بحر المذهب للروياني (عَبْد الواحِد الرُّوْياني) القسم: الفقه الشافعي الكتاب: بحر المذهب (في فروع المذهب الشافعي) المؤلف: الروياني، أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل (ت ٥٠٢ هـ)المحقق: طارق فتحي السيد الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى، ٢٠٠٩ معدد الأجزاء: ١٤أعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بحر المذهبفي فروع مذهب الإمام الشافعيرضي الله عنه تأليفالشيخ الإمام أبي المحاسنعبد الواحد بن إسماعيل الرُّويانيالمتوفي سنة ٥٠٢ هـ تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الأولدار الكتب العلميةبيروت - لبنان
الكتاب: بحر المذهب … Title: BAHR AL - MADHABالتصنيف: فقه شافعي … Classification: Shafeit jurisprudenceالمؤلف: الإمام أبو المحاسن الروياني Author: Imàm Abu al-Mahàsin al-R?yàniالمحقق: طارق فتحي السيد … Editor: Tariq Fathi al-Sayyidالناشر: دار الكتب العلمية - بيروت … Publisher: Dar Al-Kotob Al-ilmiayhعدد الصفحات: ٧٢٣٢ (١٤ جزءًا) … Size: ١٧ * ٢٤سنة الطباعة: ٢٠٠٩ … Year: ٢٠٠٩ … بلد الطباعة: لبنان … Printed in: Lebanonالطبعة: الأولى … Edition: ١ st …Exclusive rights by © Dar Al-Kotob Al-llmiyah … DKIBeirut-Lebanon No part of this publication may be translated، reproduced. distributed in any form or by any means. or stored in a data base or retrieval system. without the prior written permission of the publisher. … Dar Al - KotobTous droits Exclusivement réservés à © Dar Al-Kotob Al-llmiyah … Al - ilmiyahBeyrouth-Liban Toute representation، édition، traduction ou reproduction méme precede partielle، par tous، en tous pays، Faite sans autorisation préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à des poursuites judiciaires. … جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا.
بسم الله الرحمن الرحيم باب صفة الصلاةمَسْأَلُة: قال: (وإذا أحرم إمامًا، أو وحده نوى صلاته في حال التكبير لا قبله ولا بعده).وهذا كما قال: لا تصح الصلاة إلا بنية. والأصل فيها ما تقدم من الآية والخبر، فإذا ثبت ذلك، فإن الكلام فيها في ثلاثة فصول في محّلها وكيفيتها ووقتها.فأما محّلها فالقلب، فإن نوى بقلبه ونطَق بلسانه، فهو الكمال، وهذا إذا نطق قبل التكبير، ثم كبرّ ناويًا، وإن نطق بلسانه بهما، ولم ينِو بقلبه لم يعتد بهما، وإن نوى بقلبه، ولم ينطق بلسانه أجزأته.ومن أصحابنا من سها، فقال: لا تجزئه حتى ينطق بلسانه، لأن الشافعي رحمه الله، قال في كتاب الحج: (وليس عليه أن يسمي حجًا ولا عمرة، وليس كالصلاة التي لا تصحّ إلا بالنطق)، وهذا غلٌط، لأن الشافعي قصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لا بدّ مع النية في الحج من التلبية أو سوق الهدي حتى ينعقد، وأراد بالنطق في الصلاة التكبير لا التلفظ بالنية.وأما كيفية النية، قال في (الأم): وكان على المصّلي في كل صلاٍة واجبة أن يصّليها وينويها بعينها فأوجب تعيين النّية [٥٧ أ/ ٢]. واختلف أصحابنا في ذلك، فقال أبو إسحق رحمه الله: عليه أن ينوي ثلاثة أشياء: الفعل والتعيين والفرض.فالفعل أصلي، والتعيين قوله: الظهر أو العصر، والفرض قوله: فرض، قال ابن أبي هريرة رحمه الله: يكفيه أن ينوي الفعل والتعيين، فينوي صلاة الظهر، ولا يحتاج إلى نية الفرض، لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فريضة فاستغنى عن نية الفرض. وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، ولأن الصبي إذا صلّى بنية صلاة الوقت، ثم بلغ أجزأه، وإن لم يكن نوى الفريضة. ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن من أعاد الصلاة في جماعة ينوي صلاة الوقت، ولا يكون فرضًا، وكذلك الصبي مأمور بأن يصّلي ينوي صلاة الوقت، ولا يكون فرضًا، والأشهر قول أبي إسحق، ولكن قول ابن أبي هريرة أصح في القياس.وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحتاج أن ينوي فرض الوقت ليتميز عن القضاء، ولم يذكره أهل العراق، أو يقول: أؤدي صلاة الظهر فريضة، وقيل: يحتاج أن ينوي لله
