شرح التلقين (المازري) القسم: الفقه المالكي الكتاب: شرح التلقين المؤلف: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التَّمِيمي المازري المالكي (ت ٥٣٦ هـ)المحقق: سماحة الشيخ محمَّد المختار السّلامي الناشر: دار الغرب الإِسلامي الطبعة: الطبعة الأولى، ٢٠٠٨ معدد الأجزاء: ٥[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
شرح التلقينللإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري(٥٣٦ - ٤٥٣)(١٠٦١ - ١١٤١) الجزءُ الأوّلالصَّلَاة وَمُقَدِّمَاتهاالمجلد الأول تحقيقسماحة الشيخ محمَّد المختار السّلاميمُفْتي الجمهُوريَّة التونسِّيَةدار الغرب الإِسلامي
١٩٩٧ (c) دار الغرب الإِسلاميالطبعة الأولى دار الغرب الإِسلاميص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروتجميع الحقوق محفوظة. لا يسمع بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطى من الناشر.
شرح التلقينللإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازريالمجلد الأول
استفتاح{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الحمد لله الذي أنزل وحيه هدى وذكرى لأولي الألباب. وفتح بصائر أولي النهي على أسرار ما أودعه في صحيح السنة ومحكم الكتاب. ويسّر لمن أراد بهم خيراً التفقه في الدين فارتقوا في الأسباب.أحمده حق حمده وهو ولي الحمد في الأولى ويوم المآب. فبحمده تنزاح الحجب وتلمع بوارق الصواب. والله ولي المؤمنين في هذه الدار ويوم الحساب.وأشكره أبان بقويم شرعه للسالكين مأمون المحجة، ووفق علماء الأمة في متشابك الدروب لصادق الفلجة(١). فانزاحت الشبه وظهر الحق لئلا يكون للناس على الله بعد ذلك حجة.ثم أصلي وأسلم على سيدنا محمَّد نبي الأمة وإمامها. ورافع لواء الحقيقة وناشر أعلامها، ومنقذ البشرية بهدى ربه ومحقق أمنها وسلامها. من طاهر سنته امتلأت العقول بالحكمة. وبحرصه على البيان وإبلاغ وحي الله كملت الرحمة.وبإكرام رب العزة لأمته تمت النعمة.ثبتني الله وإياك على الالتزام بسنته. وضاعف في قلبي وقلبك زكي محبته. وفوَّزني وإياك بالورد من حوضه وخاص شفاعته.أما بعد، فإن كتاب شرح التلقين كتاب مفرد في طريقته. نوه به أهل(١) الظفر والفوز.
عصره وعرّف بمنزلته في الفقه المالكي حذاق المذهب وأئمته. إذ هو نتاج الإمامين الجليلين = القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب صاحب المتن الذي ختم مدرسة العراق في الفقه المالكي. والإمام أبي عبد الله المازري الذي شرحه.وهو إن ظهر فقهه بالمهدية إلا أنه يعتبر وارث المدرسة القيروانية. فاجتمع في هذا الكتاب المنهج العراقي بالمنهج القيرواني في كتاب واحد. كما اجتمع المنهجان من قبل في شرح القاضي عبد الوهاب على رسالة الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد القيرواني.وهذا الكتاب يعلّم الناظر فيه طريقة التفقه، ويأخذ بيده لربط الحكم الفرعي بأصله. فهو يفتح لك منافذ لمجاوزة التقليد. ويربي الناظر فيه على الإنصاف والبعد عن التعصب للمذاهب. وأن دين الله يجب أن يكون أعظم في النفوس من أن يكون تابعاً لرأي عالم واحد مهما سما مقامه، ودق فهمه واتسع علمه. لذا توسع الإِمام المازري في إملاء مسائله ودلائله. وذلك بعد أن بلغ في مقامات التحقيق وكلفهم السديد ما قدر له، إذ اهتم به في آخر حياته. والمظنون أنه لم يكمله.