العناية شرح الهداية - بهامش فتح القدير ط الحلبي (البابرتي) القسم: الفقه الحنفي الكتاب: العناية شرح الهداية المؤلف: أكمل الدين، محمد بن محمد بن محمود البابرتي (ت ٧٨٦ هـ)مطبوع بهامش: «فتح القدير» للكمال ابن الهمام الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصفى البابي الحلبي وأولاده بمصر الطبعة: الأولى، ١٣٨٩ هـ - ١٩٧٠ معدد الأجزاء: ١٠وصَوّرتْها: دار الفكر، بيروت[تنبيه] بأعلى الصفحة كتاب «الهداية» للمرغيناني، يليه -مفصولا بفاصل- شرحه «العناية» للبابرتي[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ(إذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ الْقِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) «لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً»؛ وَلِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. قَالَ (بَابُ صَلَاة الْمَرِيض)ذَكَرَ صَلَاةَ الْمَرِيضِ عَقِبَ سُجُودِ السَّهْوِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ مَوْقِعًا لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيَانِهِ أَمَسَّ فَقَدَّمَهُ (إذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ) بِأَنْ يُلْحِقَهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً» وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ وَلَوْ قَدْرَ آيَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ دُونَ تَمَامِهِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ: يُؤْمَرُ بِأَنْ يَقُومَ مِقْدَارَ مَا يَقْدِرُ، فَإِذَا عَجَزَ قَعَدَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ خَشِيت أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَا يُرْوَى عَنْ أَصْحَابِنَا خِلَافُهُ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ مُتَّكِئًا، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا مُتَّكِئًا، وَلَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا قَدَرَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى عَصًا أَوْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ لَوْ
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَأَ إيمَاءً) يَعْنِي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ وُسْعُ مِثْلِهِ (وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ)؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُمَا فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا (وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إنْ قَدَرْتَ أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ وَإِلَّا فَأَوْمِئْ بِرَأْسِكَ» فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ يَخْفِضُ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِوُجُودِ الْإِيمَاءِ، فَإِنَّ وَضْعَ ذَلِكَ عَلَى جَبْهَتِهِ لَا يُجْزِئُهُ لِانْعِدَامِهِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَأَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» قَالَ (وَإِنْ اسْتَلْقَى عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ فَأَوْمَأَ جَازَ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَأَ إيمَاءً) يَعْنِي قَاعِدًا لِأَنَّهُ وَسِعَ مِثْلَهُ (وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِيمَاءَ (قَائِمٌ مَقَامَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا (وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إنْ قَدَرْت أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ، وَإِلَّا فَأُومِ بِرَأْسِك» فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يَخْفِضَ رَأْسَهُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ لَا، فَإِنْ خَفَضَ جَازَ لِوُجُودِ الْإِيمَاءِ، وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِهِ. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ وِسَادَةً تَحْتَ رَأْسِهِ) حَتَّى يَكُونَ شِبْهَ الْقَاعِدِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِيمَاءِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إذْ حَقِيقَةُ الِاسْتِلْقَاءِ يَمْنَعُ الْأَصِحَّاءَ عَنْ الْإِيمَاءِ. فَكَيْفَ بِالْمَرْضَى لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «يُصَلِّي الْمَرِيضُ» الْحَدِيثَ.وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» فَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِيمَاءِ قَالَ أَحَقُّ بِقَبُولِ عُذْرِ التَّأْخِيرِ دُونَ الْإِسْقَاطِ، وَمَنْ قَالَ بِسُقُوطِهِ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ أَحَقُّ بِقَبُولِ عُذْرِ الْإِسْقَاطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ
بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيمالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا فِي الْبِدَايَةِ لِمَعْرِفَةِ الْهِدَايَةِ، وَرَعَانَا بِعَيْنِ الْعِنَايَةِ فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْجَهْلِ وَالْغَوَايَةِ، وَجَعَلْنَا مِمَّنْ آمَنَ بِمَا أَنْزَلَ وَاتَّبَعَ الرُّسُلَ وَوُفِّقَ لِلدِّرَايَةِ، وَخَصَّنَا بِأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأُمَمِ بِفَضْلٍ مِنْهُ وَكَمَالِ الرِّعَايَةِ. أَحْمَدُهُ عَلَى إفَاضَةِ حُكْمِهِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى سَوَابِغِ نِعَمِهِ، وَأُصَلِّي عَلَى مَنْ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِلرِّسَالَةِ، فَكَانَ خَازِنًا عَلَى وَحْيِهِ حَامِيًا أَمِينًا، وَحَبَاهُ بِمَعْرِفَةِ أُمِّ الْكِتَابِ مَعْدِنِ الْأَنْوَارِ وَالْأَسْرَارِ فَكَانَ إمَامًا حَاوِيًا مُبِينًا، مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ إلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ بِالْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ الْمُعْجِزِ الْمُنَوِّرِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْقَائِمِينَ بِنُصْرَةِ الدِّينِ الْقَوِيمِ الْأَزْهَرِ، وَالصَّفْوَةِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أُمَّتِهِ الْوَارِثِينَ لِعِلْمِهِ الْعَزِيزِ الْأَنْوَرِ.يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ الْحَفِيِّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَنَفِيُّ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَعَامَلَهُمْ بِلُطْفِهِ الْخَفِيِّ: [أَمَّا بَعْدُ] فَإِنَّ كِتَابَ الْهِدَايَةِ لِمَئِنَّةِ الْهِدَايَةِ، لِاحْتِوَائِهِ عَلَى أُصُولِ الدِّرَايَةِ وَانْطِوَائِهِ عَلَى مُتُونِ الرِّوَايَةِ،
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ الْعِلْمِ وَأَعْلَامَهُ، خَلَصَتْ مَعَادِنُ أَلْفَاظِهِ مِنْ خُبْثِ الْإِسْهَابِ، وَخَلَتْ نَقُودُ مَعَانِيهِ عَنْ زَيْفِ الْإِيجَازِ وَبَهْرَجِ الْإِطْنَابِ، فَبَرَزَ بُرُوزَ الْإِبْرِيزِ مُرَكَّبًا مِنْ مَعْنًى وَجِيزٍ، تَمَشَّتْ فِي الْمَفَاصِلِ عُذُوبَتُهُ، وَفِي الْأَفْكَارِ رِقَّتُهُ، وَفِي الْعُقُولِ حِدَّتُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَرُبَّمَا خَفِيَتْ جَوَاهِرُهُ فِي مَعَادِنِهَا، وَاسْتَتَرَتْ لَطَائِفُهُ فِي مَكَامِنِهَا.فَلِذَلِكَ تَصَدَّى الشَّيْخُ الْإِمَامُ وَالْقَرْمُ الْهُمَامُ، جَامِعُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُقَرِّرُ مَبَانِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، حُسَامُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ السِّغْنَاقِيُّ سَقَى اللَّهُ ثَرَاهُ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَثْوَاهُ؛ لِإِبْرَازِ ذَلِكَ وَالتَّنْقِيرِ عَمَّا هُنَالِكَ، فَشَرَحَهُ شَرْحًا وَافِيًا وَبَيَّنَ مَا أَشْكَلَ مِنْهُ بَيَانًا شَافِيًا، وَسَمَّاهُ النِّهَايَةَ لِوُقُوعِهِ فِي نِهَايَةِ التَّحْقِيقِ، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي التَّدْقِيقِ، لَكِنْ وَقَعَ فِيهِ بَعْضُ إطْنَابٍ، لَا بِحَيْثُ أَنْ يُهْجَرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابُ، وَلَكِنْ يَعْسُرُ اسْتِحْضَارُهُ وَقْتَ إلْقَاءِ الدَّرْسِ عَلَى الطُّلَّابِ، وَكَانُوا يَقْتَرِحُونَ عِنْدَ الْمُذَاكَرَةِ أَنْ أَخْتَصِرَهُ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ حَلُّ أَلْفَاظِ الْهِدَايَةِ وَبَيَانُ مَبَانِيهِ، وَيَحْصُلُ بِهِ تَطْبِيقُ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَقْرِيرِ أَحْكَامِهِ وَمَعَانِيهِ.