تعالى، وهو ضعيف، وهذا لإظهار الإخلاص. والمذهب أنه يستحب ذلك، لأنها لا تكون إلا لله تعالى.فَرْعٌلو قال: نويت أداء فرض الظهر، ولم يقل: فريضة صلاة الظهر، فيه وجهان:أحدهما: لا يجوز لأن الظهر اسم الوقت لا العبادة.والثاني: يجوز لأن الظهر في الُعرف اسم الصلاة والمفهوم عند الإطلاق اسم العبادة لا الوقت.فَرْعٌ آخرُقال بعض أصحابنا: نية الأداء مأمور بها في ظاهر المذهب لأن الصلاة تنقسم إلى قضاء وأداء وعلى هذا لو قال: نويت أن أصلي فريضة صلاة الوقت، ولم يقيد بالأداء لا يجوز، والتقييد بفرض الوقت لا يقوم مقامه، لأنه يتصور صلاة في الوقت وتكون قضاء، وهو إذا شرع في الصلاة ثم أفسدها ثم أراد أن يصّلي ثانيًا، فهو قضاٌء [٥٧ ب/ ٢]، ويظهر لمسألتين:أحديهما: مقيٌم شرع فيها ثم أفسدها، ثم سافر لا يقصرها.والثانية، مسافٌر نوى الإتمام، أو اقتدى بمقيم، ثم أفسدها لا يجوز له القصر فلو لم يكن قضاء لا يلزمه الإتمام، لأن القصر جاز للمسافر بلا خلاف.فَرْعٌ آخرُلو قال: على ما ذكرنا أقضي صلاة فريضة الوقت، فيه وجهان:أحدهما: لا يجوز لأن بين القضاء والأداء اختلافًا في الحكم، فإن لم يكن في الفعل فلا بدّ من التمييز. وظاهر نصّ الشافعي: يجوز لأن القضاء يعّبر عنه بالأداء في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: ١٠] الآية، أراد: أديت. وقيل: العبارات على ثلاثة أضرب:أحدها: ما يكفي فيه نية الفعل فقط، وهو الحّج والعمرة والطهارة.والثاني: ما يكفي فيه الفعل والفرض من غير تعيين، وهو الزكاة والكفارة.والثالث: ما يفتقر إلى نية الفعل والفرض والتعيين، وهو الصلاة ونحوها، وبماذا يحصل بأدائها بهذه الثلاثة؟.قال أبو إسحق: بأن ينوي ثلاثة أشياء. وقال ابن أبي هريرة: يحصل بأن ينوي شيئين. وأما نية استقبال القبلة لا يشترط بل إذا علم قبل التكبير أنه مستقل القبلة كفاه، ولا يجوز أن يعتقد أنه غير مستقبل لها. وقيل: نية الاستقبال شرٌط، وليس بشيء، ونية أعداد الركعات لا يشترط.وقال بعض أصحابنا بخراسان: تستحبّ. وفيه نظٌر. وأما في الفائتة. قال بعض أصحابنا: يحتاج أن ينوي أربعة أشياء: الفعل، والفرض، والتعيين، والفوات ليتميز من
الأداء. نصّ عليه في (الأم)، وهذا اختيار أبي حامد. وقال القاضي الطبري: هذا خلاف نصّ الشافعي؛ لأنه قال: ولو صلّى في يوم غيم ثّم بان أنه صلّى بعد الوقت أجزأه، وإن لم يكن نوى الفائتة. وهذا قال في الأسير: إذا تحرى صوم رمضان فبان أنه صام شوالًا أجزأه، ولم ينِو القضاء، وكذلك لو اعتقد [٥٨ أ/ ٢] أن وقت الصلاة فات فنوى القضاء، ثم بان أن الوقت ما فات أجزأه فبان أن نية القضاء والأداء لا تجب.ويمكن أن يجاب عن هذا فنقول: ههنا نوى صلاة وقت بعينه، وهو ظهر هذا اليوم، فكيف وقعت أجزأته سواًء وقعت أداًء؛ أو قضاًء، لأنه غير وقت وجوبها وجرى مجرى من نوى صلاة أمس تجزئه، وإن لم ينِو القضاء، وإنما يتصور الخلاف فيمن كانت عليه فائتة الظهر، فصلّى في وقت الظهر ينوي صلاة الظهر الفريضة، فإن هذه الصلاة تقع بحكم الوقت، فإن نسي أنه صلاها، فصلّى ثانيًا ينوي صلاة الظهر الفريضة على ما ذكره أبو حاحد لا تجزئه عن القضاء، وتقع نافلًة وعلى ما قاله القاضي تجزيه، ويلزمه أن يقول فيمن صلّى الظهر قبل الوقت معتقدًا أن الوقت قد دخل ولم يكن قد دخل أنها ُتجزئه عن فائتة الظهر. وفي هذا نظٌر، لأنه إذا اعتقد دخول الوقت فقد عين ظهر ذلك اليوم، فلا يلزمه هذا.وأما من صلّى في غير وقت الظهر ونوى الظهر الفريضة، وهو عالم بالوقت، فلا بدّ أن يكون عالمًا بسبب الوجوب، وهو فوات الظهر في وقتها فقد تضمنت نيته القضاء ومثل ما صورناه في الصلاة لا يتصور في الصوم، لأنه لا يقضيه إلا في غير زمانه، فإذا نواه عن رمضان فقد تضمن نية القضاء، ووجه قول أبي حامد أنه لم ينِو بهذه الصلاة الظهر التي تركها، فلا تجزئه كما لو لم ينو الظهر. ووجه القول الآخر أنه أتي في قضائها ما كان لزمه في الأداء فأجزأه، كسائر الأفعال ذكره صاحب (الشامل)، وما قاله القاضي أصح عندي، وإن كان يصّلي جماعة فنية الإقتداء شرط ليحوز فضيلة الجماعة، وكذلك نية الإمامة شرط إن أراد حيازة فضيلة الجماعة.فَرْعٌإذا لم ينِو الجماعة هل تصح صلاته منفردًا؟ فيه وجهان! [٥٨ ب/ ٢]أحدهما: يصحّ لأنه أتى بجميع أركانها.والثاني: لا يصحّ لأنه ينتظر في أركانها من ليس بإماٍم له فيبطلها.فَرْعٌ آخرُإذا لم ينِو الإمامة، هل تكون صلاته جماعة؟ وجهان:أحدهما: لا تكون.والثاني: تكون، لأن سبب الفضيلة اجتماع القوم على العبادة، ولهذا تزداد الفضيلة بزيادة الجماعة، وإن لم يكن للإمام ولا لأحد المأمومين قصد فيه تظهر فائدته إذا لم ينِو الإمامة في صلاة الجمعة، فإن قلنا: صلاته جماعة تصحّ جمعته، وإن قلنا: صلاته انفراد لا تصحّ جمعته.
