النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (ابن أبي زيد القيرواني) القسم: الفقه المالكي الكتاب: النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ المؤلف: أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (ت ٣٨٦هـ)تحقيق:جـ ١، ٢: الدكتور/ عبد الفتّاح محمد الحلوجـ ٣، ٤: الدكتور/ محمَّد حجيجـ ٥، ٧، ٩، ١٠، ١١، ١٣: الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ ٦: الدكتور/ عبد الله المرابط الترغي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ ٨: الأستاذ/ محمد الأمين بوخبزةجـ ١٢: الدكتور/ أحمد الخطابي، الأستاذ/ محمد عبد العزيز الدباغجـ ١٤، ١٥ (الفهارس): الدكتور/ محمَّد حجي الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت الطبعة: الأولى، ١٩٩٩ معدد الأجزاء: ١٥ (١٤ جزء، ومجلد فهارس)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
النوادر والزياداتعلى ما في المدونة من غيرها من الأمهاتلأبي محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد القيراوني٣١٠ - ٣٨٦ هـتحقيقالأستاذ محمد عبد العزيز الدباعمحافط خزانة القروين بفاسالمجلد الخامسدار الغرب الإسلامي [٥/ ١]
١٩٩٩ دار العرب الإسلاميالطبعة الأولىدار الغرب الإسلاميص. ب ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروتجميع الحقوق المحفوظة لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر. [٥/ ٢]
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الطهارةقال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه: الحمدُ لله الذي بسَط نعمتَه، وأقام حُجَّتَه، وأظْهر حكمَته، وتمَّم إعْذارَه ونَذَارَته بمحمدٍ نبيِّه عليه السلام، فأَوْضَحَ به الدليلَ، وأنْهَج به السبيلَ، وأكْمَلَ به دِينَه، وأَوْضَح به شريعتَه، فبلَّغ إلى الناس ما أُرْسِلَ به إليهم، وبيَّن ما افْتَرَضَ اللهُ عليهم، وسَنَّ لهم وعَلَّمَهم، وأدَّبهم وأرْشَدَهم، ثم مضَى صلى الله عليه وسلم حَمِيدًا فَقِيدًا، فأبْقَى كتابَ اللهِ لأُمَّتِه نُورًا مُبِينًا، وسُنَّته حِصْنًا حَصِينًا، وأصْحابَه حَبْلاً مَتِينًا، وجعل اللهُ سبحانه سَبِيلَهم الأَقْوَمَ، ومِنْهَاجَهم الأَسْلَمَ، وطَرِيقَتَهم الْمُثْلَى، واسْتِنْبَاطَهم الأَوْلَى، وتَوَاعَدَ مَن اتَّبَعَ غيرَ سَبِيلِهم أنْ {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: ١١٥)، ووَسَّع لهم ولِمَن اتَّبَعَهم بإحْسان، في الاسْتِدْلالِ ممَّا أُجْمِلَ لهم مِن جَوَامِعِ الْكَلِم في كتابِه، وعلى لسانِ نبيِّه، وأَذِنَ لهم في الاجتهادِ في أحكامِهم، والحوادثِ