وَكُنْت أَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ غَايَةَ الِامْتِنَاعِ وَأُسَوِّفُهُمْ مِنْ الْأَعْوَامِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، وَكَانَ امْتِنَاعِي يَزِيدُهُمْ غَرَامًا وَتَسْوِيفِي يُفِيدُهُمْ هُيَامًا، فَلَمْ نَزَلْ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ حَتَّى أَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ بِالْحِجَاجِ، فَاسْتَخَرْت اللَّهَ تَعَالَى وَأَقْدَمْت عَلَى هَذَا الْخَطْبِ الْخَطِيرِ، وَتَضَرَّعْت بِضَرَاعَةِ الطَّلَبِ إلَى الْعَالِمِ الْخَبِيرِ فِي اسْتِنْزَالِ كِلَاءَتِهِ عَنْ الزَّلَلِ فِي التَّحْرِيرِ وَالتَّقْرِيرِ، وَجَمَعْت مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوحِ مَا ظَنَنْت أَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَيَكُونُ الِاعْتِمَادُ وَقْتَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَأَشَرْت إلَى مَا يَتِمُّ بِهِ مُقَدَّمَاتُ الدَّلِيلِ وَتَرْتِيبُهُ، وَلَمْ آلُ جَهْدًا فِي تَنْقِيحِهِ وَتَهْذِيبِهِ، وَأَوْرَدْت مَبَاحِثَ لَمْ أَظْفَرْ عَلَيْهَا فِي كِتَابٍ، وَلَمْ تَصِلْ إلَيَّ عَنْ أَحَدٍ لَا بِرِسَالَةٍ وَلَا خِطَابٍ، بَلْ كَانَ خَاطِرِي أَبَا عُذْرِهِ وَمُقْتَضِبَ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ. وَسَمَّيْته (الْعِنَايَةَ) لِحُصُولِهِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَالْعِنَايَةِ، وَسَأَلْت اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ، إنَّهُ أَكْرَمُ مَسْئُولٍ وَأَعَزُّ مَأْمُولٍ.ثُمَّ إنِّي أَرْوِي كِتَابَ الْهِدَايَةِ عَنْ شَيْخِي الْعَلَّامَةِ إمَامِ الْهُدَى مَعْدِنِ التَّقِيِّ، فَرِيدِ عَصْرِهِ وَوَحِيدِ دَهْرِهِ، قُدْوَةِ الْعُلَمَاءِ عُمْدَةِ الْفُضَلَاءِ، قِوَامِ الْحَقِّ وَالْمِلَّةِ وَالدِّينِ الْكَاكِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ، وَهُوَ يَرْوِيهِ عَنْ شَيْخَيْهِ الْعَلَّامَتَيْنِ الْإِمَامَيْنِ الْهُمَامَيْنِ الْمُجْتَهِدَيْنِ مَوْلَانَا عَلَاءِ الدِّينِ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَاحِبِ الْكَشْفِ وَمَوْلَانَا حُسَامِ الدِّينِ حُسَيْنٍ السِّغْنَاقِيِّ صَاحِبِ النِّهَايَةِ، بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُمَا وَنَوَّرَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ مَهْجَعَهُمَا.وَهُمَا يَرْوِيَانِهِ عَنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ السَّالِكِ النَّاسِكِ الْبَارِعِ الْوَرِعِ التَّقِيِّ النَّقِيِّ أُسْتَاذِ الْعُلَمَاءِ مَوْلَانَا حَافِظِ الدِّينِ الْكَبِيرِ، وَعَنْ قُطْبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَقُدْوَةِ الْمُحَقِّقِينَ وَأُسْوَةِ الْمُتَّقِينَ مَوْلَانَا فَخْرِ الدِّينِ الْمَايَمُرْغِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَهُمَا يَرْوِيَانِهِ عَنْ أُسْتَاذِ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا مُظْهِرِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْعُلْيَا شَمْسِ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السِّتَارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَرْدَرِيِّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ، وَهُوَ يَرْوِيهِ عَنْ شَيْخِهِ شَيْخِ شُيُوخِ الْإِسْلَامِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَى الْأَنَامِ، مُرْشِدِ عُلَمَاءِ الدَّهْرِ مَا تَكَرَّرَتْ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، وَالْمَخْصُوصِ بِالْعِنَايَةِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ وَلِوَالِدَيْهِمْ وَلَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَأَثَابَنَا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ وَخَتَمَ لَنَا بِخَيْرٍ فِي عَافِيَةٍ أَجْمَعِينَ، إنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ الْعِلْمِ وَأَعْلَامَهُ) اللَّامُ فِي الْحَمْدِ لِلْجِنْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ
وَأَظْهَرَ شَعَائِرَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ، لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَجَعْلُهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلِلْعَهْدِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ خَالِقُونَ لِأَفْعَالِهِمْ فَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ الْحَمْدِ مَا يُقَابِلُهَا فَلَا يَكُونُ الِاسْتِغْرَاقُ صَحِيحًا لَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ جَعَلَهُ لِلْعَهْدِ: أَعْنِي الذِّهْنِيَّ، وَصَاحِبُ الْكَشَّافِ جَعَلَهُ لِلْجِنْسِ. وَالْحَمْدُ هُوَ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ عَلَى جِهَةِ التَّفْضِيلِ، فَقَوْلُنَا هُوَ الْوَصْفُ كَالْجِنْسِ، وَقَوْلُنَا بِالْجَمِيلِ أَخْرَجَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُنَا عَلَى جِهَةِ التَّفْضِيلِ أَخْرَجَ مَا يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّهَكُّمِ، وَالْكَلَامُ فِي اسْمِ الْجَلَالَةِ مِنْ كَوْنِهِ مَنْقُولًا أَوْ مُرْتَجَلًا مُشْتَقًّا أَوْ غَيْرِهِ عَلَمًا أَوْ غَيْرِهِ لَيْسَ مِمَّا يَهُمُّنَا
وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - إلَى سُبُلِ الْحَقِّ هَادِينَ، وَأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ إلَى سُنَنِ سُنَنِهِمْ دَاعِينَ، يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ مَسْلَكَ الِاجْتِهَادِ، الْآنَ.وَمَعْنَى قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ أَوْ جَمِيعُ أَفْرَادِ ذَلِكَ ثَابِتٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ كَمَا تَرَى يُفِيدُ كَوْنَ اللَّهِ تَعَالَى مَحْمُودًا صَدَرَ الْحَمْدُ مِنْ حَامِدٍ أَوْ لَا. وَالْمَعَالِمُ جَمْعُ مَعْلَمٍ وَأَرَادَ بِهِ أُصُولَ الشَّرْعِ لِكَوْنِهَا مَدَارَك الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالْأَعْلَامُ عُلَمَاؤُهُ، وَالشَّعَائِرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، قِيلَ وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يُؤَدَّى مِنْ الْعِبَادَاتِ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِهَارِ كَالْأَذَانِ وَالْجُمُعَةِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَالشَّرْعُ بِمَعْنَى الْمَشْرُوعِ أَوْ بِمَعْنَى الشَّارِعِ، وَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ إقَامَةِ الْمُظْهَرِ مَقَامَ الضَّمِيرِ أَوْ بِمَعْنَى الشَّرِيعَةِ، يُقَالُ شَرْعُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كَمَا يُقَالُ شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ.وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ هِيَ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ وَغَيْرُهَا، وَحَمْلُ الشَّعَائِرِ عَلَى الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ وَالْعَلَامَاتِ أَنْسَبُ لِلْأَحْكَامِ، وَيَكُونُ إشَارَةً إلَى بَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ، فَإِنَّ كِتَابَهُ هَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَحْكَامِ مُبَيَّنَةٌ بِذَلِكَ.قَالَ (وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءً - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -) قِيلَ: الرَّسُولُ هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي مَعَهُ كِتَابٌ مُوسَى وَعِيسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَالنَّبِيُّ هُوَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ كِتَابٌ كَيُوشَعَ عليه السلام وَهُوَ الظَّاهِرُ.وَقَوْلُهُ (هَادِينَ) أَيْ مُبَيِّنِينَ طُرُقَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ رحمه الله بِأَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مَعَ كَوْنِهِ الْأَصْلَ الْمُحْتَاجَ إلَى ذِكْرِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ مُحَمَّدٌ عليه الصلاة والسلام لَكِنْ جَمَعَهُ تَعْظِيمًا لَهُ وَإِجْلَالًا لِقَدْرِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.