فَرْعٌ آخرُقال بعض أصحابنا: يشترط في الجمعة شرطان زائدان نية الاقتداء وتقييد النية بما يتميز عن الظهر الذي هو فرض الوقت في سائر الأيام بأن يقول: أصّلي صلاة الجمعة فرض الوقت، أو يقول: الصلاة المفروضة ركعتين، ونية القصر عند الافتتاح شرٌط ليجوز له القصر. وأما صلاة النافلة، فعلى ضربين: مقيدة وغير مقيدة، فالمقيدة كصلاة العيدين والخسوف والكسوف، وصلاة الاستسقاء وقيام رمضان والوتر وركعتي الفجر، فهذه الصلوات لا تقع إلا بنيتها، فيلزمه أن ينوي الفعل، والتقييد.وأما غير المقيدة مثل صلاة الليل وسائر النوافل يكفيه أن ينوي الفعل فقط. ومن أصحابنا من قال في النوافل الراتبة في الصلوات الخمس يلزم التقييد، وهذا َاقَيُس عندي وليس بمشهور. ومن أصحابنا من قال: في جمع النوافل المرتبة مع الفرائض سوى ركعتي الفجر يكفيه نية الفعل، لأن فعلها قبل الفريضة وبعدها يغني عن تقييدها وتخالف ركعتي الفجر، لأنها تقع سابقة للصلاة في أول طلوع الفجر، وإن صلّى الفريضة في آخره، ويصليها بعد الفريضة أيضًا إذا تركها، وهذا ضعيٌف عندي، لأن النوافل الراتبة وسواها في هذا المعنى سواء، وهذه النوافل مزية على غيرها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سّنها وواظب على فعلها، فلا بدّ من تعيينها.وأما وقت النية [٥٩ أ/ ٢] في الإحرام لا قبله ولا بعده، فيحتاج أن تكون نيته مقارنة لجميع التكبير، ولو قدمها واستصحبها إلى حال التكبير جاز، والحكم للنية المقارنة، ولو أتى بتمام النية مع ابتداء التكبير واستصحبها إلى آخره أجزأه، وإن لم يستصحب ذكرها إلى آخر التكبير لم ُيْجِز، فإن قيل: هلّا قلتم: إنه إذا نوى مع أول جزء من التكبير أجزأه، لأنه عندكم من الصلاة كما قلتم فيمن ينوي الطهارة مع أول جزء من وجهه أجزأه؟ قلنا: لأن في الطهارة كل جزء منها سقط به الفرض عن محله، فإذا نوى عن أول جزء منها أجزأه، وههنا الصلاة عقد ينعقد لجمح لفظ التكبير، وإذا أتّمه يدخل به في الصلاة وانعقدت به، فيلزمه أن لا يعري شيئًا منه عن النية.ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يأتي بجميع النية مع ابتداء التكبير، لأن النية لحظة، وهذا غلٌط. وأما قول الشافعي رحمه الله: (لا قبله) لم يرد به أنه لا يجوز أن ينوي قبل التكبير، بل أراد: لا ينوي قبله ويقطع قبل التكبير، وكذلك قوله: ولا بعده لم يرد أنه لا يجوز استدامة النية بعد التكبير، بل أراد: لا يجوز إنشاؤها بعد التكبير وقصد به الرّد على أبى حنيفة حيث قال: إذا نوى قبل التكبير بلحظة يجوز، وبه قال أحمد، وهذا لأن عبادات الأبدان مبنية على أن نيتها تقارن الشروع فيها، إلا في النية في الصوم للضرورة بدليل الحّج وغيره.وروى الطحاوي والكرخي عن أبي حنيفة مثل مذهبنا، وقال داود: يلزمه أن يقدم النية على التكبير لئلا يعرى جزء منها عن النية، وهذا غلٌط لأنا نوجب أن يقارن جميع النية ابتداء التكبير، فلا يخلو جٌزء منها عن النية. وقال القفال: قال المتقدمون من أصحابنا: يلزمه أن