النَّازلةِ بهم، ممَّا ليس بِنَصٍّ عندهم في الكتابِ والسُّنَّةِ نَصًّا لا يُخْتَلَفُ في تَأْوِيلِهِ، وأَوْجَدَهم السَّبِيلَ إلى أنْ يَجِدُوا في الأُصول لكلِّ حادثةٍ مِثْلاً، ولكلِّ فَرْعٍ عندهم أَصْلاً، ووَسَّع له في اسْتِدْلالِهم، وعَمَّهم بالأجر في اخْتلافِهم، قال الله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} (الأنبياء: ٧٩)، وجعل ذلك لهذه الأُمَّةِ رَحْمَةً عَمَّهم بها، وتَوْسِعَةً وفضيلةً خَصَّهم بفَضْلِها، وجعل ما يَخْرُجُ عن اسْتِنْباطِهم، ويَتَّسِعُ فيه الاحْتمالُ في اسْتِدْلالِهم، ويَجْرِي به الاجتهادُ في حَوادثِهم، يَخْرُج إلى حلال بَيِّنٍ، أو حَرامٍ بَيِّنٍ، أو شُبْهَةٍ تُتَّقَى، وجعل الرسولُ عليه السلام تَوَقِّيَ الشُّبُهاتِ أَبْرَأَ للمرءِ في سلامةِ دينهِ وعِرْضِه.فالحمدُ للهِ الذي مَنَّ بِكِفَايتِه، وأَنْعَمَ بهدايتِه، ورَفَقَ بنا في التَّكْليفِ في عبادتِه، وجعل النجاةَ للمُتَأَخِّرين في اتِّباعِ سَبِيلِ المُتَقَدِّمين، ولم يُوَسِّعْ لِمَنْ بَعْدَهم أَنْ يَرْغَبَ عن إجْماعِهم، أو يَخْرُجَ عن اخْتلافِهم، أو يَعْدِلَ عن تَأْوِيلِهم وَمِنْهَاجِهم.وَقد اخْتُلِفَ في إجْماعِ مَن كان بالمدينةِ من الصَّدْرِ الأوَّل، وفي اجْتماعِ الجمهورِ مِن كلِّ قَرْن، والذي ذهبْنا إليه أنَّ ذلك لا يَسَع خِلَافُه، كالإجْمَاعِ الذي يُخَالَفُ فيه، وإن كان هذا مَقْطُوعًا به، ولا يُقْطَعُ بالأوَّل وقد أَوْرَدْنا لذلك ولِمَا يُشْبِهُه كتابًا سَمَّيْنَاه (كتابَ الاقْتِدَاء)، وقُلْنَا:
إنه ليس لأحدٍ أَنْ يُحْدِثَ قولاً أو تَأْويلاً لم يَسْبِقْهُ به سَلَفٌ ، وإنه إذا ثَبَت عن صاحبٍ قَوْلٌ لا يُحْفَظُ عن غيرِه من الصحابةِ خِلَافٌ له ولا وِفَاقٌ ، أنَّه لا يسَع خِلافُه. وقال ذلك معَنا الشافعيُّ ، وأهلُ العراقِ ، فكلُّ قولٍ نَقُولُه ، وتأويلٍ مِنْ مُجْمَلٍ نَتَأَوَّلُه ، فعَن سَلَفٍ سَابقٍ قُلْنَا ، أو مِن أَصْلٍ من الأصول المذكورةِ اسْتَنْبَطْنَا.عَصَمَنَا اللهُ وإيَّاكم من الهَوَى ، والعُدولِ عن الطريقةِ المُثْلَى ، وصلَّى اللهُ على محمدٍ نبيِّه ، وعلَى آلِه وسلَّم.أمَّا بعد ، يسَّرنا اللهُ وإيَّاكم لرعايةِ حُقُوقِه، وهدانا إلى توفيقِه، فقد انْتَهَى إليَّ ما رغبتَ فيه ، مِنْ جَمْعِ النَّوادرِ والزِّيادات علَى ما في (المُدَوَّنة) مِن غيرِها من الأُمَّهات ، مِن مَسائلِ مالكٍ وأصحابِه ، وذكرْتَ ما كَثُرَ عليك مِن دَواوِينِهم ، مَع رَغْبَتِك في نوادرِها وفوائدِها ، وشَرْحِ مُشْكِلٍ في بعضها، واخْتلافٍ من الأقاويلِ يشتملُ عليه كثيرٌ منها، وهي مع ذلك فأكثرُها بعضُها مِنْ بعضٍ يتَكَرَّر في بَسْطِها، ويُبْسَط على كَثْرَةِ التَّبْيِين فيها، ولَعَمْرِي إنَّ العنايةَ بقليلِ ذلك كُلِّه وكثيرِه محمودةٌ، والخيرَ في ذلك كلِّه مَأْمولٌ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وكُلٍّ ينْتَهِي إلى ما يُسِّرَ إليه، وأُعِين عليه، وذلك مِن اللهِ سبحانَه حكمةٌ يَنْفَعُ بها، ورحمةٌ وَسَّع فيها، وعنايةٌ يَأْجُرُ عليها، ودرجةٌ إن شاء اللهُ يَرْفَعُ بها مَنْ صَحَّتْ مَقَاصِدُه فيها، بارَك الله لنا ولك فيما يَسَّرنا إليهوالعلمُ لا يأْتِي إلَاّ بالعنايةِ والمُباحثةِ والمُلازمةِ، مع هدايةِ اللهِ وتَوْفِيقِه، قال أبو الدَّرْدَاء: العلمُ بالتَّعَلُّمِ، والحِلْمُ بالتَّحَلُّم. وقال ابنُ المُسَيَّب: إنْ كنتُ
