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلَكًا وَنَبِيًّا عَبْدًا فَاخْتَارَ الثَّانِيَ (قَوْلُهُ: وَرَسُولُهُ) أَيْ إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ بَلْ وَإِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ مِنْ مَلَكٍ وَحَجَرٍ وَمَدَرٍ بَلْ وَإِلَى نَفْسِهِ، وَقَوْلُ م ر: لَمْ يُرْسَلْ إلَى الْمَلَائِكَةِ أَيْ إرْسَالَ تَكْلِيفٍ فَلَا يُنَافِي التَّشْرِيفَ.وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَالشَّبْشِيرِيُّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ: الْحَقُّ تَكْلِيفُهُمْ بِالطَّاعَاتِ الْعَمَلِيَّةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَى الْجِنِّ غَيْرُ نَبِيِّنَا، وَإِيمَانُهُمْ بِالتَّوْرَاةِ كَانَ تَبَرُّعًا مِنْهُمْ وَسُلَيْمَانُ كَانَ حَاكِمًا فِيهِمْ لَا رَسُولًا إلَيْهِمْ. اهـ. مَدَابِغِيٌّ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يُرْسَلْ إلَى الْجِنِّ غَيْرُ نَبِيِّنَا أَيْ لَا مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَالْبُلُوغُ الشَّرْعِيُّ أَيْ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ لَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[حاشية البجيرمي] يَتَأَتَّى فِيهِمْ فَتَكْلِيفُهُمْ بِالْإِيمَانِ مِنْ أَوَّلِ الْخِلْقَةِ كَآدَمَ وَحَوَّاءَ، وَأَمَّا إيمَانُ الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ جِبِلِّيٌّ لَا اخْتِيَارَ لَهُمْ فِيهِ فَلَا يُكَلَّفُونَ بِهِ. وَأَوَّلُ الْجِنِّ إبْلِيسُ، فَهُوَ مُكَلَّفٌ بِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ وَبَاقِيهِمْ إمَّا بِسَمَاعِ كَلَامٍ مِنْهُ أَوْ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ فِيهِ أَوْ بِوُصُولِ دَعْوَةِ رَسُولِ الْإِنْسِ فَتَوَقُّفُ التَّكْلِيفِ عَلَى إرْسَالِ الرُّسُلِ خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّينَ وَآيَةُ {حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: ١٥] مَخْصُوصَةٌ بِهِمْ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ عَلَى شَرْحِ الصُّغْرَى. لِأَنَّ تَكْلِيفَ الْجِنِّ بِالْإِيمَانِ حَاصِلٌ مِنْ أَوَّلِ الْخِلْقَةِ وَلَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى إرْسَالِ الرُّسُلِ، بِخِلَافِ تَكْلِيفِهِمْ بِالْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إرْسَالِ الرُّسُلِ لَهُمْ، وَهُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. [مَبْحَثٌ فِي الْخُلَّةِ وَالْمَحَبَّةِ]ِ (قَوْلُهُ: وَصَفِيُّهُ) أَيْ الَّذِي اصْطَفَاهُ مِنْ خَلْقِهِ بِمَعْنَى اخْتَارَهُ (وَقَوْلُهُ: وَخَلِيلُهُ) مِنْ الْخَلَّةِ بِالْفَتْحِ وَهِيَ بِالْفَتْحِ الْحَاجَةُ أَوْ بِالضَّمِّ وَهِيَ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ وَتَخَلُّلُهَا فِي الْقَلْبِ فَلَا تَدَعُ فِيهِ مَحَلًّا إلَّا مَلَأَتْهُ، وَآثَرَهُ عَلَى حَبِيبِهِ جَرْيًا عَلَى مَا رَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ كَالزَّرْكَشِيِّ مِنْ أَنَّ الْخُلَّةَ أَرْفَعُ، إذْ هِيَ أَخَصُّ مِنْ الْمَحَبَّةِ لِأَنَّهَا خَالِصُهَا فَهِيَ نِهَايَتُهَا، وَمِنْ ثَمَّ أَخْبَرَ نَبِيُّنَا بِأَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَنَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّهِ مَعَ إخْبَارِهِ بِحُبِّهِ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَظَنُّ أَنَّ الْمَحَبَّةَ أَرْفَعُ وَأَنَّ إبْرَاهِيمَ خَلِيلٌ وَمُحَمَّدًا حَبِيبٌ غَلَطٌ وَجَهْلٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوصَفُ بِالْوَصْفَيْنِ، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ، وَاَلَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ أَنَّ خُلَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَفْضَلُ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَاخْتَصَّا بِهِمَا لِتَوَفُّرِ مَعْنَاهُمَا السَّابِقِ فِيهِمَا أَكْثَرَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِكَوْنِ هَذَا التَّوَفُّرِ فِي نَبِيِّنَا أَكْثَرَ مِنْهُ فِي إبْرَاهِيمَ كَانَتْ خُلَّتُهُ أَرْفَعَ مِنْ خُلَّةِ إبْرَاهِيمَ.هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ، وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ بَعْضِهِمْ آثَرَ الْخَلِيلَ عَلَى الْحَبِيبِ لِأَجْلِ السَّجْعِ بَلْ آثَرَهُ لِأَفْضَلِيَّتِهِ أَيْضًا. [مَبْحَثُ عَدَدِ أَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ صلى الله عليه وسلم]قَوْلُهُ: (إمَامُ كُلِّ إمَامٍ) أَيْ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ مُقَدَّمٍ.قَوْلُهُ: (وَعَلَى آلِهِ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ عَلَيْهِ فِي حَيِّزِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ فِي ضِمْنِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ أَخَّرَ جُمْلَةَ الصَّلَاةِ عَنْ جُمْلَةِ الشَّهَادَةِ لَكَانَ مُوَافِقًا لِلْمَأْلُوفِ الْمَعْرُوفِ. اهـ. ق ل.وَهَذَا عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إعَادَةٌ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ: (وَأَصْحَابُهُ) جَمْعُ صَاحِبٍ خِلَافًا لِلْجَوْهَرِيِّ وَنَظِيرُهُ شَاهِدٌ وَأَشْهَادٌ، وَفِي التَّنْزِيلِ {وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: ٥١] قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: جَمْعُ شَاهِدٍ اهـ تَصْرِيحٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَصَحْبُهُ وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ.مَبْحَثُ عَدَدِ أَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُ: (وَأَزْوَاجِهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ، عَنْ قَتَادَةَ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَدَخَلَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَجَمَعَ بَيْنَ إحْدَى عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ» ، وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ … إلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُفَعَائِشَةٌ مَيْمُونَةُ وَصَفِيَّةٌ … وَحَفْصَةُ تَتْلُوهُنَّ هِنْدٌ وَزَيْنَبُجُوَيْرِيَةُ مَعَ رَمْلَةٍ ثُمَّ سَوْدَةٍ … ثَلَاثٌ وَسِتٌّ ذِكْرُهُنَّ مُهَذَّبُوَهِنْدٌ هِيَ أُمُّ سَلَمَةَ وَرَمْلَةُ هِيَ أُمُّ حَبِيبَةَ، وَعَدَّ الدِّمْيَاطِيُّ فِي السِّيرَةِ مَنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ خَطَبَهَا وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا فَبَلَغَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ ثَلَاثِينَ.قَالَ م ر فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: تَحْرُمُ زَوْجَاتُهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ مُطَلَّقَاتٍ وَمُخْتَارَاتٍ فِرَاقَهُ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَنَقَلَ فِي شَرْحِهِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي وَطِئَهَا تَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ أَيْضًا وَاعْتَمَدَهُ اهـ وَكَذَا الْمُسْتَعِيذَةُ الَّتِي قَالَتْ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ عَلَيْهَا: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك، فَقَالَ: اسْتَعَذْت بِعَظِيمٍ وَطَلَّقَهَا فَتَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَتَكُونُ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا نَدِمَتْ عَلَى ذَلِكَ وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى الْهَمَزِيَّةِ، وَاسْمُهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ شَرَاحِيلَ، وَقَالَتْ ذَلِكَ
وَصَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. وَبَعْدُ فَيَقُولُ فَقِيرُ رَحْمَةِ رَبِّهِ الْقَرِيبِ الْمُجِيبِ مُحَمَّدٌ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: إنَّ مُخْتَصَرَ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَلَّامَةِ، الْحَبْرِــ[حاشية البجيرمي] بِقَوْلِ ضَرَّاتِهَا قُولِي لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا حَرُمْنَ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ، وَرِعَايَةً لِشَرَفِهِ، وَلِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَلِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْجَنَّةِ مَعَ آخِرِ أَزْوَاجِهَا، وَيَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ بَقِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ أَزْوَاجَهُمْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ التَّزَوُّجُ بِهِنَّ مَعَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَكَذَا الشُّهَدَاءُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ التَّزَوُّجُ بِنِسَائِهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ، فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّعَالِيلِ اللَّاتِي بَعْدَهُ وَنِسَاءُ بَاقِي الْأَنْبِيَاءِ. يَحْرُمْنَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ.مَبْحَثُ عَدَدِ أَوْلَادِهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُ: (وَذُرِّيَّتِهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ، وَجُمْلَةُ أَوْلَادِهِ سَبْعٌ: أَرْبَعٌ مِنْ الْإِنَاثِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ الذُّكُورِ، وَتَرْتِيبُهُمْ فِي الْوِلَادَةِ هَكَذَا الْقَاسِمُ فَزَيْنَبُ فَرُقَيَّةُ فَفَاطِمَةُ فَأُمُّ كُلْثُومٍ فَعَبْدُ اللَّهِ فَإِبْرَاهِيمُ، وَمَا قِيلَ لَهُ مِنْ أَنَّ وَلَدَيْنِ آخَرَيْنِ وَهُمَا الطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا لَقَبَانِ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى هَذَا التَّرْتِيبِ بِقَوْلِهِ:يَا رَبَّنَا بِالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ … فَبِزَيْنَبٍ فَرُقَيَّةٍ فَبِفَاطِمَهْفَبِأُمِّ كُلْثُومٍ فَعَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ … بِحَقِّ إبْرَاهِيمَ نَجِّي نَاظِمَهْاهـ وَكُلُّهُمْ مِنْ خَدِيجَةَ إلَّا إبْرَاهِيمُ فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ. قَوْلُهُ: (الطَّيِّبِينَ) أَيْ الْخَالِصِينَ مِنْ شَوَائِبِ الْكُدُورَاتِ وَقَوْلُهُ: (الطَّاهِرِينَ) أَيْ الْخَالِصِينَ مِنْ النَّقَائِصِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، وَفِي هَذَيْنِ تَغْلِيبُ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ لِشَرَفِهِمْ. قَوْلُهُ: (دَائِمَيْنِ) لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْرَبَ نَعْتًا لِصَلَاةٍ وَسَلَامًا لِأَنَّهُمَا مَعْمُولَانِ لِصَلَّى وَسَلَّمَ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ مَعْنًى، وَقَدْ صَرَّحَ النُّحَاةُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَعْتُ مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ إلَّا إذَا اتَّحَدَ عَامِلَاهُمَا مَعْنًى وَعَمَلًا وَإِلَّا وَجَبَ الْقَطْعُ كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:وَنَعْتُ مَعْمُولَيْ وَحِيدَيْ مَعْنَى … وَعَمَلٍ أَتْبِعْ بِغَيْرِ اسْتِثْنَامَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ اخْتَلَفَ الْعَامِلَانِ مَعْنًى وَعَمَلًا أَوْ عَمَلًا فَقَطْ أَوْ مَعْنًى فَقَطْ لَا يَجُوزُ الْإِتْبَاعُ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يُقْطَعَ وَيُعْرَبَ مَعْمُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، لِأَنَّ نَعْتَ النَّكِرَةِ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ إذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ بِدُونِهِ، فَحِينَئِذٍ الْأَوْلَى جَعْلُهُ حَالًا مِنْ صَلَاةً وَسَلَامًا، وَلَا يُشْكِلُ بِوُجُوبِ تَعْرِيفِ صَاحِبِ الْحَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسَوِّغِ لِتَنْكِيرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَالِبٌ وَهَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ عَلَى حَدِّ: " وَصَلَّى وَرَاءَهُ رِجَالٌ قِيَامًا " اهـ شَيْخُنَا ح ف. وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ يَرْجِعُ مَعْنَاهُمَا إلَى طَلَبِ زِيَادَةِ الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ اللَّفْظِ وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنْ الْبُعْدِ. قَالَ الشَّنَوَانِيُّ فِي حَوَاشِي الْفَاكِهِيِّ: وَإِنَّمَا أَبَّدَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ دُونَ الْحَمْدِ وَإِنْ صَحَّ تَأْبِيدُهُ أَيْضًا لِاسْتِغْنَاءِ اللَّهِ عَنْ تَأْبِيدِ الْحَمْدِ، وَمَعْنَى تَأْبِيدِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ تَأْبِيدُ ثَمَرَتِهِمَا وَهِيَ الرَّحْمَةُ وَالتَّحِيَّةُ، وَإِلَّا فَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اللَّذَانِ صَدَرَا مِنْ الْمُؤَلِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَسَلَامٌ وَاحِدٌ وَقَوْلُهُ: (إلَى يَوْمِ الدِّينِ) أَيْ الْجَزَاءِ.فَإِنْ قِيلَ: الْمَطْلُوبُ اسْتِمْرَارُهُمَا فَكَيْفَ غَيَّاهُمَا بِذَلِكَ؟ قُلْت: إنَّمَا غَيَّا بِيَوْمِ الدِّينِ جَرْيًا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ يُغَيُّونَ بِذَلِكَ عِنْدَ إرَادَةِ التَّأْبِيدِ، وَإِلَّا فَالثَّوَابُ لَا يَنْقَطِعُ أَصْلًا. قَوْلُهُ: (وَبَعْدُ) مِنْ هُنَا إلَى بَسْمَلَةِ الْمَتْنِ فِيهِ كَلَامٌ مُسَجَّعٌ وَفِيهِ كَلَامٌ غَيْرُ مُسَجَّعٍ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ، وَالْمُسَجَّعُ مِنْهُ أَرْبَعُونَ سَجْعَةً بَعْضُهَا عَلَى الْبَاءِ وَبَعْضُهَا عَلَى التَّاءِ وَبَعْضُهَا عَلَى الدَّالِ وَبَعْضُهَا عَلَى اللَّامِ، وَهَذَا الْكَلَامُ اشْتَمَلَ عَلَى أَغْرَاضٍ: الْأَوَّلُ مَدْحُ صَاحِبِ الْمَتْنِ، وَالثَّانِي مَدْحُ الْمَتْنِ، وَالثَّالِثُ مَدْحُ الشَّرْحِ، وَالرَّابِعُ مَدْحُ الشَّارِحِ، وَالْخَامِسُ تَسْمِيَةُ الْكِتَابِ، وَالسَّادِسُ التَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى إكْمَالِهِ وَجَعْلِهِ خَالِصًا، وَفِي ضِمْنِ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ بَيَانُ السَّبَبِ الْحَامِلِ لَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ــ[حاشية البجيرمي] عَلَى التَّأْلِيفِ. وَالْوَاوُ فِي وَبَعْدُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلَاثَةً:الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةَ قِصَّةٍ عَلَى قِصَّةٍ، وَأَمَّا مُقَدَّرَةً فِي الْكَلَامِ وَالْفَاءُ دَالَّةٌ عَلَيْهَا.الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ نَائِبَةً عَنْ أَمَّا وَالْفَاءُ وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ الْوَاوِ النَّائِبَةِ عَنْ أَمَّا، وَهَذِهِ الْوَاوُ أَلْغَزَ فِيهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:وَمَا وَاوٌ لَهَا شَرْطٌ يَلِيهِ … جَوَابٌ قَرْنُهُ بِالْفَاءِ حَتْمًاأَجَابَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:هِيَ الْوَاوُ الَّتِي قُرِنَتْ بِبَعْدِ … وَأَمَّا أَصْلُهَا وَالْأَصْلُ مَهْمَاوَاخْتَصَّتْ الْوَاوُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ بِالنِّيَابَةِ عَنْ أَمَّا لِأَنَّهَا أُمُّ الْبَابِ وَلِأَنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِئْنَافِ كَأَمَّا.الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنَافِ وَأَمَّا مُقَدَّرَةٌ وَبَعْدُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا يَكُنْ أَوْ أَمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الشَّرْطِ، أَوْ يَقُولُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الْجَزَاءِ، وَرَجَّحَهُ السَّعْدُ وَغَيْرُهُ لِكَوْنِ الْجَزَاءِ حِينَئِذٍ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ مُطْلَقٍ أَيْ غَيْرِ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ. [مَبْحَثُ تَقْدِيمِ الِاسْمِ عَلَى اللَّقَبِ وَعَكْسِهِ]قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى التَّأْلِيفِ حَيْثُ أَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ قَوْلُهُ: (فَقِيرُ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ فَمَعْنَاهُ الدَّائِمُ الْفَقْرُ، أَيْ الْحَاجَةُ أَوْ أَنَّهُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ فَمَعْنَاهُ كَثِيرُ الْفَقْرِ.وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ فَقِيرٍ صِفَةٌ لِمُذَكَّرٍ، فَإِنْ أُرِيدَ الْمُؤَنَّثُ قِيلَ فَقِيرَةٌ بِالْهَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا هُوَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ إنْ تَبِعَا مَوْصُوفَهُمَا، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:وَمِنْ فَعِيلٍ كَقَتِيلٍ إنْ تَبِعْ … مَوْصُوفًا غَالِبًا التَّا تَمْتَنِعْوَأَضَافَ الْفَقِيرُ إلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ لِدَفْعِ إيهَامِ فَقْرِ الدُّنْيَا أَوْ الْقَلْبِ وَاخْتَارَ لَفْظَ الرَّبِّ لِإِفَادَةِ الْحُنُوِّ وَالرَّأْفَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ مُرَبِّي الشَّيْءِ قَوْلُهُ: (الْقَرِيبِ) قُرْبًا مَعْنَوِيًّا بِالْحِفْظِ وَالْعِلْمِ بِأَحْوَالِ الْعَبِيدِ وَقَوْلُهُ: (الْمُجِيبِ) أَيْ دُعَاءَ مَنْ دَعَاهُ، وَالْمُرَادُ بِالْإِجَابَةِ تَرَتُّبُ نَفْعٍ عَلَى الدُّعَاءِ إمَّا بِعَيْنِ مَا طَلَبَ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا فِي الْحَالِ أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ كُلُّ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ اللَّهُ الْإِجَابَةَ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالْمُجِيبُ أَصْلُهُ الْمَجُوبُ لِأَنَّهُ مِنْ الْجَوَابِ فَهُوَ وَاوِيٌّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إلَى الْجِيمِ فَصَارَ مَجُوبٌ وَقَعَتْ الْوَاوُ السَّاكِنَةُ إثْرَ كَسْرٍ قُلِبَتْ يَاءً فَصَارَ مُجِيبٌ.قَوْلُهُ: (مُحَمَّدٌ) بَدَلٌ مِنْ فَقِيرٍ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ مَدَابِغِيٌّ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ فَقِيرًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وَهِيَ لَا تَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ وَمُحَمَّدٌ مَعْرِفَةٌ بِالْعَلَمِيَّةِ وَعَطْفُ الْبَيَانِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُوَافَقَةِ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ وَهَذَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَأَمَّا الْأَخْفَشُ وَالْكُوفِيُّونَ فَلَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ.قَوْلُهُ: (الشِّرْبِينِيُّ) نِسْبَةٌ إلَى بَلَدِهِ، وَالْخَطِيبُ لَقَبُهُ الَّذِي اُشْتُهِرَ بِهِ أَيْ الْخَطِيبُ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ. قَوْلُهُ: (إنَّ مُخْتَصَرَ الْإِمَامِ) جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالْقَوْلِ، فَهِيَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ وَقَوْلُهُ: (الْعَالِمُ) أَيْ الْمُتَّصِفُ بِالْعِلْمِ وَإِذَا أُطْلِقَ الْعَالِمُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُتْقِنُ لِكُلِّ عِلْمٍ وَهَذَا عَلَى جَعْلِ أَلْ فِي الْعِلْمِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الْعَالِمُ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَإِنْ جَعَلْنَاهَا لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ وَلَوْ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعِلْمِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا الْوَصْفُ وَلَوْ بِإِتْقَانِ عِلْمٍ وَاحِدٍ وَإِذَا قُيِّدَ بِقَيْدٍ انْصَرَفَ إلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ عَالِمٌ فِي الْفَرَائِضِ أَوْ عَالِمٌ بِمَسْأَلَةِ كَذَا وَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ فِي الْوَصِيَّةِ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَّا لِعُلَمَاءِ الشَّرْعِ وَهُوَ عِلْمُ الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ.قَوْلُهُ: (الْعَلَّامَةُ) التَّاءُ فِيهِ لِتَأْكِيدِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ لِلنَّقْلِ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ وَمِثْلُهُ الْفَهَّامَةُ.قَوْلُهُ: (الْحَبْرُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْعَالِمُ وَبِكَسْرِهَا الْمِدَادُ أَيْ الَّذِي هُوَ كَالْمِدَادِ فِي النَّفْعِ بِهِ كَذَا قِيلَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ هُوَ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ الْعَالِمُ كَمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إتْقَانِهِ وَالْبَحْرُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وَالْفَهَّامَةُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ حَذْقِهِ وَذَكَائِهِ ق ل.وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هُنَا الْمُتْقِنُ لِيَكُونَ فِيهِ فَائِدَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ الْعَالِمُ، وَجُمْلَةُ الْأَوْصَافِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْإِمَامُ إلَخْ ثَمَانِيَةٌ: سِتَّةٌ مِنْهَا أَوْصَافٌ
الْبَحْرِ الْفَهَّامَةِ، شِهَابِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَحْمَدَ ابْن الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْفَهَانِيُّ الشَّهِيرُ بِأَبِي شُجَاعٍ، الْمُسَمَّى بِغَايَةِــ[حاشية البجيرمي] لِلْمُصَنِّفِ، وَالسَّابِعُ وَهُوَ الشَّهِيرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلْمُصَنِّفِ وَأَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلْمُخْتَصَرِ، وَالثَّامِنُ وَهُوَ الْمُسَمَّى وَصْفٌ لِلْمُخْتَصَرِ. قَوْلُهُ: (شِهَابُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ) أَيْ مُنَوِّرُهُمَا لِأَنَّ الشِّهَابَ فِي الْأَصْلِ الْكَوْكَبُ أَوْ مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا النُّورُ النَّاشِئُ عَنْ الْعِلْمِ فَشَبَّهَهُ الشَّيْخُ بِالشِّهَابِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُضِيئًا لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُحْرِقًا، فَهُوَ رضي الله عنه كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ فِي أَهْلِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَالْكَوْكَبِ فِي الْإِحْرَاقِ أَيْضًا فِي أَنَّهُ يَحْرُقُ مَنْ عَادَاهُ فِي الدُّنْيَا مَجَازًا. اهـ. فَاكِهِيٌّ.مَبْحَثُ تَقْدِيمِ الِاسْمِ عَلَى اللَّقَبِ وَعَكْسِهِ وَإِذَا اجْتَمَعَ الِاسْمُ وَاللَّقَبُ وَجَبَ تَأْخِيرُ اللَّقَبِ عَنْ الِاسْمِ عِنْدَ النُّحَاةِ مَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِاللَّقَبِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ هُنَا، فَإِنَّهُ قَدَّمَ اللَّقَبَ وَهُوَ شِهَابُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ لِاشْتِهَارِهِ بِهِ لِأَنَّهُ اُشْتُهِرَ تَلْقِيبُ كُلِّ مَنْ تَسَمَّى بِأَحْمَدَ بِشِهَابِ الدِّينِ، وَمَنْ تَسَمَّى مُحَمَّدًا بِشَمْسِ الدِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَوْلُ شَيْخِنَا الْمَدَابِغِيِّ: وَقَدَّمَهُ عَلَى الِاسْمِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُؤَرِّخِينَ فِيهِ تَأَمُّلٌ فَإِنَّ مُجَرَّدَ طَرِيقَةِ الْمُؤَرِّخِينَ لَا يَكْفِي فِي التَّقْدِيمِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ قَدَّمَهُ عَلَى الِاسْمِ لِاشْتِهَارِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [النساء: ١٥٧] وَقَوْلُ الشَّاطِبِيِّ " وقالون عِيسَى " وَشِهَابٌ بَدَلٌ مِنْ الْإِمَامِ وَكَذَا قَوْلُهُ أَحْمَدُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ بَدَلًا مِنْ شِهَابٍ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْإِبْدَالِ مِنْ الْبَدَلِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى كَوْنُهُ بَدَلًا آخَرَ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ عَلَيْهِ. [مَبْحَثُ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ ابْنِ]قَوْلُهُ: (ابْنُ الْحُسَيْنِ) اسْمُ أَبِيهِ.