ينوي ابتداء النية مع ابتداء التكبير وانتهائها مع انتهائه، لأن الشافعي رحمه الله، قال: (لا قبله ولا بعده)، وهذا لا يصحّ، لأن النية ليست شيئًا يمتد حتى لو فعل [٥٩ ب/ ٢] هكذا، بطلت صلاته. والأصح أن يأتي بجميع النية قبل التكبير ويستصحبها حتى يفرغ من التكبير، لأنه إنما يصير داخلًا في الصلاة بالفراغ من التكبير، وهذا صحيح موافق لما ذكرناه.فَرْعٌ آخرُلو تراخى بعض النية عن آخر حرٍف من حروف التكبير لم تجز صلاته، ولو نوى بعض النية قبل التكبير وأتمها مع التكبير لم تجز أيضًا، ولو نوى كلها قبل التكبير وكلها مع التكبير يجوز.فَرْعٌ آخرُإذا نوى على ما ذكرنا لا يلزمه استصحاب ذكرها إلى آخر الصلاة ولو عزبت نيته جازت صلاته لأنا لو كلفناه. ذكرها إلى آخرها أّدى إلى المشقة ويلزمه استصحاب حكمها حتى لا يغيرها، فإن َغيرها ُنِظر، فإن اعتقد أنه يقطعها أو أنه سيقطعها قبل الفراغ منها أو تفكر على أن يقطعها أم لا؟ بطلت صلاته، لأنه زالت نيته عن الُمضَّي فيها، فأشبه إذا سلم ونوى الخروج.وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله لا تبطل قياسًا على الحّج، وهذا غلط، لأن الحج لا يقبل القطع بخلاف الصلاة، ولو قال: سأخرج إن لقيت فلانًا هل تبطل صلاته في الحال؟ وجهان، وقيل: وجه واحٌد لا تبطل.فَرْعٌ آخرُلو نوى في الابتداء مثل هذا لم تنعقد صلاته خلافًا لأبي حنيفة، وهذا لأنه لم يقطع النية الواجبة عليه.فَرْعٌ آخرُلو شك هل نوى الخروج منها أم لا؟ ُنِظر فإن تذكر في الحال مضى في صلاته، وإن تذّكر بعد ما انتقل من ركٍن إلى ركٍن بعد الشك بطلت صلاته لأن العمل الذي يأتي به في حال الشك لا يحسب، ولو شاك هل دخلها بنية صحيحة أم لا؟ فإن ذكر قبل أن ُيْحِدث عملًا جاز، والعمل مثل القراءة، أو الركوع أو السجود، وإن ذكر بعد أن طال الأمر، وبعد أن عمل شيئًا من هذا بطلت صلاته، فإن قيل: وإن لم يعمل عملًا فهو متلبٌس بالصلاة، وقد مضى جزء منها مع الشك في النية فوجب أن تبطل، قلنا: ذلك الجزء لو حلّت منه الصلاة لجاز بخلاف الأفعال التي ذكرناها، فعفي عن الشك فيه.فإن قيل: َأَلْيَس لو شّك المسافر أنه نوى القصر أو الإتمام وطال الفصل، ثم تذّكر [٦٠ أ/ ٢] فصلاته جائٌزة، ويلزمه الإتماُم، وإن تذّكر في الحال، يلزمه الإتمام أيضًا، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن ما مضى في حال الشّك محسوب من صلاته، ولكن إتمامًا لا قصرًا، وإذا لزم الإتمام في جزء لزم في الكل كما لو نوى الإتمام قبيل التسليم،
فلهذا لم يُجز القصر وههنا ذلك القدر لم يحسب من صلاته فُجعل كأن لم يكن ثم جازت صلاته حين لم يبطل الفصل، فلهذا لم نبطلها.فَرْعٌ آخرُلو عزبت نيته عن الصلاة التي هو فيها، فاعتقد أنه في غيرها كالفائتة أو صلاة الوقت، ثم ذكر التي دخل بها. قال في (الأم): لا يجزئه ما انتقل إليه، وقال أبو حامد: لا يجزئه ما انتقل عنه، وإن كان ساهيًا وإن تذكر ذلك، وهو في الصلاة.سمعت بعض أصحابنا يقول: يعيد ما أدّى بالنّية الثانية ويسجد للسهو، وإن طال مثل أن يصلي ركعتين من الظهر بنية الظهر، ثم صلّى ركعتين منه بنية العصر، ثم تذّكر يعيد ركعتين بنية الظهر، وهذا صحح عندي.فَرْعٌ آخرُلو غّير النية إلى غيرها عمدًا، فإن كان إلى فريضة أخرى لم تجز كلتاهما، لأن الصلاة الأولى بطلت بقطع نيتها ولم يصحّ الصلاة الثانية، لأنه لم ينوها من أول صلاته، وكذلك لو صرفها من القضاء إلى الأداء أو من الأداء إلى القضاء.وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تبطل، أو تصير نفلًا؟ قولان، وليس بمشهور.فَرْعٌ آخرُلو غيرها إلى نفٍل قال في (الأم): لا يجوز، وقال في باب اختلاف نية المأموم والإمام، ومن أحرم في مسجد أو غيره، ثم جاء الإمام فتقّدم بجماعة، فأحّب أن يكمل ركعتين تكونان له نافلًة. فالمسألة على قولين:أحدهما، لا يجوز، لأنه لم ينو النفل في جميع الصلاة، وهذا أصح.