لأسيرُ الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد. وقد كان يرحل إلى المدينة في المسألة الواحدة. وقد عُنِي موسى صَلَّى الله عليه في طلب المزيد من العلم إلى ما عندَه، وقال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} (الكهف: ٦٦)، وأوصى لقمان ابنه بمجالسة العلماء ومزاحمتهم بالرُّكَبِ. قال مالك: أقمت خمس عشرة سنة أغدو من منزلي إلى ابن هرمز، فأقيم عنده إلى صلاة الظهر. مع ملازمته لغيره، وكثرة عنايته. وأقام ابن القاسم متغَرِّبًا عن وطنه عشرين سنة في رحلتيه، ثم لم يرجع حتى مات مالك. ومما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ؛ مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي دُنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا». قال ابن مسعود: لا يستويان؛ المنهوم في العلم يزداد به خشية الرحمن، والمنهوم في المال يُؤَدِّيه إلى طُغيان. وفي بعض الحديث: «اللَّهُمَّ لَا فَقْرٌ يُنْسِينِي، ولا غِنًى يُطْغِينِي».
وقيل: إن طالب العلم يحتاج إلى البكور فيه، واستدامة الصبر على طلبه، وشدة الحرص عليه، وإذا كان الحريص لا يُقْلِعُ، والمنهومُ لا يَشْبَعُ، والحوادثُ تَحُولُ دون الأمل، فصرف الجُهْد والهِمَّةِ إلى ما يُتَعَجَّلُ بَرَكَتُه، مِن التَّفَقُّه في دينِ الله، وتتأجَّلُ غِبْطَتُه مِن العملِ به، أوْلَى مِن الاستكثار من الأسفار بلا تفَقُّهٍ، والتَّحَلِّي بغير تَحْقيقٍ.قال الحسن: إن هذا الدين ليس بالتحلي ولا بالتمنِّي، ولكن ما وَقَرَ في القلوب، وصَدَّقَتْه الأعمال. قال ابن هرمز: ما طَلَبْنا هذا الأَمْرَ حَقَّ طَلَبِه. قال غيره: وأرْجَى الناسِ في نَيْلِ ما يَبْقَى مَن جَدَّ في طَلَبِه، واسْتَدامَ الصبرَ عليه وأوْطَنَه. وممَّا تَمَثَّل به سَحْنُون:أَخْلِقُ بِذِي الصَّبْرِ أنْ يَحْظَى بِحَاجَتِهِ … ومُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلأَبْوَابِ أَنْ يَلِجَاوتمثَّل غَيرُه في حَمْلِ الأسْفارِ بلا تَفَقُّهٍ، فقال:
زَوَامِلُ لِلأَسْفَارِ لا عِلْمَ عِنْدَهُمْ … بِجَيِّدِهَا إِلَاّ كَعِلْمِ الأَبَاعِرِلَعَمْرُكَ مَا تَدْري المَطِيُّ إِذا غَدَا … بِأَحمالِهِ أَوْ رَاحَ مَا فِي الغَرَائِرِوكان يُقالُ: لا يؤْخَذُ العلم من كُتُبِيٍّ، ولا القرآنُ من مُصْحَفِيٍّ. وإنْ كانت الكتبُ في آخرِ الزمانِ خزائنُ العلوم؛ فإنَّ مَفاتيحَ مَغالِقِها الصُّدورُ، وقد كان العِلْمُ في الصَّدْرِ الأوَّل خزائِنُه الصدورُ ولم