وقد ابتدأت بتحقيق كتاب الصلاة ومقدماتها. وأدعو الله أن يسعفني بعونه لإخراج ما بقي من الأجزاء. التي بمقابلتها بمتن التلقين تبين لي أن بعض ما أملاه الإِمام المازري لم تصله يدي بعد. ففي آخر الجزء الأول من المخطوطة -و- يقول الناسخ انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني. وأوله باب الزكاة. ولحد الآن لا أعرف مكان وجود شرح هذا الباب. فالله يتولى بفضله جزاء من يدلني على ما هو باق من نسخ هذا الكنز الفقهي إنه لا يضيع عنده أجر من أحسن عملاً.وإنِّي في خاتمة فاتحة قولي هذا أتقدم بوافر الشكر، والثناء العطر، لكل من ساعدني على إنجازه وإخراجه للطالبين. وأخص بالاعتراف بفضل أياديه صديقنا العلامة صاحب السماحة الشيخ محمَّد الحبيب ابن الحوَجة الأمين العام لمجمع الفقه الإِسلامي. فقد حرص أجزل الله مثوبته، فمكنني من صورة
للأجزَاء الأربعة المحفوظة بمكتبة الحرم المدني، وكذلك صديقنا الفاضل الشيخ محمَّد الحاج الناصر. الذي بذل جهده شكر الله له. فصور لي المخطوطات الموجودة بمكتبات المملكة المغربية.وستجدون في وصف المخطوطات التي اعتمدتها أني لم أجد نسخة وافية ولا تامة ولا مقابلة ولا مصححة. فاجتهدت في إخراج النص حسبما فتح الله علي ويسّره لي من الفهم. والكمال لله وحده. ورحم الله من إذا وجد خطأ بادر إلى الاعتذار، وسلك سبيل الكُمَّل من فقهاء الأمصار، كما ستتبينه من أدب المازري فيما بين يديك من أسفار. ومواطن القصور في البشر تربو عن التعداد.وأدب الإِسلام أن لا يتولى المؤمنون بعضهم بعضاً بألسنة حداد. نسأله سبحانه أن يغفر ما زل فيه اللسان والأقدام وأن يختم لنا بالحسنى ويُفَوِّزَنَا بِدار السلام. كتبه في حاضرة تونس يوم الثلاثاء ٤ صفر ١٤١٨ - ١٠جوان ١٩٩٧. محمَّد المختار السلاميمفتي الجمهورية التونسية
العقد عليها، وإذا كانت خالية من الحنطة فالواجب رد رأس المال كما يحكم في البياعات الفاسدة، فإن التمر المأخوذ ها هنا عن رأس المال الذي هو دنانير ودراهم، وبيع الدنانير والدراهم قبل قبضها بتمر دين. هذا هو الأصل المعتمد عليه، وعليه وقع جواب ابن القاسم في المدونة من غير اشتراط وقوع حكم القاضي بالفسخ. وأجاز لمن أسلم في حنطة سلمًا فاسدًا أن يأخذ تمرًا. وهذا طرد مذهبه؛ لأن السلم إذا فسد عقده لم يستحق المسلم في ذمة المسلَم إليه سوى رأس ماله الذي دفع إليه. لكن أشهب التفت في هذا إلى اختلاف العلماء في هذا العقد الذي أفسدناه نحن وأمضاه غيرنا، فنهى عن أخذ التمر عن الحنطة حتى يقضي القاضي بفسخ العقد فيرتفع الخلاف. أو يكون الفساد مجمعًا عليه فيكون عُرُوُّ الذمة متفقًا عليه ولا مخالف فيه يمحسَّس إليه، وهذه مُراعاة منه لاختلاف العلماء، واحتياطًا من الوقوع في المحرم. لأنه إذا كان بعض العلماء يرى عقد هذا السلم صحيحًا وقد يرفع إلى قاضٍ يحكم بصحته، صارت المعاوضة عند هؤلاء كبيع الطعام قبل قبضه. ولكن أشار بعض الأشياخ إلى أن المتعاقدين لو وقعا في هذه المعاوضة ما أُحسِّن أن تفسخ عليهما مع كون هذه المعاوضة عندنا جائزة، ولا يحسن بالفقيه أْن يفسخ عقدًا وهو عنده جائز ماض لأجل أن غيره ذهب إلى فساده. لكن يحسن النهي عن الوقوع في هذا ابتداءً احتياطًا من الخلاف.ومال بعض الأشياخ إلى أنهما لو حكّمًا رجلًا فحكم بالفسخ لحل ذلك محل حكم القاضي. وأشار أيضًا إلى أن أحدهما لو حكّم صاحبه فاجتهد فم بالفسخ أو اجتهدا جميعًا ففسخاه لأجزأهما ذلك.وهذا الّذي قاله في حكم أحدهما أو حكمهما جميعًا فيه نظر؛ لأن الحاكم لا يحكم لنفسه. لكن الاختلاف في تراضيهما فالإشهاد على الفسخ هل يحل ذلك محل الحكم بالفسخ؟ مشهور بين أشهب وابن المواز(١) ومراعاة الخلاف(١) هكذا في جميع النسخ. وفي الكلام شيء من الاضطراب.
