الهداية في شرح بداية المبتدي (المرغيناني) القسم: الفقه الحنفي الكتاب: الهداية في شرح بداية المبتدي المؤلف: برهان الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغيناني، (ت ٥٩٣ هـ)اعتنى بتصحيحه: طلال يوسف الناشر: دار احياء التراث العربي، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ معدد الأجزاء: ٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
كلمة دار إحياء التراث العربيإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا، وَبَثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءاً، وَاتَّقُوا اللَّه الذي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سديداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم، ومَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوزاً عظيماً} [الأحزاب: ٧١ - ٧٠].أما بعد فهذا كتاب «الهداية»(١) شرح بداية المبتدي في الفقه الحنفي لأبي الحسن، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن برهان الدين المرغيناني، الرشداني (ت ٥٩٣ هـ) الذي تحدث فيه عن الكتب الفقهية بدأه بالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وغيرها وانتهى به بكتاب السير.وهو شرح متن «البداية في الفقه» له ولكنه في الحقيقة كالشرح ل «مختصر القدوري»، و «الجامع الصغير» لمحمد، وعادته أن يحرر كلام الإمامين من المدعي والدليل، ثم يحرر مدعي الإمام الأعظم ويبسط دليله، بحيث يخرج الجواب من أدلتهما، فإذا كان تحريره مخالفاً لهذه العادة، يفهم منه الميل إلى ما ادعى الإمامان، ووظيفته أنْ يَشْرَحَ مسائل «الجامع الصغير» و «القدوري».(١) طبع بالقاهرة في أربعة أجزاء تقع في مجلدين عام ١٣٥٥ هـ/ ١٩٣٥ م، وهي الطبعة التي كانت أصلاً لعملنا. وقد شرح الكمال ابن الهمام (ت ٨٦١ هـ) «الهداية» في كتابه «شرح فتح القدير»، غير أن المنية اخترمته قبل إتمام هذا الشرح، فأكمله شمس الدين أحمد بن قودر المعروف بقاضي زاده بما سماه «نتائج الأفكار» وطبع الجميع في ثمانية أجزاء، (٦) لابن الهمام و (٢) لقاضي زاده في المكتبة التجارية بالقاهرة وتصور وتنشر طبعاته دار إحياء التراث العربي. انظر لمحات في المكتبة والبحث والمصادر للدكتور محمد عجاج الخطيب (٢٤٦)، وكتابه البحث العلمي للدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان الصفحة (٣٣٨).
ثم إنه اصطلح في كتابه على أُمور:منها: إذا قال في الكتاب» أراد القدوري. ومنها: أنه يذكر لفظ «قال» في أول كل مسألة، إذا كانت مسألة «القدوري»، أو «الجامع الصغير»، أو كانت مذكورة في «البداية»، وإن كانت مذكورة في غيرها لم يذكرها.ومنها: أنه يذكر مسائل القدوري أولاً، ومسائل الجامع الصغير في آخر الأبواب، وإذا كان نوع مخالفة بينها يُصَرِّح بلفظ «الجامع الصغير».ومنها: أنه إذا قال: «الحديث محمول على المعنى الفلاني» يريد به حمل أئمة الحديث، وإذا قال «نحمله» يريد حمل نفسه عليه دون الأئمة.ومنها: أنه يقول في الدليل العقلي: «لما بينا»، وفي الثابت بالكتاب «لما تلونا» وفي الثابت بالسنة لما روينا» وفي الثابت يقول الصحابة: «للأثر»، وقد لا يفرق بين الأثر والخبر ويقول: «لما روينا»، ويقول «لما ذكر» فيما هو أعم.ومنها: أنه يشير إلى المسألة التي أورد لها النظير بأسماء الإشارة التي للقرب، وإلى نظيرهابأسماء الإشارة التي للبعد.ومنها: أنه يُعبِّر عن الدليل العقلي بالفقه حيث يقول: «والفقه فيه كذا».ومنها: أنه إذا قال: «عن فلان»، يريد به الرواية عنه، وإذا قال «عند فلان» يريد به أنه مذهبه. ومنها: أنه إذا ذكر خاصته وتصرفه لا يقول «قلت» احترازاً عما فيه من الافتيات والأنانية بل يقول: «قال العبد الضعيف عفي عنه».