وَقَوْلُهُ (دَاعِينَ) كَقَوْلِهِ هَادِينَ فِي كَوْنِهِ صِفَةً مَادِحَةً، وَقَوْلُهُ (يَسْلُكُونَ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِعُلَمَاء وَأَنْ يَكُونَ حَالًا لِاتِّصَافِهِ أَوَّلًا بِدَاعِينَ، وَالنَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ جَازَ أَنْ يَقَعَ عَنْهَا الْحَالُ مُتَأَخِّرًا، وَأَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: كَيْفَ دَعَوْتُهُمْ إلَى سُنَنِ سُنَنِهِمْ؟ فَقَالَ: يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ: أَيْ لَمْ يُوجَدْ عَنْهُمْ مَأْثُورًا: أَيْ مَرْوِيًّا مَسْلَكَ الِاجْتِهَادِ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ الْمَأْثُورِ مِنْهُمْ إذَا وَجَدُوهُ، وَأَنَّهُمْ مُتَّبِعُوهُمْ عَلَى الدَّوَامِ لِأَنَّهُمْ إنْ وَجَدُوا مَأْثُورًا عَنْهُمْ عَمِلُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُمْ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا تَبِعُوهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ وَإِذَا لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ، وَهُوَ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ
مُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ وَلِيُّ الْإِرْشَادِ، وَخَصَّ أَوَائِلَ الْمُسْتَنْبِطِينَ بِالتَّوْفِيقِ حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٍّ وَدَقِيقٍ غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ مُتَعَاقِبَةُ الْوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلُ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْمَوْضُوعِ، وَاقْتِنَاصُ الشَّوَارِدِ بِالِاقْتِبَاسِ مِنْ الْمَوَارِدِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ، وَبِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَأْخُوذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَقَدْ جَرَى عَلَى الْوَعْدِ فِي مَبْدَإِ بِدَايَةِ الْمُبْتَدِي أَنْ أَشْرَحَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى شَرْحًا أَرْسُمُهُ بِكِفَايَةِ الْمُنْتَهِي، فَشَرَعْت فِيهِ الظَّنِّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَقَدْ قَرَّرْنَا شُرُوطَهُ وَحُكْمَهُ فِي التَّقْرِيرِ.وَقَوْلُهُ (مُسْتَرْشِدِينَ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَسْلُكُونَ. وَأَرَادَ بِأَوَائِلِ الْمُسْتَنْبِطِينَ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ رحمهم الله بِدَلِيلِ قَوْلِهِ حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٍّ وَدَقِيقٍ، فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ تَوَلَّوْا تَمْهِيدًا قَوَاعِدَ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَبْيِينَهَا، وَالْمُرَادُ بِالْجَلِيِّ الْمَسَائِلُ الْقِيَاسِيَّةُ لِظُهُورِ إدْرَاكِهَا غَالِبًا، وَبِالدَّقِيقِ الْمَسَائِلُ الِاسْتِحْسَانِيّة لِخَفَاءِ إدْرَاكِهَا، قِيلَ مَا وَضَعَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ هُوَ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَةُ أَلْفٍ وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَنَيِّفُ مَسْأَلَةٍ.وَقَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ) مَنْصُوبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى وَضَعُوا، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا كَانَ أَوَائِلُ الْمُسْتَنْبِطِينَ وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٍّ وَدَقِيقٍ فَأَيُّ حَاجَةٍ تَدْعُو إلَى الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّصْنِيفِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ وَإِنْ وَضَعُوا ذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْحَوَادِثَ (مُتَعَاقِبَةُ الْوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلَ) أَيْ الْوَاقِعَاتِ (يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْمَوْضُوعِ) وَالنِّطَاقُ هُوَ الْمِنْطَقَةُ اُسْتُعِيرَ هُنَا لِلْأَجْوِبَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ السَّلَفِ فِي الْفَتَاوَى، وَالِاقْتِنَاصُ الِاصْطِيَادُ، وَالشَّوَارِدُ جَمْعُ شَارِدَةٍ وَهِيَ الْآبِدَةُ، الْقَبَسُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ، يُقَالُ اقْتَبَسْت مِنْهُ نَارًا وَاقْتَبَسْت مِنْهُ عِلْمًا: أَيْ اسْتَفَدْته، وَالْمَوَارِدُ جَمْعُ الْمَوْرِدِ، اسْتَعَارَ الشَّوَارِدَ لِلْأَحْكَامِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ الْأُصُولِ بِالِاسْتِنْبَاطِ بِجَامِعِ عُسْرِ الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصُودِ، وَاسْتَعَارَ الْمَوَارِدَ لِلْأُصُولِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَحَلُّ الْوُصُولِ: يَعْنِي كَمَا أَنَّ اصْطِيَادَ الصُّيُودِ النَّافِرَةِ مِنْ مَوَارِدِهَا وَمَنَاهِلِهَا فَكَذَا اصْطِيَادُ الْحَوَادِثِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ الْأُصُولِ: أَيْ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَالْإِجْمَاعِ بِالِاعْتِبَارِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لَيْسَ صَنْعَةَ كُلِّ أَحَدٍ بَلْ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ الْكَامِلِينَ فِي الرُّجُولِيَّةِ. وَقَوْلُهُ (بِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَآخِذِ) خَبَرٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ.وَقَوْلُهُ (يَعَضُّ عَلَيْهَا) حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ: وَقِيَاسُ الْأَحْكَامِ عَلَى نَظَائِرِهَا إنَّمَا هُوَ مِنْ صَنْعَةِ الْكُمَّلِ مِنْ الرِّجَالِ وَهُوَ بِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَآخِذِ حَالَ كَوْنِهَا يَعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ: يَعْنِي إذَا كَانَ الْوُقُوفُ بِإِحْكَامٍ وَإِتْقَانٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ إلَخْ اعْتِذَارٌ عَنْ الشُّرُوعِ فِي التَّصْنِيفِ.وَقَوْلُهُ (وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ) إنْ كَانَ ذِكْرُهُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ التَّصْنِيفِ كَانَ مَعْنَاهُ وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ وَبِالْوُقُوفِ الْمُحْكَمِ الْمُتْقَنِ عَلَى الْمَآخِذِ وَلَسْت مِنْهُمْ وَلَا حَصَلَ لِي وَلَكِنْ كَانَ قَدْ جَرَى عَلَيَّ الْوَعْدُ فِي مَبْدَإِ بِدَايَةِ الْمُبْتَدِي أَنْ أَشْرَحَهَا شَرْحًا أَرْسُمُهُ بِكِفَايَةِ الْمُنْتَهَى فَشَرَعْت فِيهِ حَالَ كَوْنِ الْوَعْدِ يَسُوغُ بَعْضَ الْمَسَاغِ لِئَلَّا أَكُونَ مِمَّنْ إذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِنَّمَا قَالَ بَعْضَ الْمَسَاغِ لِأَنَّ الْوَعْدَ بِالتَّبَرُّعِ غَيْرُ مُوجِبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَوِّزٌ حِينًا، وَإِلَى
وَالْوَعْدُ يُسَوِّغُ بَعْضَ الْمَسَاغِ، وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِي عَنْهُ اتِّكَاءَ الْفَرَاغِ، تَبَيَّنْتُ فِيهِ نُبَذًا مِنْ الْإِطْنَابِ وَخَشِيت أَنْ يُهْجَرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابُ، فَصَرَفْت الْعِنَانَ وَالْعِنَايَةَ إلَى شَرْحِ آخَرِ مَوْسُومٍ بِالْهِدَايَةِ، أَجْمَعُ فِيهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ عُيُونِ الرِّوَايَةِ وَمُتُونِ الدِّرَايَةِ، تَارِكًا لِلزَّوَائِدِ فِي كُلِّ بَابٍ، مُعْرِضًا عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْإِسْهَابِ، مَعَ مَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا فُصُولٌ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِتْمَامِهَا، وَيَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ اخْتِتَامِهَا، هَذَا الْمَعْنَى: أَعْنِي كَوْنَهُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ ذَهَبَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَتَاجِ الشَّرِيعَةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرَهُ لِبَيَانِ صَلَاحِيَتِهِ لِذَلِكَ كَانَ مَعْنَاهُ وَأَنَا مِنْهُمْ هُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ، وَحَصَلَ الْوُقُوفُ لَنَا عَلَى الْمَآخِذِ بِالْإِتْقَانِ كَمَا حَصَلَ لَهُمْ فَجَازَ لَنَا الِاعْتِبَارُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ جَرَى عَلَيَّ الْوَعْدُ، وَهُوَ مِمَّا يَسُوغُ بَعْضَ الْمَسَاغِ: يَعْنِي مُنْفَرِدًا عَنْ صَلَاحِيَةِ الْوَاعِدِ لِلْإِتْيَانِ بِالْمَوْعِدِ فَكَيْفَ مَعَ الصَّلَاحِيَةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ لَكِنْ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْته مِنْ الْعِبَارَةِ.