المقدمة الأولى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب بن علي بن نصرأما بعدفإن الله تعالت حكمته، ما خلق البشر إلا ليعبدوه، باعتبار ذلك حق الخالقية التي تفرد بها سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(١).وعبادة الله التي ألزم بها عباده تقتضي تطويع المكلف قواه الفكرية والعضلية لتنفيذ شرعه، والوقوف عند حدود أمره ونهيه، وذلك بإخضاع داعية الهوى، وانقيادها إلى ما بيّنه لسان الوحي نصًا ومفهوماً، حتى تتحقق الطاعة المطلقة لله ولرسوله. {وما أرسلنا من رسول الله ليطاع بإذن الله}(٢).وأول مراتب الطاعة المعرفة. إذ تتوقف الاستجابة على إدراك الحكم الذي قرره الشارع. فكان كل مكلف ملزماً أن لا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه.وهذه المعرفة قد يصل إليها: إما بنفسه إن كانت له المؤهلات التي تمكنهمن ذلك، وإما بسؤال من هو مؤهل =العالم= إن هو عوقه عن بلوغ مرتبةالاستقلال في الأخذ معوق {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(٣).(١) سورة الذاريات، آية: ٥٦.(٢) سورة النساء، آية: ٦٤.(٣) سورة التوبة، آية: ١٢٢.
فدور الفقيه أنه معرف لأحكام الله، وأنه لا تتحقق التقوى ولا العمل الصالح إلا إذا كان المكلفل ينجز ما ينجزه في حدود الضوابط المستندة إلى الوحي.والأخذ من نصوص الوحي قرآنًا وسنة لا يتم إلا بتعاضد النقل والعقل.فالنص هو الخزانة والعقل هو المفتاح الذي يفتح أبوابها، ويكشف ذخائرها ويبرز لبابها. فليس الفقه محصوراً في دائرة الرواية والنقل، ولا هو منفلت مع مجاري النزعات المختلفة لأهل العقل. ولكنه ثمرة تعاضد الأصلين. ولذلك نوه بقيمته سيد المرسلين. لما قال "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"(١).يقول الإِمام الغزالي "وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع".واصطحب فيه الرأي والشرع. وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول. ولا هو مبني على محض التقليد، الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد. ولأجل شرف علم الفقه وسببه، وفر الله دواعي الخلق على طلبه. وكان العلماء به أرفع العلماء مكاناً. وأجلهم شأناً، وأكثرهم أتباعاً وأعواناً(٢).ولما تعلقت إرادته العليا سبحانه بأن يكون سيدنا محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم.خاتم الأنبياء والمرسلين، لا يطمع أي إنسان أن يسعف بوحي مستأنف جديد بعده، وأراد أيضاً أن يكون الإِسلام الدين الخاتم الذي يرتضيه إلى أبد الآبدين، ألهم من لا يحصى عدداً من النابهين من أعضاء الأمة الإِسلامية، أن يمحضوا نشاطهم ومواهبهم للتعرف على الأحكام الشرعية. وشرفهم فضمن، لكل مجتهد بذل جهده إخلاصاً لدين الله، ضمن له الأجر على اجتهاده وإن كان اجتهاده لم ينكشف له به الصواب، وضاعف له المثوبة إذا هو أصاب. كما أن كل من قلد مجتهداً منهم هو آمن على أنه قد سار على هدى من الله.(١) فتح الباري ج ١ص ١٧٣. الإكمال ج ٥ ص ٢٦٦.(٢) المستصفى ج ١ ص ٣.
