شرح مختصر الطحاوي للجصاص (أبو بكر الرازي الجصاص) القسم: الفقه الحنفي الكتاب: شرح مختصر الطحاوي المؤلف: أبو بكر الرازي الجصاص (٣٠٥ - ٣٧٠ هـ)تحقيق: رسائل دكتوراه في الفقه، كلية الشريعة، جامعة أم القرى مكة المكرمة١ - عصمت الله عنايت الله محمد (من أول الكتاب إلى الحج)٢ - سائد محمد يحيى بكداش (من البيوع إلى النكاح)٣ - محمد عبيد الله خان (من الطلاق إلى الحدود)٤ - زينب محمد حسن فلاته (من السير والجهاد إلى آخر الكتاب)أعد الكتاب للطباعة وراجعه وصححه: أ. د. سائد بكداش الناشر: دار البشائر الإسلامية - ودار السراج الطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ مأعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بابأقل ما يجزئ من أعمال الصلاةمسألة: [فرائض الصلاة ست]قال أبو جعفر: (ولا فريضة في الصلاة إلا ست: التكبيرة الأولى)قال أبو بكر أحمد: المفروض عند أبي حنيفة ومحمد للافتتاح ذكر على وجه التعظيم، ولفظ التكبير يشتمل على جميعه؛ لأن قوله: "تحريمها التكبير": ينتظم كل ذكر على وجه التعظيم، إذ قد سمى القائل: (الله أعظم": ينتظم كل ذكر على وجه التعظيم، إذ قد سمي القائل: (الله أعظم)، و: (الله أجل): مكبرًا لله، وسمى من قال: (الله أكبر): معظمًا لله.ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: {قد أفلح من تذكى * وذكر اسم ربه فصلى} والفاء للتعقيب في اللغة، وليس ذكر يكون عقيبه الصلاة بلا
فصل، إلا ذكر الافتتاح، فقد تضمنت الآية جواز الافتتاح بجميع ما كان ذكرًا لله تعالى.فإن قيل: لما قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ورأيناه افتتح الصلاة بلفظ التكبير، وجب أن يكون ذلك حتمًا.قيل له: ليس تكبير الافتتاح عندنا من الصلاة؛ لأن الدخول في الصلاة ليس منها، فلم يتناوله لفظ الخبر.وأيضًا: قد أجاز مخالفنا بـ: "الله الأكبر"، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما افتتحها بـ: "الله أكبر"، فدل أن المراد المعنى، لا اللفظ.فإن قيل: لما لم يجز أن يقوم: "الله أعظم" مقام: "الله أكبر" في الأذان، كذلك في الافتتاح.قيل له: قد كان أبو الحسن الكرخي يحكي عنهم أنه يجوز.وإن فرقنا بينهما، فالفرق ظاهر؛ لأن الأذان للإعلام، وتغيير اللفظ يسقط معنى الإعلام، وتكبير الافتتاح للتعظيم، وقد وجد.فإن احتجوا بما حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا حجاج بن منهال قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيي بن خلاد عن
عمه أن رجلاً دخل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فصلى، فأمره رسول الله فأعاد مرتين أو ثلاثًان فقالك يا رسول الله! ما آلوت أن أتم صلاتي، فقال رسول الله صلى الله علي وسلم: "إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الطهور مواضعه، ثم يقول: الله أكبر، ثم يحمد الله ويثني عليه، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يكبر فيركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده؛ حتى يستوي قائمًا، ثم يكبر ويسجد حتى تطمئن مفاصله، فإذا لم يفعل ذلك لم تتم صلاته".قيل له: قال لي بعض من يتقن الحديث، إن هذا الحديث على هذا السياق لم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو مرسل؛ لأن بين على بن يحيي بن خلاد، وبين عمه رفاعة بن رافع، رجل قد ذكر في سائر الأخبار عن أبيه عن عمه، إلا أنه لم يذكر فيها: "ثم يقول: "الله أكبر"، إنما يقول "ثم يكبر".وعلى أنه إنما نفي التمام، ولم ينف الأصل.وعلى أنه قد ذكر معه سائر السنن التي تركها لا يفسد الصلاة، فالتكبير مثلها.[تتمة فرائض الصلاة:]قال أبو جعفر: (والقيام، والقراءة في ركعتين، والركوع، والسجود، والقعود مقدار التشهد الذي يتلوه السلام، فمن ترك شيئًا من هذه الست أعاد الصلاة).
