بداية المحتاج في شرح المنهاج (بدر الدين ابن قاضي شهبة) القسم: الفقه الشافعي الكتاب: بداية المحتاج في شرح المنهاج المؤلف: بدر الدين أبو الفضل محمد بن أبي بكر الأسدي الشافعي ابن قاضي شهبة (٧٩٨ - ٨٧٤ هـ)عنى به: أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستانيبمساهمة: اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ معدد الأجزاء: ٤أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بداية المحتاج في شرح المنهاج - جـ ١بداية المحتاج في شرح المنهاج تأليفالإمام الفقيه القاضيبدر الدين أبي الفضل محمد بن أبي بكر الأسدي الشافعي ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى (٧٩٨ هـ - ٨٧٤ هـ) عنى بهأنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني بمساهمةاللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي [المجلد الأول]
الطَّبْعَةُ الأولى١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ مجَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر اسْم الْكتاب: بداية الْمُحْتَاج فِي شرح الْمِنْهَاجالْمُؤلف: الإِمَام ابْن قَاضِي شُهْبَة (ت ٨٧٤ هـ)الإعداد: مَرْكَز دَار الْمِنْهَاج للدراسات وَالتَّحْقِيق العلميمَوْضُوع الْكتاب: فقه شَافِعِيّمقاس الْكتاب: (٢٤ سم)تصنيف ديوي الموضوعي: (٢١٧.٣)عدد الْأَجْزَاء: (٤)عدد المجلَّدات: (٤)نوع الْوَرق: أَبيضنوع التجليد: مجلَّد فنيعدد الصفحات: (٢٥٢٨ صحيفَة)عدد ألوان الطباعة: لونان التصميم والإخراج: مَرْكَز الْمِنْهَاج للصف والإخراج الفني لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جزءٍ مِنْهُ بأيِّ شكلٍ من الأشكال، أَو نسخه، أَو حفظه فِي أَي نظام إلكتروني أَو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جزءٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يسمح بترجمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبقًا من الناشر. الرقم المعياري الدوليISBN: ٩٧٨ - ٩٩٥٣ - ٥٤١ - ٣٥ - ٨
بدَايَةُ المُحْتَاجِ في شَرْحِ المِنْهَاجِ[١]
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدّين
كتابُ البيعشَرْطُهُ: الإِيجَابُ؛ كَبِعْتُكَ وَمَلَّكْتُكَ، وَالْقَبُولُ؛ كَاشْتَرَيْتُ وَتَمَلَّكْتُ وَقَبِلْتُ،=== (كتاب البيع)البيع لغة: مقابلة شيء بشيء، وشرعًا: مقابلة مال بمال تمليكًا؛ كما قاله في "شرح المهذب" (١).والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} مع السنة الشهيرة في الباب.(شرطه: الإيجاب؛ كبعتك وملَّكتك) لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، ولقوله عليه السلام: "إِنَّمَا الْبَيع عَنْ تَرَاضٍ" صححه ابن حبان (٢).والرضا: أمر خفي لا يطلع عليه، فأنيط الحكم بسبب ظاهر يدلّ عليه، وهو الصيغة، فلا تكفي المعاطاة على المذهب، وقيل: يكتفى بها في المحقرات؛ كرطل خبز، وباقة بقل، وقيل: في كلّ ما يعدّه الناس بيعًا، واختاره المصنف (٣).(والقبول؛ كاشتريت وتملَّكت وقبلت) لدلالتها على الرضا، وهذا في غير البيع الضمني؛ أما البيع الضمني؛ كـ (أعتق عبدك عني على كذا) .. فيكفي فيه السؤال والجواب.وجَعْلُ المصنف الإيجاب والقبول شرطين هو ما اقتضاه كلام "الشرح" و"الروضة"، لكن جزم في "شرح المهذب" تبعًا للغزالي بأن العاقد والمعقود عليه والصيغة أركان للعقد، فعلى هذا: يكون المراد بالشرط: ما لا بدّ منه، فإنهم يطلقونه بهذا الاعتبار على الركن (٤).(١) المجموع (٩/ ١٤٠).(٢) صحيح ابن حبان (٤٩٦٧)، وأخرجه ابن ماجه (٢١٨٥) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.(٣) المجموع (٩/ ١٥٤).(٤) الشرح الكبير (٤/ ٩)، روضة الطالبين (٣/ ٣٣٨)، المجموع (٩/ ١٤٠).
وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ لَفْظِ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ قَالَ: (بِعْنِي)، فَقَالَ: (بِعْتكَ) .. انْعَقَدَ فِي الأَظْهَرِ. وَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ كـ (جَعَلْتُهُ لَكَ بِكَذَا) فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ لَفْظَيْهِمَا،=== (ويجوز تقدم لفظ المشتري) على لفظ البائع؛ لحصول المقصود تقدم أو تأخر، وهذا في غير: (قبلت) كما صرح به القفال والإمام، واقتضاه كلام الشيخين؛ إذ لا يصحّ الابتداء بها، ومثلها: (نعم) (١).(فلو قال: "بعني"، فقال: "بعتك" .. انعقد في الأظهر) وإن لم يقل ثانيًا: (ابتعت) لدلالته على الرضا، والثاني: لا؛ لأنه قد يقول: (بعني) لاستبانة الرغبة، وقول البائع: (اشترِ مني) .. كقول المشتري: (بعني) على الأصحّ في "شرح المهذب" (٢).(وينعقد بالكناية) مع النية (كـ"جعلته لك بكذا" في الأصح) كالخلع والكتابة، والثاني: لا؛ لأن المخاطب لا يدري بم خوطب.ومحلّ الخلاف: إذا عدمت القرائن، فإن حصلت وأفادت التفاهم .. فيجب القطع بالصحة، قاله الإمام وأقرّاه (٣).ويستثنى: البيع المشروط فيه الإشهاد، فلا ينعقد بها قطعًا؛ لعدم اطلاع الشهود على النية.نعم؛ إن توفرت القرائن، وأفادت التفاهم .. فالظاهر: انعقاده؛ كذا نقلاه عن "الوسيط" وأقرّاه، لكن في "المطلب": أنه مخالف لكلام الأئمة (٤).وقوله: (في الأصح) متعلق بقوله: (وينعقد)، فلو قدمه كما فعل في "المحرر" .. لكان أولى؛ لئلا يوهم عوده إلى المثال (٥).(ويشترط: ألا يطول الفصل بين لفظيهما) فإن طال بحيث يشعر بإعراضه عن(١) الشرح الكبير (٤/ ٩)، روضة الطالبين (٣/ ٣٣٨).(٢) المجموع (٩/ ١٦٠).(٣) نهاية المطلب (٥/ ٣٩٣)، الشرح الكبير (٤/ ١٣)، روضة الطالبين (٣/ ٣٤١).(٤) الشرح الكبير (٤/ ١٣)، روضة الطالبين (٣/ ٣٤١).(٥) المحرر (ص ١٣٦).