وَقَوْلُهُ (وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِئُ عَنْهُ اتِّكَاءَ الْفَرَاغِ) قِيلَ عَدَّى الِاتِّكَاءَ بِعَنْ وَإِنْ كَانَتْ تَعْدِيَتُهُ بِعَلَى لِتَضْمِينِ مَعْنَى الْفَرَاغِ، وَرُدَّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وَحِينَ أَكَادُ أَفْرَغُ عَنْهُ فَرَاغَ الْفَرَاغِ وَهُوَ تَرْكِيبٌ فَاسِدٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَنْهُ صِلَةُ الْفَرَاغِ قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ.وَقَوْلُهُ (تَبَيَّنْت) أَيْ عَلِمْت، وَالنَّبْذُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ، وَقَوْلُهُ (فَصَرَفْت الْعَنَانَ وَالْعِنَايَةَ) يَعْنِي عَنَانَ الْخَاطِرِ وَعِنَايَةَ الْقَلْبِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْعَنَانِ الظَّاهِرُ وَبِالْعِنَايَةِ الْبَاطِنُ. وَقَوْلُهُ (أَجْمَعَ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ صَرَفْت وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ شَرْحٍ، وَعُيُونُ الرِّوَايَةِ هِيَ الَّتِي اخْتَارَهَا الْعُلَمَاءُ رحمهم الله، فَإِذًا عَيْنُ الشَّيْءِ خِيَارُهُ وَمُتُونُ الدِّرَايَةِ الْمَعَانِي الْمُؤَثِّرَةُ وَالنِّكَاتُ الْمَتِينَةُ.وَقَوْلُهُ فِي كُلِّ بَابٍ: يَعْنِي مِنْ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَقَوْلُهُ (عَنْ هَذَا النَّوْعِ) إشَارَةٌ إلَى الَّذِي وَقَعَ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى وَخَافَ أَنْ يَهْجُرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابَ، وَالْإِسْهَابُ هُوَ الْإِطْنَابُ، وَهُوَ التَّكَلُّمُ بِأَزْيَدَ مِنْ مُتَعَارَفِ الْأَوْسَاطِ. وَقَوْلُهُ (مَعَ مَا أَنَّهُ) دَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ مُوجَزًا خَلَا عَنْ الْأُصُولِ وَالْفُصُولِ فَكَانَ أَوْلَى بِالْهَجْرِ مِنْ الْأَوَّلِ فَقَالَ لَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مَعَ كَوْنِهِ خَالِيًا عَنْ الْإِطْنَابِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا فُصُولٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ جَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الطَّلَبَةِ خَيْرًا يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ خَدَمَ كِتَابَهُ حَقَّ خِدْمَتِهِ، فَمَا ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي فَسَادِ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ بِكُلِّ شَرْطٍ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ يَفْسُدُ الْبَيْعُ، فَإِنَّ فِي كُلِّ قَيْدٍ مِنْهُ احْتِرَازًا عَمَّا يُضَادُّهُ وَجَمْعًا لَمَا يُوَافِقُهُ.وَقَوْلُهُ (لِإِتْمَامِهَا وَاخْتِتَامِهَا) الضَّمِيرُ لِلْهِدَايَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ فِيهِمَا
حَتَّى إنَّ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ إلَى مَزِيدِ الْوُقُوفِ يَرْغَبُ فِي الْأَطْوَلِ وَالْأَكْبَرِ، وَمَنْ أَعْجَلَهُ الْوَقْتُ عَنْهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَقْصَرِ وَالْأَصْغَرِ. وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ وَالْفَنُّ خَيْرٌ كُلُّهُ.