والثاني، يجوز، لأن نية النفل دخلت في نية الفرض، وهو نية الصلاة، فقد حصلت نية النفل في جميع الصلاة ألا ترى أن من نوى صلاة قبل دخول وقتها انعقدت نافلًة لوجود نية النفل [٦٠ ب/ ٢] في نّية الفرض؟ ومن أصحابنا من قال: قوٌل واحٌد، أنه لا يجوز. وقوله: تكونان له نافلًة إنما أجاز لفرٍض صحيح، وهو أن يحصل له الجماعة في الفرضية، فإذا لم يكن هذا الفرض فلا يجوز، ولأن الشافعي قال: تكونان له نافلة بفعله شرعًا لا بتعين نيته ولو نقلها إلى نافلٍة معنيٍة كركعتي الفجر ونحوهما لا تجوز قولًا واحدًا.فَرْعٌ آخرُقال القفّال: وكذلك لو أن مريضًا كان يصلي بقوم فوجد قوة القيام عليه أن يقوم، فإن لم يفعل، قال الشافعي: بطلت صلاته، وكذلك صلاة من خلفه وعلم بحاله. وقال: قال أصحابنا، هل تبطل أو تصير نفلًا؟ قولان. وكذلك لو كبرّ للفرض قاعدًا مع
القدرة على القيام وأحرم بالظهر قبل الزوال مع العلم. قال: وعلى هذا لو أحرم بالحج قل أشهر الحج، هل يبطل أو ينعقد عمرًة؟ قولان.فَرْعٌ آخرُلو شرع في الجمعة بنية الظهر لم َيُحز، ولو شرع في الظهر بنية الجمعة، قال القفال: فيه وجهان بناًء على أنها ظهٌر مقصورٌة أو فرض مبتدأ، وفيه قولان.فَرْعٌ آخرُلو كان في نافٍلة فنقلها إلى فريضٍة لم تجز التي انتقل عنها، ولا التي انتقل إليها، والفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها على أحد القولين، أن نية الصلاة تكفي للنفل، فإذا ترك ما زاد على هذه النية لا يمنع أن يكون نفلًا محسوبًا بخلاف الفرض، فإنه لا يجوز إلا بنية معينة في ابتدائه.فَرْعٌ آخرُقال في (الأم): (إذا فاتته صلاة لا يدري أهي الظهر أم العصر أو غيرها، فكبر ينوي الصلاة الفائتة لم تجزءه لأنه لم يقصد الفائتة قصد صلاٍة بعينها). وهذا صحح، ويلزمه أن يأتي بالصلوات الخمس، وقال المزني رحمه الله: القياس عندي، والله أعلم. أنه يجزئه أربع ركعات ينوي بها ما عليه يجهر في الأوليين ثم يجلس بعد الثالثة أيضًا، فإن كانت عليه الصبح فقد صلاها وزاد فيها ركعتين على وجه الشك والنسيان، [٦١ أ/ ٢] فتجري مجرى من صلّى الصبح أربعًا، ناسيًا فإنها تجزئه وتسقط، الزيادة وإن كانت مغربًا، فقد زاد ركعًة بعد أن تشهد لها التشهد الأخير على وجه السهو كما ذكرنا، وإن كانت ظهرًا، أو عصرًا، أو عشاًء فقد أتى بها وزاد تشهدًا احتياطًا كمن شّك في صلاته فأتى بركعٍة زائدٍة وجهر بالقراءة فلا تضر صلاته وإنما أمره بالجهر، لأن الجهر في ثلاث صلوات من الخمس وذلك أكثرها قال المزني: وهو كما لو كان عليه كّفارة ولم يعلم من أي جهة أجزأه أن يعتق رقبة ينوي بها الكفارة كذلك ههنا، وهذا غلط، لأنه بتعيين النية وتعيينها واجٌب في الأداِء فلم يجز تركها في القضاء، ويفارق الكفارة لأن تعيينها لا يجب في الأداء، فلم يجب في القضاء، وأما تشبيهه سهوًا، لا يصحّ لان ذلك يقع، ولا يمكن الاحتراز منه، لأنا نأمن مثله في القضاء وههنا يمكن الاحتراز بأن يأتي جميع الصلوات الخمس فيلزمه ذلك.فَرْعٌقال في (الأم): (ولو فاتته الظهر والعصر، فدخل في الصلاة ينوي بها الظهر والعصر لم يجزه) لأن تشريكه بين الصلاتين يمنع وقوع التعيين بأحدهما. وقال أيضًا: لو دخل نّيته أحديهما ثم شك فلم يدِر آيتهما نوى لم يجزئه على يقين من التي نواها.