قام الفقهاء بهذه المهمة النبيلة، فأعملوا عقولهم في الكتاب بعد ضبط قراءة النص القرآني متتبعين للآيات الواردة في الموضوع المبحوث فيه، ثم في السنة النبوية المطهرة القولية والفعلية والتقريرية، بعد أن نخلوا المرويات ولم يقبلوا منها إلا ما اطمأنوا إلى أنه عن لسان الوحي صدر. وقرنوا بين الكتاب والسنة، وعمقوا النظر، فنفذوا بما فتح الله عليهم إلى أبعادها. حسب قواعد الاستنباط وضوابطه، واستلهموا مكنوناتها بالمقابلة بين كل نص وما يماثله أو يشابهه لإبراز وجوه الشبه وما تقتضيه، أو ما يختلف عنه لإبداء الفوارق وآثارها في الاختلاف بين الصور ثم الأحكام. ثم إنهم شعورًا منهم بثقل الأمانة التي حُمّلوها دونوا ما وصلوا إليه بعد أن اقتصروا في المرحلة الأولى على الإفتاء وتخريج المتلقين عنهم على طرائق الاستنباط. فكان من ذلكم التدوين، الثروةُ الفقهية الكبرى في العالم الإِسلامي. ثروة تجمع في شمول وتقص أحكام أفعال المكلفين ضابطة لكل ما يتعلق بهم فرديًا واجتماعيًا، روحيًا وماديًا، حتى يتحقق في الحياة العملية، العبودية لله.وقد تطور الفقه لارتباطه بتطور المجتمعات من فقه الصحابة والتابعين إلى المذاهب. هذه المذاهب التي انقسمت إلى ثلاث وحدات كبرى: الخوارج، والشيعة، وأهل السنة. وثبت على الزمن من المدارس الفقهية السنية الأربعة.مدرسة أبي حنيفة النعمان ومدرسة مالك بن أنس. ومدرسة محمَّد بن إدريس الشافعي. ومدرسة أحمد بن حنبل رضي الله عنهم. وتوقفت مذاهب أخرى لانقطاع الأتباع الذين لهم القدرات على مواصلة نشر المذهب والتفريع والتخريج على أصوله في القضايا المستجدة، كمذهب الثوري والأوزاعي والحسن البصري والليث بن سعد وعثمان البتي وأبي ثور وابن أبي ليلى وأضرابهم، ممن كان لهم اتجاه واضح المعالم في الفقه ثم انطفأ.وهذه المذاهب الأربعة المستمرة إلى اليوم قد انتشرت في فضاءات العالم الإِسلامي. قد ينفرد مذهب في قطر من الأقطار وقد يجتمع أكثر من مذهب.وقد يكون لأحدها الظهور زمنًا ثم تمحي آثاره أو تكاد. وذلك تبعًا لعوامل
عديدة. منها نبوغ بعض حملة مذهب نبوغًا يغطي من حوله من فقهاء المذاهب الأخرى فيستقطب طلبة العلم ويرويهم من علمه المتأثر بمذهبه الفقهي. ومنها عوامل سياسية واجتماعية. كما أثرت الدولة العثمانية في الأقطار التي كانت متابعة لها فانتشر المذهب الحنفي الذي هو مذهب الخليفة العثماني.وعلى هذه السنة كان تاريخ المذهب المالكي. التي ابتدأ أمر انتشاره في العراق على يدي عبد الله بن مسلمة بن قعنب التميمي أحد رواة الموطأ(١).