مَبْحَثُ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ ابْنِ وَابْنٌ إذَا وَقَعَ بَيْنَ عَلَمَيْنِ تَسْقُطُ أَلِفُهُ مَا لَمْ تَكُنْ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ، وَلَفْظُ الْحُسَيْنِ مَعْرِفَةٌ كَاسْمِ السَّيِّدِ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَدَخَلَتْ أَلْ عَلَيْهِ لِلَمْحِ الصِّفَةِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ:وَبَعْضُ الْأَعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلًاالْبَيْتَ. وَفِي سِيرَةِ الشَّامِيِّ أَنَّ أَلِفَ ابْنٍ تَثْبُتُ فِي تِسْعِ مَوَاضِعَ: إذَا أُضِيفَ إلَى مُضْمَرٍ كَهَذَا ابْنُك، أَوْ نُسِبَ إلَى الْأَبِ الْأَعْلَى كَقَوْلِك مُحَمَّدُ ابْنُ شِهَابٍ التَّابِعِيُّ فَشِهَابٌ جَدُّهُ، أَوْ أُضِيفَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ كَالْمِقْدَادِ ابْنِ الْأَسْوَدِ أَبُوهُ عَمْرٌو وَتَبَنَّاهُ الْأَسْوَدُ وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ فَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّهُ، أَوْ عُدِلَ عَنْ الصِّفَةِ إلَى الْخَبَرِ كَقَوْلِك أَظُنُّ مُحَمَّدًا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ إلَى الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِك هَلْ تَيْمُ ابْنُ مُرَّةَ، أَوْ ثُنِّيَ كَقَوْلِك زَيْدٌ وَعَمْرٌو ابْنَا مُحَمَّدٍ، أَوْ ذُكِرَ بِغَيْرِ اسْمٍ كَجَاءَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ كُتِبَ أَوَّلَ سَطْرٍ أَوْ اتَّصَلَ بِصِفَةٍ كَقَوْلِك زَيْدٌ الْفَاضِلُ ابْنُ عَمْرٍو.وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِثْلُ ابْنٍ ابْنَةٌ. وَقَدْ نَظَمَ الْعَلَّامَةُ الَأُجْهُورِيُّ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ فَقَالَ:احْذِفْ مِنْ ابْنٍ أَلِفًا إنْ وَقَعَا … فِي وَسَطِ اسْمَيْنِ تَكُنْ مُتَّبِعَاإلَّا إذَا أُضِيفَ لِلضَّمِيرِ … فَالْأَلِفَ اُكْتُبْ فِيهِ يَا سَمِيرِيوَمِثْلُهُ إنْ اسْمُهُ قَدْ حُذِفَا … كَأَكْرِمْ ابْنَ عُمَرَ مَنْ اَنْصَفَاقُلْت وَفِي اسْتِثْنَاءِ ذَيْنِ نَظَرُ … إذْ لَيْسَ بَيْنَ اسْمَيْنِ مَنْ يُذْكَرُكَذَاك مَكْتُوبٌ بِصَدْرِ السَّطْرِ … أَوْ مَا نِسْبَتُهُ لِجَدٍّ قَادِرٍ
الِاخْتِصَارِ: لَمَّا كَانَ مِنْ أَبْدَعِ مُخْتَصَرٍ فِي الْفِقْهِ صُنِّفَ، وَأَجْمَعِ مَوْضُوعٍ لَهُ فِيهِ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِهِ أُلِّفَ، الْتَمَسَ مِنِّيــ[حاشية البجيرمي] أَوْ مَنْ لِغَيْرِ أَبِيهِ قَدْ انْتَسَبْ … كَخَالِهِ فَالْحُكْمُ لَهُ وَجَبْوَمَا بِهِ لِصِفَةٍ قَدْ عَدَلَا … لِخَبَرٍ كَذَلِكَ اللَّذَ فَصَلَامَوْصُوفُهُ مِنْهُ وَمَا يُثَنَّى … أَوْ عَدْلُ الِاسْتِفْهَامِ صَدَّ عَنَّاقَدْ قَالَ ذَا الشَّامِيُّ وَبَعْضُ ابْنِهْ … كَالِابْنِ فِي ذَا وَعَلَيْهِ الْعُهْدَهْقَوْلُهُ: (الْأَصْفَهَانِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ الْفَاءِ أَوْ الْبَاءِ نِسْبَةٌ إلَى أَصْفَهَانَ بَلَدِهِ أَوْ بَلَدِ جَدِّهِ، وَهِيَ بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَزَلَ بِهَا أَصْبَهَانُ بْنُ فَلُّوحٍ بْنِ الْمَطِيِّ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ عليه السلام. قَوْلُهُ: (الشَّهِيرَ بِأَبِي شُجَاعٍ) بِالنَّصْبِ نَعْتٌ لِمُخْتَصَرٍ، وَبِالْجَرِّ نَعْتٌ لِأَحْمَدَ، وَبِالرَّفْعِ نَعْتٌ مَقْطُوعٌ. وَقَوْلُهُ: (الْمُسَمَّى بِغَايَةِ الِاخْتِصَارِ) نَعْتٌ لِمُخْتَصَرٍ فَقَطْ وَعَدَّى سَمَّى بِالْبَاءِ وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ أَيْضًا، وَجُمْلَةُ لَمَّا كَانَ خَبَرُ إنَّ وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ إلَى مُخْتَصَرٍ، وَخَبَرُهَا مِنْ أَبْدَعِ أَيْ أَحْسَنِ الْمُخْتَصَرَاتِ إذْ الْإِبْدَاعُ فِي الْأَصْلِ الِاخْتِرَاعُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ وَيَلْزَمُهُ الْحُسْنُ وَمِنْهُ {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة: ١١٧] وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ مُخْتَرَعٌ بِالنِّسْبَةِ لِأَلْفَاظِهِ وَتَرَاكِيبِهِ وَهَيْئَتِهِ الْمَجْمُوعَةِ، فَإِنَّهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مِثَالٌ يَكُونُ هَذَا عَلَى نَمَطِهِ وَشَكْلِهِ. اهـ. أُجْهُورِيٌّ.