فَرْعٌ آخرُلو كبرّ لافتتاح الصلاة ثم كبر مرًة أخرى، قال صاحب (التلخيص): بطلت صلاته، فإن كبرّ ثالثة جاز فإن كبرّ رابعة بطلت. قال أصحابنا: هذا بشرطين:أحدهما: أن يقصد محل تكبيرة الافتتاح.والثاني: أن لا ينوي الخروج من الصلاة قبل التكبير الثاني فإن نوى ذلك صّح خروجه ثم إذا كبرّ الثانية صّح افتتاحه.فَرْعٌ آخرُقال والدي رحمه الله: لو صلّى أرع ركعاٍت ظهرًا بنية الفاقة ولم يعلم أن عليه ذلك ثم علم أنه كان عليه ذلك هل يجوز عن فرضه الفائت؟ ينبغي أنه يجوز [٦١ ب/ ٢] لأّن بالإجماع لو صلّى الظهر وفرغ منه، ثم شّك في بعض فرائضه يستحب له الإعادة بنية الفرض، فلولا أن الأولى إذا تبين فساده تقع الثانية عن فرضه، لم يكن للإعادة معنًى، وبان ذلك أن شّكه في وجوبه عليه لا يمنع صحة فعله، وقد صّح أيضًا أن من نسي صلاة من خمس صلوات يؤديها كلها، وفي كل صلاة منها لا يعلم أنها واجبة عليه بنيتها، فبان بهذا أن هذه المعرفة لا تكون شرطًا، إنما يؤديه من الصلوات.مَسْألةٌ: قال: (ولا يجزئه إلا قوله: الله أكبر، أو الله أكبر)، وهذا كما قال. اختلف العلماء فيما تنعقد به الصلاة على خمسة مذاهب، فعندنا لا تنعقد إلا بالتكبير مع القدرة، والتكبير قوله: الله أكبر لا غير ونقل المزني رحمه الله لا تنعقد إلا بقوله؛ الله أكبر، أو الله الأكبر، وهو عبارة عامة أصحابنا، وص غلٌط لأن الشافعي رحمه الله نصّ في (الأم): إذا قال: الله الأكبر، انعقدت صلاته بما فيه من قوله: الله أكبر، والألف واللام زيادتان لا ُيخلان بالمعنى ولا تنعقد بما عدا هذا من الألفاظ.وبه قال ابن مسعود، وطاوس، والثوري، وداود، وإسحاق رحمهم الله، وقال مالك وأحمد رحمهما الله: لا تنعقد إلا بقوله: الله أكبر، ولو قال: الله الأكبر لا تجوز صلاته.وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تنعقد بكل اسم لله تعالى علي وجه التعظيم كقوله: الله العظيم أو الجليل، وبقوله: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، ولو قال: الله أو الرحمن من غير وصٍف، فيه روايتان.روى الحسن بن زياد: أنه يجوز، وظاهر رواية الأصول أنه لا يجوز من دون ذكر الصفة ووافقنا أنه لو قال: على وجه النداء: يا الله، لم تنعقد. وبه قال النخعي، والحكم، وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة أنه قال: أكره أن تنعقد الصلاة بغير قوله: [٦٢ أ/ ٢] الله أكبر. وقال أبو يوسف: تنعقد بلفظ التكبير خاصة، فلو قال: الله الكبير أجزأه، ولا تنعقد بما عداه.