ويحيى بن يحيى بن بكير(٢): ثم قام به خير قيام أحمد بن المعذل(٣). ثم حمل لواء المذهب بيت آل حماد لا سيما واسطة عقدهم القاضي إسماعيل.وبالقاضي عبد الوهاب ومعاصريه انتهت المدرسة المالكية في العراق. القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب بن علي بن نصرولادته. أسرته.ولد القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن أبي كلثوم مالك بن طوق بن عتاب التغلبي البغدادي ببغداد.سئل القاضي عن مولده فقال يوم الخميس السابع من شوال سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ببغداد.يرتفع نسبة إلى قبيلة تغلب التي كانت منازلها بشمال بلاد العرب مما يلي العراق. ومن أبرز رجال هذه الأسرة مالك بن طوق الذي ولي إمارة دمشق للمتوكل العباسي. وعلى يديه تم تخطيط وعمارة بلدة الرحبة على الفرات.وعرفت باسمه "رحبة مالك". كان فارسًا جوادًا فصيح اللسان قصده أبو تمام(١) انظر ترجمته في ترتيب المدارك ج ٣ ص ١٩٨. وتذكرة الحفاظ للذهبي ج ١ص ٣٨٣.(٢) المدارك ج ٣ ص ٢١٦.(٣) المدارك ج ٤ ص ٥.
ومدحه مستشفعًا بقصيدته التي مطلعها:لو أن دهرًا رد رجع جواب … أو كف عن شاويه طول عتابإلى أن يقول:لا جود في الأقوام يعلم ما خلا … جودًا حليفًا في بني عتابمتدفقًا صقلوا به أحسابهم … إن السماحة صيقل الأحسابيا مالكًا ابن المالكين ولم تزل … تدعى ليومي نائل وعقابكما مدح ابنه عمر بقصيدته التي مطلعها:أحسن بأيام العقيق وأطيب … والعيش في أظلالهن المعجبإلى أن يقول:فستخرب الدنيا وأبنية العلى … وقبابها جدد بها لم تخربرفعت بأيام الطعان وغشيت … رقراق لون للسماحة مذهبوطئ الخطوبَ وكفّ من غُلوائها … عُمَر بنُ طوق نجم أهل المغربأما والده علي فقد كان من أعيان الشهود المعدلين ببغداد توفي ثاني شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة(١).وأخوه أبو الحسن محمَّد كان أديبًا فاضلًا صنف كتاب المفاوضة للملك العزيز جلال الدولة أبي منصور البويهي جمع فيه ما شاهده. وهو من الكتب الممتعة. في ثلاثين كراسة. وله رسائل. وولد سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة يصغر أخاه القاضي بنحو عشر سنوات توفي عن سن تقارب خمسًا وستين سنة(٢).هذا ما أمكنني جمعه عن أسرة القاضي. وهي نتف تدل على أنه ينتسب لعائلة حظيت بمكانة علمية واجتماعية ونباهة. وفي ضبط مولد والده وأخيه ما يدل على ذلك.(١) وفيات الأعيان ج ٣ ص ٢٢٢.(٢) وفيات الاعيان ج ٣ ص ٢٢٢.