(فَائِدَةٌ) : قَالَ الدِّيرِيّ: عَاشَ الْقَاضِي أَبُو شُجَاعٍ مِائَةً وَسِتِّينَ سَنَةً وَلَمْ يَخْتَلَّ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: مَا عَصَيْت اللَّهَ بِعُضْوٍ مِنْهَا، فَلَمَّا حَفِظْتهَا فِي الصِّغَرِ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ حَفِظَهَا اللَّهُ فِي الْكِبَرِ. وَفِي كَلَامِ الْبُولَاقِيِّ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ. وَوُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَتَوَلَّى الْوَزَارَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ، فَنَشَرَ الْعَدْلَ وَالدِّينَ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ وَيَقْرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا أَمْكَنَهُ، وَلَا يَأْخُذُهُ فِي الْحَقِّ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَكَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَنْفَارٍ يُفَرِّقُونَ عَلَى النَّاسِ الصَّدَقَاتِ أَيْ الزَّكَوَاتِ، وَيُتْحِفُونَهُمْ أَيْ يُعْطُونَهُمْ الْهِبَاتِ يَصْرِفُ عَلَى يَدِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ مِائَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَعَمَّ إنْعَامُهُ الصَّالِحِينَ وَالْأَخْيَارَ، ثُمَّ زَهِدَ الدُّنْيَا وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ الشَّرِيفَ وَيَفْرِشُ الْحُصْرَ وَيُشْعِلُ الْمَصَابِيحَ إلَى أَنْ مَاتَ أَحَدُ خَدَمَةِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ فَأَخَذَ وَظِيفَتَهُ إلَى أَنْ مَاتَ وَدُفِنَ بِمَسْجِدِهِ الَّذِي بَنَاهُ عِنْدَ بَابِ جِبْرِيلَ أَيْ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ مِنْهُ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَأْسُهُ بِالْقُرْبِ مِنْ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ وَهِيَ جِهَةُ الْبَقِيعِ الْقَرِيبِ.قَوْلُهُ: (فِي الْفِقْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ صُنِّفَ قَدَّمَهُ لِلسَّجْعِ، وَجُمْلَةُ صُنِّفَ فِي مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ لِمُخْتَصَرٍ، يَعْنِي أَنَّ الْمُخْتَصَرَاتِ الَّتِي فِي الْفِقْهِ كَثِيرَةٌ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِهَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ:أَيَا مَنْ رَامَ نَفْعًا مُسْتَمِرًّا … لِيَحْظَى بِارْتِفَاعٍ وَانْتِفَاعٍتَقَرَّبْ لِلْعُلُومِ وَكُنْ شُجَاعًا … بِتَقْرِيبِ الْإِمَامِ أَبِي شُجَاعٍوَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الْفِقْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ عِلْمَ الْفِقْهِ بِمِصْرٍ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ح ف.قَوْلُهُ: (وَأَجْمَعِ مَوْضُوعٍ) أَيْ أَكْثَرَ جَمْعًا لِلْمَسَائِلِ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ وُضِعَ لِلتَّصْنِيفِ فِي الْفِقْهِ مُؤَلَّفٌ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِ ذَلِكَ الْمُخْتَصَرِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهُ رَاجِعٌ لِلتَّصْنِيفِ الْمَأْخُوذِ مِنْ صُنِّفَ، وَفِي فِيهِ رَاجِعٌ لِلْفِقْهِ، وَفِي حَجْمِهِ لِلْمُخْتَصَرِ، وَالتَّقْدِيرُ وَأَكْثَرَ جَمْعًا وُضِعَ لِمَسَائِلِ التَّصْنِيفِ فِي الْفِقْهِ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِ الْمُخْتَصَرِ اهـ اج. وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ أَيْ أَكْثَرِ جَمْعًا لِلْمَسَائِلِ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ وُضِعَ