وقال الزهري: تنعقد بمجرد النية من غير لفٍظ، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسلم)، فدّل على أنها لا تنعقد بغير التكبير. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه)، الخبر إلى أن قال: (ثم يستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر)، لأن في قوله: الله أكبر معنى العِظم والقِدم قبل كّل شيء، وهذا لا يحصل بغير هذا اللفظ.واحتّج مالك رحمه الله بأنه عدل عن قوله: الله أكبر، فلا يجوز، قلنا: قوله: الله الأكبر لم يتغير عن نيته ومعناه؛ لأن لام التعريف الزائدة لا تنقص معناه بل تفيد التعريف كقول القائل رجل، والرجل فجرئ مجرى قوله: الله أكبر كبيرًا ونحو ذلك.واحتّج الزهري، بأنه يكفي للشروع في العبادة النية كما في الحّج والصوم. قلنا في الأصل: لا يجب النطق في الانتهاء، فلا يجب النطق في الأول بخلاف الصلاة.فَرْعٌ آخرُقال في (الأم): (لو قال: الله أكبر من كل شيء وأعظم، واش أكبر كبيرًا فقد كبرّ وزاد شيئًا، فهو داخل في الصلاة بالتكبير والزيادة نافلٌة) كما لو أتى بالقدر الواجب من القراءة وزاد عليها.وروى جبير بن مطعم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل في الصلاة، وقال: والله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمد هـ كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه ونفثه).قال عمرو بن مرة راويه: همزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر.فَرْعٌ آخرُلو أتى من ذكر الله تعالى بين التكبير شيئًا من صفات الله تعالى ومدحه كقوله: الله، لا إله إلا هو أكبر، أو الله عز وجل أكبر، أجزأه، ولكنه لا يستحب، وإن كان طويلًا بحيث يجعل بين الذكرين [٦٢ ب/ ٢] مفصولًا، مثل قوله: الله لا إله إلا هو، وحده لا شريك له أكبر، لا يجوز، لأنه خرج عن حّد التكبير إلى الثناء والتهليل، ذكره في (الحاوي).فَرْعٌ آخرُلو نقص من التكبير حرفً لم يكن داخلًا في الصلاة إلا بكمال التكبير، قال: ولو
أبقى من التكبير حرفًا، فأتى به، وهو راكٌع، أو منحٍن، ولم ينطق بالراء إلا راكعًا، لم يكن داخلًا في الصلاة المكتوبة، وكان داخلًا في النافلة، لأن القيام في التكبير للمكتوبة واجٌب، وغير واجٍب للنافلة، وإذا أتم التكبير للنافلة، وقد زال عن حّد القيام أجزأه. وهذه المسألة تتصور في المأموم إذا أدرك المأموم الإمام راكعًا فكبرّ ودخل معه في الركوع.فَرْعٌ آخرُالتكبير عندنا من الصلاة، وهو أول الصلاة. نصّ عليه في (الإملاء). وقال بعض أصحابنا: التكبير أول الصلاة، وبالفراغ منه يدخل فيها، وهذا غير صحيح بل يجب أن يدخل في الصلاة بأول التكبير مع النية حتى يصحّ قولنا: التكبيرتين من الصلاة.وقال أبو حنيفة رحمه الله: ما يدّل على أنه ليس من الصلاة، بل يشرع به في الصلاة، وهذا غلٌط لقوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير)، ولأن العبادة إذا افتتحت بالتكبير كان منها كالأذان.فَرْعٌ آخرُلو قال: الكبير الله، قال في (الأم): لم أره داخلًا في الصلاة ولا يختلف المذهب فيه، ولو قال: الأكبر الله، أو أكبر الله، هل تنعقد صلاته؟. اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: تنعقد لأن تقديم النعت على الاسم أبلغ في التعظيم، لأن قوله: فلاٌن أكبر دون قوله: الأكبر فلاٌن، قال هذا القائل، وهذا هو المذهب، لأن الشافعي رحمه الله فرض المسألة فيه إذا قال: الكبير الله، فلو كان قوله: أكبر الله، لا يجوز لكان يفرض فيه المسألة، لأنه موضع الإشكال.وقال ابن سريج وغيره من أصحابنا: لا يجوز، وهذا أشبه بمذهب الشافعي في (الأم)، لأنه قال: وكذلك ما أمر به من ذكٍر أو قراءة لا يجزيه حتى يأتي به مرتبًا، كما أنزل، وهذا إنما يرجع إلى قوله: أكبر الله، لأنه إذا رتبه جاز، [٦٣ أ/ ٢] فإذا نكسته لا يجوز. وفي قوله: الكبير الله لو أتى به مرتبًا لا يجوز.وقال في (الحاوي): في الأكبر الله، وجهان. وفي أكبر الله لا يجوز قولًا واحدًا، لأنه لا يكون كلامًا مفهومًا، والأصح أنه لا يجوز ذلك أيضًا، لأنه أوقع الإلباس. وأخرجه من صفة الكبير.وقال بعض أصحابنا بخراسان: نصّ ههنا أنه لا يجوز ونص في السلام على أنه لو قال. عليكم السلام، بدل قوله: السلام عليكم، يجوز، فقيل: قولان. وقيل: فرق بينهما، وهو أنه في السلام يسّمى مسلمًا، إذا عكس ولا يسمى مكبرًا، وفي هذا النص الصريح نظٌر.