قال أبو بكر أحمد: أما فرض القيام، فإن الأصل فيه قوله تعالى: {وقوموا الله قانتين}، وقوله تعالى: {فأذكر الله قيمًا وقعودًا وعلى جنوبكم}.وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه: "صل قائمًا، فإن لم تستطع: فقاعدًا، فإن لم تستطع: فعلى جنب توميء إيماء".* وقد بينا جهة وجوب القراءة في ركعتين من الصلاة.* وأما القعود في آخر الصلاة: فالأصل فيه ما روي في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله علي وسلم أنه قال: "إذا رفع الرجل رأسه من آخر سجدة، وقعد، ثم أحدث: فقد تمت صلاته"، فجعل القعدة شرطًا في الإتمام.ولأن فرض الصلاة متعلق بالفعل، فكل فعل ورد عن النبي صلى الله
عليه وسلم في الصلاة، فهو واجب، إلا ما قام دليله.ولأن فرض الصلاة مجمل، وفعله صلى الله عليه وسلم فيها وارد علة وجه البيا، فهو على الوجوب حتى يقوم دليل الندب.* وأما اعتبار مقدار التشهد: فيما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا أوب عاصم قال: حدثنا أبو عوانة عن الحكم عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال: "إذا جلس مقدار التشهد، ثم أحدث: فقد تمت صلاته".وما كان من هذا الباب من المقادير، فلا سبيل إلى إثباته إلا من طريق التوقيف، كأعداد الركعات، ومقادير الحدود ونحوها، فمهما ورد فيه عن الصحابي من تقدير، حكمنا بأنه قال من جهة التوقيف.وكذلك ما روي عن علي رضي الله عنه في: "أن لا مهر أقل من عشرة دراهم".وما روي عن أنس وابن عباس وعثمان بن أبي العاص رضي الله عنهم في مقدار الحيض والنفاس.
[مسألة:]قال أبو جعفر: (ومن ترك ما سوى الست: لم يعد الصلاة، وكان مسيئًا في تركه متعمدًا).قال أبو بكر: وذلك لما بينا فيماس لف.ويكون مسيئًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "وما نقصته من ذلك، فإنما نقصته من صلاتك". *****
باب سجود السهومسألة: [وجوب سجود السهو، وسببه]قال أبو جعفر: (إذا سها الرجل في صلاته، فترك القعدة الأولى، أو قعد في غير موضع القعود ....) إلى أخر ما ذكر.قال أبو بكر أحمد: سجود السهو يجب لمعان:أما ترك فعل في موضعه مسنون فيه الذكر، أو إدخال فعل في الصلاة ليس منها، أو ترك ذكر كثير مسنون في موضع واحد، وهو أربعة أركان: التشهد، والقنوت في الوتر، وتكبيرات العيدين، والقراءة، ولا يقضي من هذه الأركان شيء إلا القراءة، وتكبير العيد ما لمي فرغ من الركوع، فأما التشهد والقنوت: فلا يقضيان.والأصل فيه: أن الفعل اليسير في الصلاة، مثل الالتفاتة ونحوها، لا يوجب سجود السهو بالاتفاق.
"وقام النبي صلى الله عليه وسلم في الثنتين من الظهر، فسبح به، فلم يرجع، وسجد للسهو"، فصار ذلك أصلاً في أن اليسير من ترك الفعل، أو الزيادة، لا يوجب السهو، وأن الكثير يوجبه.وأما الأذكار، فما كان منها ذكرًا كثيرًا مسنونًا في موضع واحد، فهو كالفعل الكثير: فيوجب تركه سجود السهو، وما كان يسيرًا، نحو تكبير الركوع والسجود، أو متفرقًا في مواضع: فلا يوجب السهو، كما لا يوجبه الالتفات مرة بعد أخرى.مسألة: [محل سجود السهود]قال: (وسجدتا السهو بعد السلام في جميع الأحوال، ويتشهد بعدهما، ويسلم منهما عن يمينه وعن يساره).قال أبو بكر أحمد: والقول بسجود السهو بعد السلام مذهب ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، في آخرين من الصحابة رضوان الله
عليهم أجمعين.وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار متظاهرة في سجود السهو بعد السلام، فمنها ما روي عنه فعلاً، ومنها ما روي عنه قولاً وأمرًا.فأما الفعل: فبرواية سعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وعمران بن حصين، وأبي هريرة رضي الله عنهم "أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو بعد السلام".فهؤلاء نقلوا حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم لسجود السهو، تركنا ذكر أسانيدها لشهرتها.