ونظراً لأهمية هذا الكتاب الفقهية عند سادتنا الأحناف، فقد رأت «دار إحيار التراث العربي» أن تعيد نشره بحلة قشيبة جديدة ومصححة بعد تخريج آياته القرآنية وتصحيح أخطاء الطبعة السابقة، وقد عزت هذا الأمر لفضيلة الأستاذ باسم حسين عيتاني الذي تكرم مشكوراً بالاعتناء بهذا الكتاب الجليل وتصحيح ألفاظه بما قدر الله به وأعان. هذا ويجد القارئ ترجمة للمؤلف في الصفحات التي تلي هذه مباشرة.ربنا تقبل منا هذا العمل خالصاً لوجهك الكريم، وانفع به عبادك، وصل اللهم على سيدنا محمد الأمي وعلى آله وصحبه الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. دار إحياء التراث العربي بيروت ٢١ ذو الحجة ١٤١٥ هـالموافق ٢٠ أيار ١٩٩٥ م
ترجمة مؤلف الهدايةمذيلة ببيان موجز لبعض اصطلاحاته في كتابه نسبههو شيخ الإسلام الإمام برهان الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل، الفرغاني، المرغيناني، من أولاد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تبارك وتعالى عنه. كان إماماً فقيهاً حافظاً محدثاً مفسراً جامعاً للعلوم، ضابطاً للفنون، متقناً محققاً، نظاراً مدققاً، زاهداً ورعاً، بارعاً فاضلاً ماهراً، أصولياً أديباً شاعراً، لم تر العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف والباع الممتد في المذهب اه.والفرغاني: نسبة إلى فرغانة ناحية بالمشرق والمرغيناني: نسبة إلى مرغينان، بفتح الميم وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وياء ساكنة ونونين بينهما ألف: مدينةبفرغانة. مولده ووفاتهقال العلامة محمد عبد الحي اللكنوي: وكتب بعض أجدادي نقلاً عن خط علاء الدين: أن صاحب الهداية ولد عقيب صلاة العصر يوم الاثنين الثامن من رجب سنة إحدى عشرة وخمسمائة، ووفق لحج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم في سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وتوفي ليلة الثلاثاء الرابع عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، و دفن بسمرقند. شيوخهتفقه على الأئمة المشهورين منهم مفتي الثقلين نجم الدين أبو حفص عمر النسفي صاحب العقائد النسفية في التوحيد والإمام الصدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز والإمام ضياء الدين محمد بن الحسين البندنيجي تلميذ صاحب التحفة علاء الدين السمرقندي والإمام قوام الدين أحمد بن عبد الرشيد البخاري والد صاحب خلاصة الفتاوى.
كلام أهل عصره في شأنهوأقر له بالفضل والتقدم أهل عصره: كالإمام فخر الدين قاضيخان، والصدر الكبير برهان الدين صاحب المحيط البرهاني، والشيخ الإمام ظهير الدين محمد بن أحمد البخاري صاحب الفتاوي الظهيرية، والشيخ زين الدين أبو نصر أحمد بن محمد بن عمر العتابي وغيرهم. مؤلفاتهوله مؤلفات منها كتاب مجموع النوازل. وكتاب التجنيس والمزيد. وكتاب في الفرائض. وكتاب المنتقى. وكتاب بداية المبتدي. وكتاب كفاية المنتهى. وكتاب الهداية. ومناسك الحج.أما بداية المبتدي، فقد قال المؤلف رحمه الله: كان يخطر ببالي عند ابتداء حالي أن يكون كتاب في الفقه فيه من كل نوع، صغير الحجم كبير الرسم؛ وحيث وقع الاتفاق بتطواف الطرق، وجدت المختصر المنسوب إلى القدوري أجمل كتاب في أحسن إيجاز وإعجاب، ورأيت كبراء الدهر يرغبون الصغير والكبير في حفظ الجامع الصغير، فهممت أن أجمع بينهما ولا أتجاوز فيه عنهما إلا ما دعت الضرورة إليه، وسميته: [بداية المبتدي] وقد اختار في ترتيب أبوابه ترتيب الجامع الصغير تبركاً بما اختاره الإمام محمد بن الحسن. وقال المؤلف ولو وفقت لشرحها أرسمه ب [كفاية المنتهى] ثم وفق لشرحها ورسمه بكفاية المنتهى، وهو كتاب عزيز الوجود يقع في ثمانين مجلداً كما نقله اللكنوي عن مفتاح السعادة.