فَرْعٌ آخرُقال: وأحّب أن يجهر الإمام بالتكبير وبنيته ولا يمططه ولا يحذفه. والسنة للمأموم أن يخفيه بقدر ما يسمع نفسه، أو من إلى جانبه إن شاء، فإن خافَت الإمام بها جاز وإن خافتا بها معًا، أو أحدهما، فإنه يجزئ بقدر ما يسمع نفسه، فإن حرك لسانه على صفة لا يسمع لم يجزئه كما لو اعتقد بقلبه. قال أصحابنا: فإن كان الجمع كثيرًا، فلا بأس أن يجهر عدد منهم يسمع جميعهم.فَرْعٌ آخرُإذا أمت المرأة النساء، فإنها تخفض صوتها بالتكبير حتى لا تجاوزهن، وتخالف الرجل فإنا نستحب له أن يجهر بالتكبير، وإن جاوز من خلفه، وإن كانت تصلي فرادى، فالسنة الإخفات، وهو أن تسمع نفسها فقط.فَرْعٌ آخرُلو كان لا يقدر على النطق لخرٍس أو قطع لساٍن أو علٍة ففرُضه حركة لسانه به أكثر ما يقدر عليه، وبالقراءة والتشهد وأذكار الصلاة، لأنه إذا عجز عن النطق أتى بما قدر عليه من الحركة، فإن النطق يتضمن الحركة.فَرْعٌ آخرُقال: لو صلّى ركعًة ثم ذكر أنه لم يكبرّ ابتدأ الكبير ويلغى ما مضى، ولا بأس أن يسلم أو لا يسلم، لأنه لم يكن في صلاٍة.فَرْعٌ آخرُقال بعض أصحابنا: الَأولى في ظاهر المذهب في الافتتاح [٦٣ ب/ ٢] أن تكون بسرعٍة من غير تأني ومدًّ لقوله صلى الله عليه وسلم: (التكبير جزم والسلام جزم)، ولأن النية مع التكبير شرٌط ويخشى إذا مده أن تزول النية من قلبه. ومن أصحابنا من قال: الَأولى أن يمده ويأتي به على ترتيل، وهذا على طريقة من يبتدئ النية مع ابتداء التكبير فيمد التكبير حتى تتم له النية.فَرْعٌ آخرُقال: (لو أدرك الإمام راكعًا فكّير تكبيرة واحدة، فإن نوى بها تكبيرة الافتتاح أجزأه، لأن كان داخلًا في الصلاة، لأن نوى بها تكبيرة الركوع لم يكن داخلًا في
الصلاة ولو كبرّ لا ينوي واحدًة منهما، فليس بداخل في الصلاة، وإن كبرّ فنوى تكبيرة الافتتاح والركوع لم يجزه من المكتوبة لأنه شرك في النية بين الفرض والنفل).قال أصحابنا: هذا يدل على أنها تجزئه عن النفل، واختلف أصحابنا فيه على وجهين، فمنهم من قال: تجزئه عن النفل، لأنه نوى بها النفل، وتكون جميع الصلاة نفلًا، كما لو أخرج خمسه ينوي بها الزكاة والصدقة والتطوع يقع عن الطوع، ومنهم من قال: لا تجزئه لأن تكبيرة الافتتاح شرط في النافلة أيضًا، فقد شرك بين النافلة والفرض في الشرط، والأول أصح.فَرْعٌ آخرُقال في (الأم): (لو أبقى من التكبيرة حرفًا وأتي به، وهو راكع أو منحٍن للركوع لم يكن داخلًا في الصلاة المكتوبة، وكان [داخلًا] في نافلٍة. قال أصحابنا; هذا إذا كان جاهلًا، فإن كان عالمًا أنه لا يجوز لا تنعقد صلاته أصلًا كما لو أحرم بالظهر قبل الزوال عالمًا لا تنعقد فرضًا، ولا نفلًا. وقال القفال: فيه قولان، وفيه نظٌر.مسألة: قال: (فِان لم يحسن بالعربية كبر بلسانه).وهذا كما قال: أراد بقوله: بلسانه أي بغير العربية، وليس من شرطه أن يكون لسانه، بل يجوز أن يكبرّ بجميع الألسنة وجملته [٦٤ أ/ ٢] أنه لا يجوز أن يكبرّ بغير العربية مع القدرة بحاٍل، وبه قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز ذلك، وهذا غلٌط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خّص قوله: (الله أكبر)، فإن قيل: أجزتم كلمة التوحيد بلسانه مع القدرة على العربية، وههنا لا تجوزون، فما الفرق؟ قلنا: من أصحابنا من قال: لا تجوز هناك أيضًا، وهو اختيار الإصطخري، وإن سلمنا، وهو المذهب. فالفرق أن المقصود من التوحيد الاعتقاد، فبأي لفظ عّبر عن اعتقاده حكمنا بإسلامه.وههنا القصد اللفظ دون الاعتقاد، فلا يجوز العدول عن اللفظ الذي ورد به الشرع إلى غيره مع القدرة، ولو عجز عن العربية ُنظر، فإن كان الوقت واسعًا يمكنه أن يتعلم ويكبرّ بالعربية، ففرضه العربية، ولو توانى فيه وصلى بالتكبير بالفارسية يلزمه الإعادة، وإن كان الوقت ضيقًا عن التعلم يجوز له أن يكبرّ بالفارسية، فيقول: (خذاء يزر كنز)، ولا يقتصر على التعظيم من غير حرف التفضيل حتى يكون معبرًا بقوله: الله أكبر، فإن قيل: هلّا قلتم: يجوز أن يكبرّ بالعجمية في الوقت الأول، ولا يلزمه تأخير الصلاة للتعليم، كما قلتم: يجوز له أداُء الصلاة بالتيمم في أول الوقت، وإن تيقن وجود الماء في آخره؟.قلنا: لأنا لو جوزنا ذلك، لم يتوجه عليه فرض التكبير بالعربية جملًة. وذلك لأنه إذا صلّى لا يلزمه التعليم في هذا الوقت، وفي الوقت الثاني مثله، ويفارق الماء لأن