الإهداءإلى جميع أساتذتي ومَشايخي الذِّين عَلَّموني.إلى أمِّي - حفظها الله تعالى - الَّتي سهرت ليالي عديدة لأنام، وجَاعت أيَّامًا لأشبعَ، صاحبة أنسٍ وحنانٍ وكرمٍ وسخاءٍ. إلى أبي - أدامَهُ الله تعالى في صحَّة وعافيَة - ذاك الرَّجل المربِّي بصمت، المحبّ لِلْعِلم والعُلماءِ.إلى زوجي الفاضلة الَّتي صبرت معي في رحلة هذا العمل.إلى ياسمين الحياة بنتي صفيَّة، وإلى بشارة الفجر الآتي ابنِي حمزة.المُحِبُّ وَالمُخْلِصُ لَكُمْأنور
وَشَرْطُ الْعَاقِدِ: الرُّشْدُ. قُلْتُ: وَعَدَمُ الإِكْرَاهِ بِغَيْرِ حَقٍّ،=== ثالثة، وهي عدم الحنث بها عند الحلف على الكلام؛ كما صححاه في موضعه سواء حلف الأخرس أو حلف عليه (١).وهذه الزيادة وإن أخرجت ذلك لكنها تضر من جهة أن إشارته أيضًا في الدعاوى والأقارير والإجازات والفسوخ قائمة مقام نطقه، وقد خرجت بالزيادة المذكورة، وقد أعاد المصنف المسألة في الطلاق، وضمّ الحلّ إلى العقد.(وشرط العاقد: الرشد) فلا يصحّ من صبي وسفيه؛ لما سيأتي في (باب الحجر).نعم؛ لو نذر بعد بلوغه رشيدًا، ولم يُعد الحكام الحجرَ عليه فباع .. صحّ وإن كان غير رشيد.قال في "الدقائق": (وتعبير "المنهاج" بالرشد أصوب من تعبير "المحرر" بقوله: "ويعتبر في العاقدين التكليف"؛ لأنه يرد عليه السكران؛ فإنه يصحّ بيعه على المذهب مع أنه غير مكلف؛ كما تقرر في كتب الأصول، وكذا المحجور عليه بسفه؛ فإنه لا يصحّ بيعه مع كونه مُكلَّفًا، وكذلك المكره بغير حقّ؛ فإنه مُكلَّف لا يصحّ بيعه، ولا يرد واحد منها على "المنهاج") انتهى، وفيه بحث للإسنوي (٢).(قلت: وعدم الإكراه بغير حقّ) لحديث: "إِنَّمَا الْبَيع عَنْ تَرَاضٍ" (٣)، فإن أكره بحقّ؛ كأن توجه عليه دين، وامتنع من بيع ماله والوفاء، فأكرهه الحاكم حتى باع .. صحّ، ومثله: ما لو أذن أجنبي لعبد في بيع ماله، وأذن له السيد أيضًا فيه فامتنع، فأكرهه السيد حتى باع .. فإنه يصحّ؛ لأنه إكراه بحقّ؛ لأن للسيد غرضًا صحيحًا في ذلك، إما لتقليد مؤنه، أو أخذ أجرة، وكذا لو أسلم عبد لكافر محجور عليه، فأجبر الحاكم وليه على بيعه، فباع .. صحّ.ويستثنى من الإكراه بغير حقّ: ما لو أكره المالك رجلًا على بيع مال نفسه، فباع ..(١) الشرح الكبير (١٢/ ٣٢٨)، روضة الطالبين (١١/ ٦٣).(٢) دقائق المنهاج (ص ٥٩).(٣) أخرجه ابن حبان (٤٩٦٧)، وابن ماجه (٢١٨٥) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
كلمة الشكرانطلاقا من قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم"من لم يشكر النَّاس … لم يشكر الله".فإنني أتقدم بالشُّكر الجزيل، والثَّناء العطر إلى النَّجمة السَّاطعة، والرَّوضة المثمرة:دار المنهاج العامرةتعبيرًا عن الشُّكر إلى جميع الإخوة والزملاء المخلصينَ الَّذين كان لهم دور الإعانة في إخراج هذا الكتاب ولو بكلمة طيِّبَة.سائلًا المولى القبولأنور
وَالْمُتَنَجِّسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ، وَكَذَا الدُّهْنُ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِي: النَّفْعُ، فَلَا يَصِحُّ بَيع الْحَشَرَاتِ، وَكُلِّ سَبُعٍ لَا يَنْفَعُ، وَلَا حَبَّتَيِ الْحِنْطَةِ، وَآلَةِ اللَّهْوِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ الآلَةُ إِنْ عُدَّ رُضَاضُهَا مَالًا=== (نهى عن ثمن الكلب)، و (حرم بيع الخمر) متفق عليه (١).(والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره؛ كالخلّ واللبن) بالإجماع فإن أمكن تطهيره؛ كالثوب .. صحّ إلا أن تستره النجاسة.(وكذا الدهن في الأصحّ) لعدم إمكان تطهيره، وهذا معطوف على (الخلّ واللبن) مما لا يمكن تطهيره لا (على المتنجس).وقضيته: جواز بيعه إذا قيل بإمكان تطهيره، والأصحُّ: المنع، واستشكله الإسنوي بصحة بيع الثوب المتنجس، وهو عجب منه؛ فقد فرق في "المطلب" بينهما بأن معظم منافع الدهن الأكل، وهو ممتنع مع النجاسة، بخلاف الثوب؛ فإن معظم منافعه موجودة مع النجاسة.(الثاني: النفع) به ولو مآلًا؛ كالجحش الصغير؛ لأن بذل المال فيما لا منفعة فيه سفةٌ.(فلا يصحّ بيع الحشرات) كعقارب وخَنافس؛ لعدم النفع، ويستثنى: العلق فإنه يجوز بيعه على الأصح؛ لمنفعة امتصاص الدم، وكذا النحل ودود القزّ وما يحلّ أكله من الحشرات؛ كاليربوع والضبّ.(وكلِّ سَبُع لا ينفع) كالأسد ونحوه، فإن صلح للأكل؛ كالضبع، أو للاصطياد؛ كالفهد، أو للقتال، كالفيل، أو للتعلم؛ كالقرد .. جاز البيع.(ولا حَبَّتي الحنطة) لسقوط منفعتهما؛ لقلتهما.(وآلةِ اللهو) المحرم؛ كالطنبور؛ لسقوط منفعتها شرعًا (وقيل: تصحّ الآلة إن عُدَّ رُضاضها) (٢) أي: مكسّرها (مالًا) لأن فيها نفعًا مُتوقَّعًا، فأشبه الجحش(١) أما النهي عن ثمن الكلب .. فهو عند البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٧) عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، وأما تحريم بيع الخمر .. فهو الحديث السابق.(٢) في (د): (وقيل: يصح في الآلة).
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لا بداية له ولا نهاية، بل هو {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.وأشكره وهو الذي أنار قلوب عباده العلماء بنور المعرفة والعلم، ورزقهم العمل به والخشية منه سبحانه وتعالى على أكمل وجه {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، ورفع شأنهم بالعلم {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، فجدوا واجتهدوا طمعًا في المزيد {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.والصلاة والسلام على أفضل خلق الله، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد القائل: "من يرد الله به خيرًا .. يفقهه في الدين" (١)، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فلا شك أن العناية بالمخطوطات الإسلامية، والعملَ على تحقيقها تحقيقًا علميًّا مسؤولية كلّ من كان أهلًا لذلك، ويعتبر من الأمور التي ينبغي صرف الهمم إليها.فهو تراث قديم، وكنز ثمين، بذل فيه سلف هذه الأمة جهدهم، وسهروا ليالي في تأليفها وتصنيفها، ثم ارتحلوا ملقين هذه الأمانة في أعناق الخلف، محسنين الظن بهم أنهم لن يهملوها، بل سيعتنون بها، ويستفيدون منها، ثم يورثونها من خلفهم.ولم يتوفر هذا الكنز لأي أمة من الأمم، فامتلأت الخزانات العامة والخاصة بملايين الكتب، فبقيت تنتظر أصحاب الهمم العالية، ومن يغار على تاريخ وتراث هذه الأمة.(ب)وانطلاقًا من ذلك كان من الواجب علينا تجاه هذه الثروة الكبيرة الغنية بنفائس المخطوطات .. إخراجُها إلى عالم المطبوعات، وتقديمها إلى أهل العلم، بعد(١) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