ولما تبين فيه الإطناب وخشي أن يهجر منه الكتاب شرح المتن ثانياً مختصراً حاوياً نافعاً وافياً، سماه بالهداية؛ جمع فيه بين عيون الرواية، ومتون الدراية، وافتتح بتأليفه ظهر يوم الأربعاء من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وهو مقبول بين الأنام من الخواص والعوام. وقد أنشد الإمام عماد الدين ابن شيخ الإسلام صاحب الهداية في حقها:كِتَابُ الهِدَايَةِ يَهْدِي الهُدَى … إِلَى حَافِظِيهِ وَيَجْلُو العَمَىفَلَازِمْهُ وَاحْفَظْهُ يَاذَا الحِجَى … فَمَنْ نَالَهُ نَالَ أَقْصَى المُنَى
وقال غيره:إن الهداية كالقرآن قد نسخت ما صنفوا قبلها في الشرع من كتب.قال محمد عبد الحي اللكنوي: وهل هذا للقبول إلا بما روي أن صاحب الهداية بقي في تصنيفها ثلاث عشرة سنة، وكان صائماً في تلك المدة لا يفطر أصلاً، وكان يجتهد أن لا يطلع على صومه أحد، فإذا أتى خادمه بطعام يقول له خله ورح، فإذا راح كان يطعمه أحد الطلبة أو غيرهم، فإذا أتى الخادم ووجد الإناء فارغاً يظن أنه أكله بنفسه.وأول من قرأ الهداية على مؤلفها شمس الأئمة الكردري.وقد اعتنى جم غفير من العلماء، وجمع كثير من الفضلاء بتحرير الحواشي والشروح على الهداية.وقد طعن بعض حاسديه عليه بأنه أورد فيها الأحاديث التي ليست بتلك، ولهذا عُني كثير من العلماء بتخريج الأحاديث التي استند إليها صاحب الهداية؛ منهم الإمام محيي الدين عبد القادر بن محمد القرشي المصري، فقد وضع كتاباً في ذلك سماه [العناية بمعرفة أحاديث الهداية]، والشيخ علاء الدين ألف كتاباً سماه [الكفاية في معرفة أحاديث الهداية]، والشيخ جمال الدين بن عبد الله بن يوسف الزيلعي وضع كتاباً سماه [نصب الراية لأحاديث الهداية]. درجته بين علماء المذهبقال الإمام محمد عبد الحي اللكنوي في الفوائد البهية في تراجم الحنفية: واعلم أنهم قسموا أصحابنا الحنفية على ست طبقات. الأولى: طبقة المجتهدين في المذهب كأبي يوسف ومحمد وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام من القواعد التي قررها الإمام. والثانية: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف والطحاوي والكرخي والسرخسي والحلواني والبزدوي وغيرهم، وهم لا يقدرون على مخالفة إمامهم في الفروع والأصول، لكنهم يستنبطون الأحكام التي لا رواية فيها على حسب الأصول. والثالثة: طبقة أصحاب التخريج القادرين على تفصيل قول مجمل، وتكميل قول محتمل من دون قدرة على الاجتهاد. والرابعة: طبقة أصحاب الترجيح كالقدوري، وصاحب الهداية، القادرين على تفضيل بعض الروايات على بعض بحسن الدراية. والخامسة: طبقة المقلدين، القادرين على التمييز بين القوي والضعيف، والمرجح والسخيف، كأصحاب المتون الأربعة المعتبرة. والسادسة: من
دونهم الذين لا يفرقون بين الغث والسمين، والشمال واليمين انتهى.وكتب أبو فراس الغساني صاحب التعاليق على الفوائد البهية في ترجمة مؤلف الهداية ما نصه: ذكره ابن كمال باشا من طبقة أصحاب الترجيح القادرين على تفضيل بعض الروايات على بعض برأيهم النجيح. وتعقب بأن شأنه ليس أدون من قاضيخان، وله في نقد الدلائل واستخراج المسائل شأن أي شأن، فهو أحق بالاجتهاد في المذهب، وعده من المجتهدين في المذهب إلى العقل السليم أقرب. آدابه وعاداته في كتابهاعلم أن له فيها آداباً وعادات لزوماً أو غلبة: منها إذا قال (قال رضي الله عنه يريد نفسه، كذا قال الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي، وقال أبو السعود: إن صاحب الهداية إذا ذكر خاصة تصرفه يقول: قال العبد الضعيف عفا الله عنه، إلا أن بعض تلامذته بعد وفاته قدس سره غير هذه العبارة إلى: قال رضي الله عنه اه.