البيئة التي نشأ فيها بجانب ما لقيه في أسرته من عناية وما أخذ عنها من مكارم فإن بغداد في عصره تموج بالمقدمين في كل فن. وتزخر بالعلماء المحققين في جميع فروع العلم. إذ هي العاصمة العلمية والأدبية الأولى في العالم. ونظرة للقائمة التي أثبتها السيوطي في بعض أسماء أساطين العلماء والأدباء الذين توفوا في خلافة القادر بالله العباسي تريك المستوى الرفيع والمنتشر في أنحاء العالم الإِسلامي: "وفي سنة اثنتين وعشرين توفي القادر بالله ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة عن سبع وثمانين سنة ومدة خلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر.وممن توفي في أيامه من العلماء وعظماء الرجال: أبو أحمد العسكري الأديب، والرمّاني النحوي، وأبو الحسن الماسرجسي شيخ الشافعية، وأبو عبيد الله المَرزباني، والصاحب بن عبّاد -وهو وزير مؤيد الدولة، وهو أول من سمي بالصاحب من الوزراء- والدارقطني الحافظ المشهور، وابن شاهين، وأبو بكر الأودني إمام الشافعية، ويوسف بن السيرافي، وابن زولاق المصري، وابن أبي زيد المالكي شيخ المالكية، وأبو طالب المكي صاحب "قوت القلوب"، وابن بطة الحنبلي، وابن سمعون الواعظ، والخطّابي، والحاتمي اللغوي، والأدفويّ أبو بكر، وزاهر السرخسي شيخ الشافعية، وابن غلبون المقرئ، والكُشْمَيْهِني راوي الصحيح، والمعافى بن زكريا النهراوي، وابن خويز منداد، وابن جني، والجوهري صاحب "الصحاح"، وابن فارس صاحب "المجمل"، وابن مندة الحافظ، والإسماعيلي شيخ الشافعية، وأصبغ بن الفرج شيخ المالكية(١)، وبديع الزمان أول من عمل المقامات، وابن لال. وابن أبي زمنين،(١) أصبغ بن الفرج المتوفى في عهد القادر بالله العباسي ليس هو أصبغ بن الفرج المصري.وإنما هو سميّه أصبغ بن الفرج بن فارس الطائي الأندلسي. وأصبغ بن الفرج المصري المتوفى في خلال العشرية الثالثة من القرن الثالث هو الذي يصح أن يطلق عليه شيخ المالكية. أما الأندلسي فإنه وإن كان من أكابر علماء قرطبة إلا أنه لم يبلغ الدرجة الذي يتميز بها على معاصريه حتى يطلق عليه شيخ المالكية. والله أعلم.
وأبو حيان التوحيدي، والوأواء الشاعر، والهَرويّ صاحب "الغريبين" وأبو الفتح البُستي الشاعر، والحليمي شيخ الشافعية، وابن الفارض، وأبو الحسن القابسى، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو الطيب الصعلوكي، وابن الأكفاني، وابن نُباتة صاحب الخطب، والصيمري شيخ الشافعية، والحاكم صاحب المسندرك، وابن كَجّ، والشيخ أبو حامد الإسفرايني، وابن فورك، والشريف الرضي، وأبو بكر الرازي صاحب الألقاب والحافظ عبد الغني بن سعيد، وابن مردويه، وهبة الله بن سلامة الضرير المعسر، وأبو عبد الرحمن السلمي شيخ الصوفية، وابن البواب صاحب الخط، وعبد الجبار المعتزلي، والمحاملي إمام الشافعية، وأبو بكر القفّال شيخ الشافعية، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، واللالكائي، وابن الفخار عالم الأندلس، وعلي بن عيسى الربعي، وخلائق آخرون.وقال الذهبي: كان في هذا العصر رأس الأشعرية أبو إسحاق الإسفرايني، ورأس المعتزلة القاضي عبد الجبار، ورأس الرافضة الشيخ المقتدر، ورأس الكرامية محمَّد بن الهيصم، ورأس القراء أبو الحسن الحمامي، ورأس المحدثين الحافظ عبد الغني بن سعيد، ورأس المجودين ابن البواب، ورأس الملوك السلطان محمود بن سبكتكين.(قلت): ويضم إلى هذا رأس الزنادقة الحاكم بأمر الله، ورأس اللغويين الجوهري، ورأس النحاة ابن جني، ورأس البلغاء البديع، ورأس الخطباء ابن نُباتة، ورأس المفسرين أبو القاسم بن حبيب النيسابوري، ورأس الخلفاء القادر بالله، فإنه من أعلامهم تفقه وصنّف، وناهيك بأن الشيخ تقي الدين بن الصلاح عدّه من الفقهاء الشافعية، وأورده في طبقاتهم، ومدّته في الخلافة من أطول المدد(١).(١) تاريخ الخلفاء ص ٤٧٩ - ٤٨٠.