تكن كُتُبٌ، وصار في آخِرِ الزمانِ أكثرُه في الكتبِ وأقَلُّه في الصدور، وكثُرت الكتبُ بالشَّرْح والتَّأْلِيد والتَّفْسير لِمَا قال أهلُ المدينةِ وكَثُر التَّقْصير، وإن كان مُتَقَدِّمُو أهلِ المدينةِ أقلَّ تَكَلُّفًا مِن غيرِهم، وكانوا أَعْلَمَ الناس بالأُصولِ مِن الأحكامِ والسُّنَنِ، وما تكلَّم فيه الصحابةُ ومَن بعدَهم من التَّأويل، وما اخْتَلَفُوا من الحوادث، وإنَّما وُلِّفَتِ الكتبُ في القرن الثالث. قال مالك: لم يكنْ عندَ ابن شهاب كتابٌ إلَاّ كتابٌ فيه نَسَبُ قومِه. وكان عند أبي قلابة حِمْلُ بغْلٍ كتبًا ، وإنَّما كَثُرَ حَمْلُ الفِقْهِ عن أهل المدينة على قِلَّةِ تكَلُّفِهم للتأليف والتأليد لحاجة الناس إليهم، ولم يضعْ مالك كتابًا غير الموطَّأ، لَمَّا سأله المنصور في تأليفه، فاقتصد فيه، ولم يُكْثِر، وأنت كما ترى قلة تكلفه قد نُقِلَ عنه إلى العراق نحوٌ من سبعين ألف مسألة. قال شيوخ البغداديين: هذا غيرُ ما زاد علينا أهلُ العراق ومصر والمغرب؛ لأن أهل الآفاق كانوا يقصدون إليه رحلة وبحثًا في الفقه والحديث، مع قصد الأمراء وغيرهم من بلده وسائر البلدان، في النوازل وغيرها، فكثُرت الحاجة إليه، هذا مع كثرة توَقُّفه في الفتوى، والهروب منها، وكثرة قوله: لا أدري. فتأمَّلْ هذا
كلَّه يدُلُّك على جلالة حال الرَّجُل في ذلك العصر الذي كان فيه خيار الناس وكثرة الرغبة إليه، واجتماع القول على نقائه وتمامه، واختيارهم لاختياره، وذلك لما تأكَّد عند أهل العصر من جلالته في الدين، والنفاذ في الفقه والحديث، وجودة العقل والسلامة من الريب، وقد ذكرنا في كتاب (الذبِّ) عن غير شيء من مذاهبه بعض مناقبه وأحواله، ومَحَلَّه عند أئمَّة الناس في عصره، جعلنا الله وإيَّاكم ممَّن اتَّبع سبيل الذين مَضَوْا بإحسان.وإن كان مَن تقدَّم أهل المدينة يكرهون تأليد السُّؤَال، قال مالك: لم يكن الذين مضوا أكثر الناس مسائل، وأُراهم إنَّما يكرهون التكلُّف إلى ما ينتهي إلى التنطُّع، ولا يكرهون ما يُبَيَّنُ به للمتَعَلِّم مُشْكِلاً، وما يَعرِض من النوازل، وكان يقال: إذا نزل الشيء أُعِينَ عليه صاحبه، ولعمري إن السؤال يفتح العلم. قال ابن شهاب: العلم خزائن ويفتحها السؤال. وقال غيره: السؤال نصف العلم. قال ابن عباس: يُحْتاجُ للعلم لسانٌ سئولٌ، وقلب عَقُولٌ. وربما قال زيد بن أسلم لبعض من يخلط في سؤاله: اذهب فتعَلَّمْ تَسَل، ثم تأتي.قال أبو محمد: وذكرت -وفَّقنا الله وإيَّاك إلى مَحَابِّه- ما كَثُرَ من الكتب مع ما قلَّ من الحرص والرغبة، وضَعُفَ من الطلب والعناية، والحاجة إلى ما افترق في كثرة الكتب من شرح وتفسير وزيادة معنًى شديدة، ورَغِبْتَ في أن نستثير العزيمة وتفتح بابًا إلى شدَّة الرغبة بما رغبتَ فيه من اختصار ما افترق من ذلك في أُمَّهات الدواوين من تآليف المتعقِّبين، وذكرْتَ أن ما في