وإنما لم يذكر نفسه بصيغة المتكلم تحرزاً عن توهم الأنانية، وهذا من العادات المستمرة لسادات الفقهاء والمحدثين رحمهم الله تعالى.ومنها أنه يؤخر دليل المذهب المختار عنده على عكس ما صنعه الإمام قاضيخان في الخانية. وفي نتائج الأفكار: من عادة المصنف المستمرة أن يؤخر القوي عند ذكر الأدلة على الأقوال المختلفة، ليقع المؤخر بمنزلة الجواب عن المقدم وإن كان قدم القوي في الأكثر عند نقل الأقوال.ومنها إذا قال (مشايخنا) يريد به علماء ما وراء النهر من بخارى وسمرقند كذا في العناية. ونقل في وقف النهر عن العلامة قاسم أن المراد بالمشايخ في الاصطلاح من لم يدرك الإمام.ومنها إذا قال (في ديارنا) يريد به المدن التي وراء النهر، كذا يفهم من فتح القدير.ومنها أنه يعبر عن الآية التي ذكرها فيما قبل (بما تلونا) وعن الدليل العقلي الذي ذكره فيما قبل (بما ذكرنا وما بينا) وعن الحديث الذي ذكره فيما قبل (بما روينا) كذا في نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار، وربما يقول (لما بينا) مشيراً إلى الكتاب والسنة والمعقول، كذا يفهم من الكفاية في باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه. وفي مفتاح السعادة أنه يقول (لما ذكرنا) فيما هو أعم، ويعبر عن قول الصحابي رضي الله تعالى عنه
بالأثر؛ وقد لا يفرق بين الخبر والأثر، ويقول فيهما (لما روينا) كذا في مفتاح السعادة.ومنها أنه كثيراً ما يجعل علة النص دليلاً مستقلاً عقلياً على أصل المسألة إفادة للفائدتين كذا في نتائج الأفكار.ومنها أنه يعبر عن الدليل العقلي بالفقه ويقول (الفقه فيه كذا) كذا في مفتاح السعادة.ومنها أنه ربما يذكر الدليل العقلي بعد الدليل العقلي كأنه يومئ إلى لمه.قال في نتائج الأفكار: دأب المصنف أنه يقول بعد ذكر دليل على مدعي (وهذا لأن الخ) يريد به ذكر دليل لمي بعد أن ذكر دليلاً إنّياً.ومنها أنه حيث ذكر الأصل أراد به المبسوط للإمام أبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني.ومنها أنه حيث يذكر لفظ المختصر يريد به مختصر القدوري، وحيث يذكر لفظ الكتاب يريد به الجامع الصغير.ومنها أنه يذكر مسائل القدوري أولاً، ثم يذكر مسائل الجامع الصغير في آخر الباب.منها إذا كان هناك نوع مخالفة بين عبارة القدوري وعبارة الجامع الصغير يصرح بلفظ (وفي الجامع الصغير) وإلا يذكر عبارة الجامع في الآخر من غير تصريح بهذا اللفظ، بل يقول قال فقط، وتارة لا يصرح بلفظ قال.ومنها أن لفظ (قالوا) إنما يستعمله فيما فيه اختلاف.ومنها أنه إذا قال (هذا الحديث محمول على كذا) فمراده أن أهل الحديث حملوه على ذلك، وإذا قال (نحمله) أراد أنه يحمله هو نفسه دون أهل الحديث.ومنها أنه إذا قال (عن فلان) يريد الرواية عنه، وإذا قال عند فلان يريد أنه مذهبه.ومنها أنه لا يذكر الفاء في جواب أما جرياً على بعض أقوال النحاة.ومنها أنه يسقط الواو من إن الوصلية، لكن هذه العادة والتي قبلها لم تراع في النسخ الموجودة إلا في مواضع قليلة.ومنها أنه يورد النظير لمسألة ثم يشير إلى النظير باسم الإشارة المستعمل للبعيد، وإلى الأول بما يستعمل للقريب.ومنها أنه يجيب عن السؤال المقدر ولا يصرح بالسؤال ولا يقول (فإن قيل كذا قلنا) إلا في ثلاثة مواضع: في موضعين من كتاب أدب القاضي وفي موضع من كتاب الغصب.