الدراسة والتحقيق، وطبعها بحلة جديدة بوسائل حديثة.وتشمل هذه المخطوطات علومًا متعددة في مختلف الفنون، وإن من أهم وأشرف هذه العلوم منزلة، وأعظمها شأنًا، وأكملها فائدة: الفقه في الدين؛ لأنه به ينتظم الأمر ويعرف الحق، ونتبين به الحلال والحرام وصحيح المعاملات من فاسدها، وهو الطريق الموصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية، وهو من أعظم وأجل نعم الله تعالى على عباده.قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه .. علم أنه أفضل العلوم، فإن أرباب المذاهب فاقوا بالفقه على الخلائق أبدًا، وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منه بالقرآن أو بالحديث أو باللغة) (١).وقال الشاعر: [من المتقارب]أَرَى الْفِقْهَ فِي الدِّينِ عَيْنَ الْعُلُومِ … وَطِيبُ الْمَعَاشِ بِهِ وَالْمَعَادْوَفِيهِ الصَّلاةُ وَفِيهِ الزَّكَاةُ … وَفِيهِ الْوَصَايَا وَفِيهِ الْجِهَادْفلما أدرك سلفنا الصالح ما لعلم الفقه من هذا الفضل والشرف .. أفنوا أعمارهم في الاشتغال به تعلمًا وتعليمًا وتصنيفًا.(ج)وكان من هؤلاء الأعلام: الإمام العلامة بدر الدين ابن قاضي شُهْبة الأسدي، الذي صار بأخرة فقيه الشام بلا مدافع، وعليه مدار الفتوى، فأراد أن يكون له نصيب في خدمة الفقه الإسلامي، فشرح متنًا من متون الفقه الشافعي وهو "المنهاج" شرحين عظيمين: أحدهما: "إرشاد المحتاج إلى توجيه المنهاج" وهو أكبرهما حجمًا، والثاني: "بداية المحتاج في شرح المنهاج" وهو كتابنا هذا.فـ "بداية المحتاج" شرح متميز من بين شروح "المنهاج"، أجاد فيه مؤلفه وأفاد، وحقق مسائله ودقق، مع حسن السبك، وجودة الإفصاح، ووضوح العبارة.(١) صيد الخاطر (ص ١٥٧).
وهو كتاب يضم بين دفتيه ثروة فقهية غزيرة، وكنزًا علميًّا دقيقًا، وهو حلية الفقهاء المحققين، خال عن الحشو والتطويل، مبين للأقوال التي عليها المعول من كلام المتأخرين والأصحاب، حاو للدليل والتعليل، فبذلك غدا مرجعًا وعمدة لمن جاء بعده من المفتين وغيرهم ممن يتحرى الصواب.وإن متن "المنهاج" لفريد عصره ووحيد دهره العلامة شيخ الإسلام النووي من أحسن المتون وأدقها، وهو العمدة في الفتوى، عكف عليه العلماء الأعلام تدريسًا وشرحًا.وهو كتاب جليل القدر عظيم الفائدة، صغير الحجم كبير الفحوى، لم يؤلف مثله في المذهب.ولله در القائل: [من الكامل]الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ هُوْ الْقُطْبُ الَّذِي … بَزَغَتْ شُمُوسُ الْعِلْمِ مِنْ أَبْرَاجِهِلا يَرْتَقِي رُتَبَ الْمَعَالِي وَالتُّقَى … إِلَّا فَتى يَمْشِي عَلَى "مِنْهَاجِهِ"وقال آخر: [من الكامل]قَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ وَاخْتَصَرُوا فَلَمْ … يَأْتُوا بِمَا اخْتَصَرُوهُ كـ "الْمِنْهَاج"جَمَعَ الصَّحِيحَ مَعَ الْفَصِيحِ وَفَاقَ بِالتَّـ .... ـرجِيحِ عِنْدَ تَلاطُمِ الأَمْوَاجِوقال العلامة شمس الدين الرملي رحمه الله تعالى: (ولم تزل الأئمة الأعلام قديمًا وحديثًا كلٌّ منهم مذعن لفضله، ومشتغل بإقرائه وشرحه، وعاد على كلٍّ منهم بركة علامة نوى) (١).وقال الفقيه السيد أحمد مَيْقَري شُمَيْلة الأهدل رحمه الله تعالى: (ولم يزل كلٌّ من العلماء والأئمة الأعلام قديمًا وحديثًا مذعنًا لفضل "المنهاج" المذكور، ومشتغلًا بإقرائه، فالإقراء فيه مقدم على غيره عند كثير من أولي الفضل، وقد كثر الاعتناء به؛ لموقع العناية فيه، وصوب صوابه آثارُ نهج مقتفيه) (٢).(١) نهاية المحتاج (١/ ١١).(٢) سلم المتعلم المحتاج إلى معرفة رموز المنهاج (ص ٦٢٠)، وهي مطبوعة مع "المنهاج" عن دار المنهاج بجدة.