كتاب محمد بن إبراهيم ابن الْمَوَّاز، والكتاب المستخرج من الأسمعة، استخراج العتبي، والكتب المسماة الواضحة والسماع المضاف إليها المنسوبة إلى ابن حبيب، والكتب المسماة المَجْمُوعَة المنسوبة إلى ابن عبدوس، والكتب الفقهية من تأليف محمد ابن سحنون، أن هذه الدواوين تشتمل على أكثر ما رَغِبْتَ فيه من النوادر
والزيادات، ورغبتَ في استخراج ذلك منها وجَمْعِه باختصار من اللفظ في طلب المعنى، وتقصِّي ذلك وإن انبسط بعض البسط، والقناعة بما يُذْكَرُ في أحدها عن تكراره، والزيادة إليه ما زاد في غيره؛ ليكون ذلك كتابًا جامعًا لما افترق في هذه الدواوين من الفوائد، وغرائب المسائل، وزيادات المعاني على ما في المدونة، وليكون لمن جمَعه مع المدونة أو مع مختصرها مَقْنَعٌ بهما، وغِنًى بالاقتصار عليهما؛ لتَجْمع بذلك رغبَتُه، وتيتجمَّ همَّتُه، وتعظم مع قلَّة العناية بالجمع فائدته، وقد رغبتُ في العناية بذلك، لِمَا رَجَوْتُ إن شاء الله من بركة ذلك، والنفع له لمن رسمه، ولكل من تعلَّمه، وأنا أفي لك، إن شاء الله، بنوادر هذه الدواوين المذكورة، وأذكر ما أمكنني وحضرني من غيرها، وبالله نستعين في ذلك، وإيَّاه نستخير فيه، ونستمدُّه توفيقه وعصمته، ونسأله نفع ذلك وبركته، وصَلَّى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلَّم.واعْلَم أن أسعد الناس بهذا الكتاب مَن تقدمت له عناية، واتسعت له رواية؛ لأنه يشتمل على كثير من اختلاف علماء المالكيين، ولا يسَعُ الاختيار من الاختلاف للمُتَعلِّم ولا للمُقَصِّر، ومَن لم يكن فيه مَحْمَل الاختيار للقول لتقصيره فله في اختيار المتعقِّبين من أصحابنا من نُقَّادِهم مَقْنَعٌ، مِثْل
سحنون، وأصبغ، وعيسى بن دينار ومن بعدهم، مثل: ابن الْمَوَّاز، وابن عبدوس، وابن سحنون، وابن الْمَوَّاز أكثرهم تكلُّفًا للاختيارات، وليس يبلغ ابن حبيب في اختياره، وقوَّة رواياته مبلغ مَن ذكرنا، والله يهدي إلى سواء السبيل.وأنا أذكر لك رواياتي في هذه الدواوين، فأما المُسْتَخْرَجَة من السماعات فقد حدَّثني بها أبو بكر بن محمد، عن يحيى بن عبد العزيز، عن العتبي محمد بن أحمد.وأما المَجْمُوعَة فقد حدَّثَني بها حبيب بن الرَّبِيع، عن محمد بن بسطام، عن محمد بن عبدوس، عن سحنون، عن رجال مالك.
وأما كتب ابن الْمَوَّاز فروايتي عن درَّاس بن إسماعيل، عن علي بن عبد الله بن أبي مطر، عن محمد بن إبراهيم بن الْمَوَّاز، وبعضها عند عليٍّ إجازة. وأما الواضحة، والسماع فروايتي عن عبد الله بن مسرور، عن يوسف بن يحيى المغامي، عن عبد الملك بن حبيب.وأما كتب ابن سَحْنُون، فعن محمد بن موسى، عن أبيه، عن ابن
سَحْنُون، وبعضها عن محمد بن مسرور، عن غير واحد من أصحاب ابن سَحْنُون، عنه.ومختصر ابن عبد الحكم حدَّثني به محمد بن مسرور، عن المقدام، عن عبد الله. وما ذكرت فيه لبكر بن العلاء، وأبي بكر الأبهري، وأبي