المسامحات التي وقعت في النصف الأخير من كتابهمنها ما قال في المسائل المنثورة من كتاب البيوع لقوله عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث «فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين») اه.هذه الإشارة وقعت سهواً من قلم الناسخ. قال الزيلعي: لم أعرف الحديث الذي أشار إليه المصنف رحمه الله ولم يتقدم في هذا المعنى إلا حديث معاذ وهو في كتاب الزكاة، وحديث بريدة وهو في كتاب السير وليس فيهما ذلك اه.ومنها ما قال في كتاب الكفالة في آخر فصل الضمان (والشافعي رحمه الله ألحق الثاني بالأول، وأبو يوسف رحمه الله فيما يروى عنه ألحق الأول بالثاني) اه. في الكفاية تبعاً لما في النهاية. هذا ليس بصحيح، بل الصحيح عكسه؛ وهو أن يقال: والشافعي ألحق الأول بالثاني، وأبو يوسف فيما يروى عنه ألحق الثاني بالأول اه.وفي العناية: فمن الشارحين من حمله على الرواية عن كل واحد منهما، ومنهم من حمله على الغلط من الناسخ ولعله أظهر اه. وفي فتح القدير أن هذا سهو من الكاتب.ومنها ما قال في كتاب القسمة في باب دعوى الغلط في القسمة والاستحقاق فيها في فصل بيان الاستحقاق وهكذا ذكر في الأسرار) وهذا من المسامحات، فإن وضع المسألة في الأسرار في استحقاق بعض شائع، وها هنا الكلام في استحقاق بعض بعينه، كذا في الكفاية.ومنها ما قال في كتاب الذبائح (فإنه أي الحلقوم مجرى العلف والماء، والمريء مجرى النفس) وهذا ليس بجيد والحق عكسه؛ فإن الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى العلف والماء كذا في الإيضاح والمغرب وغيرهما.ومنها ما قال في كتاب الذبائح (والنخاع: عرق أبيض في عظم الرقبة) نسبه صاحب النهاية إلى السهو، وقال: هو خيط أبيض في جوف عظم الرقبة يمتد إلى الصلب.ومنها ما قال في كتاب الديات في فصل بعد فصل الشجاج (وقالا وزفر والحسن الخ) هذا التركيب غير جائز، ولو قال وقالاهما وزفر والحسن الخ كان صواباً، كذا في العناية.ومنها ما قال في كتاب الوصايا في آخر باب العتق في مرض الموت (فعنده الوديعة أقوى وعندهما سواء) هذا من المسامحات، فإن الكبار القدماء ذكروا الخلاف على العكس؛ فالفقيه أبو الليث السمرقندي في كتاب مختلف الرواية، والقدوري في كتاب
التقريب، وفخر الإسلام في شرح الجامع الصغير، وغيرهم قالوا: إن عندهما الوديعة أقوى وعنده هما سواء، والتفصيل في غاية البيان نقله اللكنوي.ومنها ما قال في كتاب الوصايا في الفصل التالي لباب العتق في مرض الموت (وهو قول محمد رحمه الله قال اللكنوي: أقول: لعل المصنف رحمه الله وجد رواية، وإلا فالقدوري في شرح مختصر الكرخي وشمس الأئمة البيهقي في الكفاية وصاحب التحفة والشيخ أبو نصر في شرح الأقطع جعلوا قول محمد صلى الله عليه وسلم تقديم الزكاة على الحج كذا في غاية البيان.ومنها ما قال في كتاب الوصايا في باب الوصية للأقارب وغيرهم (لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج صفية (الخ) والصواب جويرية بدل صفية، كما يفهم من رواية أبي داود وغيره اهـ. لكنوي.