وروي الأمر بتأخير سجود السهو عن السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظًا عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وثوبان رضي الله عنهم.فأما حديث عبد الله، فحدثناه دعلج بن أحمد قال: حدثنا محمد بن نعيم وعبد الله بن محد بن شيرويه قالا: حدثنا إسحاق بن راهوية قال: حدثنا عبيد بن سعيد الأموي قال: حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا شك أحدكم في الصلاة، فليتحر الصواب، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين".وقد سمعناه أيضًا في سنن أبي داود من طرق.وحدثنا دعلج قال: حدثنا محمد بن علي أو عبد الله المكي الصائع قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد الشافعي قال: سمعت فضيلاً - يعني ابن عياض - يقول: حدثني منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. مثل هذه ....وحدثنا دعلج قال: حدثنا عبد الله بن … قال: حدثنا عبد الله بن هاشم الطوسي قال: قال وكيع: "أيما أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل
عن عبد الله؟ أو: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عب الله؟فقال بعض القوم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله أقرب.فقال: "الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة، هم فقهاء".وروي عن وكيع أنه كان يقول: "إسناد الحجاز: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، وإسناد الكوفة: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه.وأما حديث عبد الله بن جعفر، فحدثناه محمد بن بكر قال نا أبو داود قال: نا أحمد بن إبراهيم قال: نا حجاج عن ابن جريج قالك أخبرني عبد الله بن مسافع أن مصعب بن شيبة أخبره عن عتبة بن محمد بن الحارث عن عبدالله بن جعفر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم".وأما حديث ثوبان، فحدثناه عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن
عبيد الله بن عبيد الكلاعي عن زهي بن سالم العنسي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في كل سهو سجدتان بعدما يسلم".فحكى هؤلاء لفظ النبي صلى الله عليه وسلم على تأخير سجود السهو عن السلام.فإن قيل: يحتمل أني ريد بن سلام التشهد.قيل له: قد روي في أخبار من نقل حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يسقط هذا التأويل.وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن علي الخزاز قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشاء، فسلم في ركعتين، فخرج سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة؟! فجاء ذو اليدين رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال للقوم: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق يا رسول الله، صليت ركعتين، فصلى بهم ركعتين، ثم تشهد، ثم سلم ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم تشهد".
فأخبر في هذا الحديث بسلام بعد التشهد، وهو الذ يتحلل به من الصلاة، وذكر السجود بعده، فزال معه التأويل الذي ذكرته.وقد روي في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه نحو ذلك.وذكر في عامة الأخبار: "فلما فرغ من صلاته وسلم".وفي بعضها: "فلما تمت صلاته، وسلم"زفعلمنا أن السلام الذي عقيبه سجود السهو، هو السلام الذي يتحلل به من الصلاة.وعلى أن إطلاق لفظ التسليم، يتناول السلام الموضوع للتحليل، وإنما ينصرف إلى غيره بدلالة، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "تحليلها التسليم"، أنه معقول به بالسلام الذي يلي التشهد.وقد روي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم في حديث الشاك في صلاته: "فليصل ركعة، وليسجد سجدتين من قبل أن يسلم".ورواه مالك وغيره عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يذكروا أبا سعيد.ورواه هشام بن سعد، فذكر فيه أبا سعيد.وروي ابن أخبي الزهري ومحمد بن إسحاق جميعًا عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا لم يدر أحدكم كم صلى، فليسجد سجدتين، قبل أن يسلم".زاد ابن إسحاق: "ثم ليسلم".وروي مالك والليث ومعمر بن عيينة هذا الحديث عن الزهرين فقالوا فيه: "فليسجد سجدتين، وهو جالس"، ولم يذكروا قبل السلام.