"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"حديث شريف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أعلى معالم العلم وأعلامه وأظهر شعائر الشرع وأحكامه وبعث رسلا وأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين إلى سبل الحق هادين وأخلفهم علماء إلى سنن سنتهم داعين يسلكون فيما لم يؤثر عنهم مسلك الاجتهاد مسترشدين منه في ذلك وهو ولي الإرشاد وخص أوائل المستنبطين بالتوفيق حتى وضعوا مسائل من كل جلي ودقيق غير أن الحوادث متعاقبة الوقوع والنوازل يضيق عنها نطاق الموضوع واقتناص الشوارد بالاقتباس من الموارد والاعتبار بالأمثال من صنعة الرجال وبالوقوف على المآخذ يعض عليها بالنواجذ.وقد جرى علي الوعد في مبدإ بداية المهتدي أن أشرحها بتوفيق الله تعالى شرحا أرسمه بكفاية المنتهى فشرعت فيه والوعد يسوغ بعض المساغ وحين أكاد أتكئ عنه اتكاء الفراغ تبينت فيه نبذا من الإطناب وخشيت أن يهجر لأجله الكتاب فصرفت العنان والعناية إلى شرح آخر موسوم بالهداية أجمع فيه بتوفيق الله تعالى بين عيون الرواية ومتون الدراية تاركا للزوائد في كل باب معرضا عن هذا النوع من الإسهاب مع ما أنه يشتمل على أصول ينسحب عليها فصول وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمامها ويختم لي بالسعادة بعد اختتامنها حتى أن من سمت همته إلى مزيد الوقوف يرغب في الأطول والأكبر ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر وللناس فيما يعشقون مذاهب والفن خير كله ثم سألني بعض إخواني أن أملي عليهم المجموع الثاني فافتتحه مستعينا بالله تعالى في تحرير ما أقاوله متضرعا إليه في التيسير لما أحاوله إنه الميسر لكل عسير وهو على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وحسبنا الله ونعم الوكيل.
كتاب الطهاراتقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: ٦] الآية، "ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس" بهذا النص والغسل هو الإسالة والمسح هو الإصابة وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن وإلى شحمتي الأذن لأن المواجهة تقع بهذه الجملة وهو مشتق منها "والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل" عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى هو يقول الغاية لا تدخل تحت المغيا كالليل في باب الصوم.ولنا أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها إذ لولاها لاستوعبت الوظيفة الكل وفي باب الصوم لمد الحكم إليها إذ الاسم يطلق على الإمساك ساعة والكعب هو العظم الناتئ هو الصحيح ومنه الكاعب.قال: "والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس" لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه والكتاب مجمل فالتحق بيانا به وهو حجة على الشافعي في التقدير بثلاث شعرات وعلى مالك في اشتراط الاستيعاب وفي بعض الروايات قدره بعض أصحابنا رحمهم الله تعالى بثلاث أصابع من أصابع اليد لأنها أكثر ما هو الأصل في آلة المسح.قال: "وسنن الطهارة: غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ المتوضئ من نومه" لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده" ولأن اليد آلة التطهير فتسن البداءة بتنظيفها وهذا الغسل إلى الرسغ لوقوع الكفاية به في التنظيف.قال: "وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء" لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا وضوء لمن لم يسم الله" والمراد به نفي الفضيلة. والأصح أنها مستحبة وإن سماها في الكتاب سنة ويسمى قبل الاستنجاء وبعده هو الصحيح.قال: "والسواك" لأنه عليه الصلاة والسلام كان يواظب عليه وعند فقده يعالج
بالأصبع، لأنه عليه الصلاة والسلام فعل كذلك والأصح أنه مستحب.قال: "والمضمضة والاستننشاق" لأنه عليه الصلاة والسلام فعلهما على المواظبة.وكيفيته أن يمضمض ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا ثم يستنشق كذلك هو المحكي عن وضوئه صلى الله عليه وسلم "ومسح الأذنين" وهو سنة بماء الرأس عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى لقوله عليه الصلاة والسلام: "الأذنان من الرأس" والمراد بيان الحكم دون الخلقة.قال: "وتخليل اللحية" لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمره جبريل عليه السلام بذلك وقيل هو سنة عند أبي يوسف رحمه الله جائز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لأن السنة إكمال الفرض في محله والداخل ليس بمحل الفرض.قال: "وتخليل الأصابع" لقوله عليه الصلاة والسلام: "خللوا أصابعكم كي لا تتخللها نار جهنم" ولأنه إكمال الفرض في محله.قال: "وتكرار الغسل إلى الثلاث" لأن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به" وتوضأ مرتين مرتين وقال: "هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين" وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم" والوعيد لعدم رؤيته سنة.قال: "ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة" فالنية في الوضوء سنة عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى فرض لأنه عبادة فلا تصح بدون النية كالتيمم ولنا أنه لا يقع قربة إلا بالنية ولكنه يقع مفتاحا للصلاة لوقوعه طهارة باستعمال المطهر بخلاف التيمم لأن التراب غير مطهر إلا في حال إرادة الصلاة أو هو ينبئ عن القصد "ويستوعب رأسه بالمسح" وهو سنة. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: السنة التثليث بمياه مختلفة اعتبارا بالمغسول ولنا أن أنسا رضي الله عنه توضأ ثلاثا ثلاثا ومسح برأسه مرة واحدة وقال هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يروى من التثليث محمول عليه بماء واحد وهو مشروع على ما روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولأن المفروض هو المسح وبالتكرار يصير غسلا ولا يكون مسنونا فصار كمسح الخف بخلاف الغسل لأنه لا يضره التكرار.قال: "ويرتب الوضوء فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن" فالترتيب في الوضوء سنة عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى فرض لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: ٦] الآية والفاء للتعقيب ولنا أن المذكور فيها حرف الواو وهي لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة فتقتضي إعقاب غسل جملة الأعضاء والبداءة بالميامن
فضيلة لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله تعالى يحب التيامن في كل شيء حتى التنعل والترجل".
ولهما أنه لزج لا تتخلله النجاسة وما يتصل به قليل والقليل في القيء غير ناقض "ولو قاء دما هو علق يعتبر فيه ملء الفم لأنه سودءا محترقة" وإن كان مائعا فكذلك عند محمد رحمه الله اعتبارا بسائر أنواعه وعندهما إن سال بقوة نفسه ينتقض الوضوء وإن كان قليلا لأن المعدة ليست بمحل الدم فيكون من قرحه في الجوف "ولو نزل" من الرأس "إلى ما لأن من الأنف نقض بالإتفاق" لوصوله إلى موضع يلحقه حكم التطهير فيتحقق الخروج "والنوم مضطجعا أو متطئا أو مستندا إلى شيء لو أزيل عنه لسقط" لأن الاضطجاع سبب لاسترخاء المافصل فلا يعرى عن خروج شيء عادة والثابت عادة كالمتيقن به والاتكاء يزيل مسكة اليقظة لزوال المقعد عن الأرض ويبلغ الاسترخاء عايته بهذا النوع من الاستناد غير أن السند يمنعه من السقوط بخلاف النوم حالة القيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة وغيرهما في الصحيح لأن بعض الاستمساك باق إذ لو زال لسقط فلم يتم الإسترخاء والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: "لا وضوء على من نام قائما أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا إنما الوضوء على من نام مضطجعا" فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصلة "والغلبة على العقل بالإغماء والجنون" لأنه فوق النوم مضطجعا في الاسترخاء والإغماء حدث في الأحوال كلها وهو القياس في النوم إلا أنا عرفناه بالأثر والإغماء فوقه فلا يقاس عليه "والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود" والقياس أنها لا تنقض وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لأنه ليس بخارج نجس ولهذا لم يكن حدثا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وخارج الصلاة ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: "ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعا" وبمثله يترك القياس والأثر ورد في صلاة مطلقة فيقتصر عليها والقهقهة ما يكون مسموعا له ولجيرانه والضحك ما يكون مسموعا له دون جيرانه وهو على ما قيل يفسد الصلاة دون الوضوء "والدابة تخرج من الدبر ناقضة فإن خرجت من رأس الجرح أو سقط اللحم لا تنقض" والمراد بالدابة الدودة وهذا لأن النجس ما عليها وذلك قليل وهو حدث في السبيلين دون غيرهما فأشبه الجشاء والفساء بخلاف الريح الخارجة من قبل المرأة وذكر الرجل لأنها لا تنبعث عن محل النجاسة حتى لو كانت المرأة مفضاة يستحب لها الوضوء لاحتمال خروجها من الدبر "فإن قشرت نقطة فسال منها ماء أو صديد أو غيره إن سال عن رأس الجرح نقض وإن لم يسل لا ينقض" وقال زفر رحمه الله تعالى ينقض في الوجهين. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا ينقض في الوجهين وهي مسألة الخارج من غير السبيلين، وهذه الجملة نجسة لأن الدم ينضج فيصير قيحا ثم يزداد نضجا فيصير صديدا ثم يصير ماء، هذا