ثُمَّ سَأَلَنِي بَعْضُ إخْوَانِي أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ الْمَجْمُوعَ الثَّانِيَ، فَافْتَتَحْتُهُ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيرِ مَا أُقَاوِلُهُ مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ فِي التَّيْسِيرِ لِمَا أُحَاوِلُهُ، إنَّهُ الْمُيَسِّرُ لِكُلِّ عَسِيرٍ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَالضَّمِيرُ لِلشَّرْحَيْنِ. وَقَوْلُهُ (حَتَّى إنَّ مَنْ سَمَتْ) مُتَّصِلٌ بِتَارِكًا لِلزَّوَائِدِ أَوْ بِصُرِفَتْ، وَسَمَتْ بِمَعْنَى عَلَتْ، وَالْمَزِيدُ مَصْدَرٌ كَالزِّيَادَةِ (وَمَنْ أَعْجَلَهُ الْوَقْتُ) بِمَعْنَى عَجَّلَهُ: أَيْ اسْتَحَثَّهُ، وَإِسْنَادُهُ إلَى الْوَقْتِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ كَصِيَامِ النَّهَارِ وَالشِّعْرِ لِأَبِي فِرَاسٍ، وَقَبْلَهُ:عَلَيَّ لِرَبْعِ الْعَامِرِيَّةِ وَقْفَةٌ … لِيُمْلِيَ عَلَيَّ الشَّوْقُ وَالدَّمْعُ كَاتِبُوَمِنْ عَادَتِي حُبُّ الدِّيَارِ لِأَهْلِهَا … وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ(وَالْفَنُّ خَيْرٌ كُلُّهُ) أَيْ هَذَا الْفَنُّ وَهُوَ عِلْمُ الْفِقْهِ كُلُّهُ خَيْرٌ، فَإِنْ شِئْت فَارْغَبْ فِي الْأَقْصَرِ وَالْأَخْصَرِ حِفْظًا وَتَحْصِيلًا وَإِنْ شِئْت فِي الْأَطْوَلِ وَالْأَكْبَرِ كَشْفًا وَتَأْصِيلًا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ جِنْسُ الْعِلْمِ حَسَنٌ فَارْغَبْ فِي أَيِّ نَوْعٍ شِئْت، وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا تَقْرِيبَ لَهُ هُنَا، وَالْمُرَادُ بِالْمَجْمُوعِ الثَّانِي هُوَ الْهِدَايَةُ، وَكَأَنَّهُ بَعْدَ صَرْفِ الْعَنَانِ وَالْعِنَايَةِ لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ حَتَّى سَأَلَهُ إخْوَانُهُ الْإِمْلَاءَ عَلَيْهِمْ فَافْتَتَحَ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ فِي تَحْرِيرِ: أَيْ تَقْوِيمِ مَا يُقَاوِلُهُ وَتَلْخِيصِهِ. وَفِي لَفْظِ الْمُفَاعِلَةِ مَزِيدُ مُزَاوَلَةٍ وَمُقَاسَاةٍ لَيْسَ فِي الْقَوْلِ. وَحَاوَلْت الشَّيْءَ أَرَدْته، وَيُقَالُ فُلَانٌ جَدِيرٌ بِكَذَا: أَيْ خَلِيقٌ بِهِ.رُوِيَ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ بَقِيَ فِي تَصْنِيفِ الْكِتَابِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَكَانَ صَائِمًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَا يُفْطِرُ أَصْلًا، وَكَانَ يَجْتَهِدُ أَلَّا يَطَّلِعَ عَلَى صَوْمِهِ أَحَدٌ، فَإِذَا أَتَى خَادِمٌ بِطَعَامٍ يَقُولُ خَلِّهِ وَرُحْ، فَإِذَا رَاحَ كَانَ يُطْعِمُهُ أَحَدَ الطَّلَبَةِ أَوْ غَيْرَهُمْ، فَكَانَ بِبَرَكَةِ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ كِتَابُهُ مُبَارَكًا مَقْبُولًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
كِتَابُ الطَّهَارَاتِ الْكِتَابُ وَالْكِتَابَةُ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ الْحُرُوفِ، وَالْكِتَابُ قَدْ يُعْرَفُ بِأَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً شَمَلَتْ أَنْوَاعًا أَوْ لَمْ تَشْمَلْ، فَقَوْلُهُ طَائِفَةٌ كَالْجِنْسِ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ احْتِرَازٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً: أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَبَعِيَّتِهَا لِلْغَيْرِ أَوْ تَبَعِيَّةِ غَيْرِهَا لَهَا لِيَدْخُلَ فِيهِ هَذَا الْكِتَابُ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِلصَّلَاةِ، وَيَدْخُلُ كِتَابُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِلطَّهَارَةِ، وَقَدْ اُعْتُبِرَا مُسْتَقِلَّيْنِ، أَمَّا كِتَابُ الطَّهَارَةِ فَلِكَوْنِهِ الْمِفْتَاحَ، وَأَمَّا كِتَابُ الصَّلَاةِ فَلِكَوْنِهِ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ اعْتِبَارَ الِاسْتِقْلَالِ قَدْ يَكُونُ لِانْقِطَاعِهِ عَنْ غَيْرِهِ ذَاتًا كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ عَنْ كِتَابِ الْآبِقِ وَكِتَابِ الْمَفْقُودِ وَانْقِطَاعِهِمَا عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِمَعْنًى يُورِثُ ذَلِكَ كَانْقِطَاعِ الصَّرْفِ عَنْ الْبُيُوعِ وَالرَّضَاعِ عَنْ النِّكَاحِ وَالطَّهَارَةِ عَنْ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُهُ شَمَلَتْ أَنْوَاعًا أَوْ لَمْ تَشْمَلْ لِدَفْعِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الْكِتَابُ اسْمٌ لِجِنْسٍ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مِنْ الْحِكَمِ وَكُلُّ نَوْعٍ يُسَمَّى بِالْبَابِ، وَالْبَابُ اسْمٌ لِنَوْعٍ يَشْتَمِلُ عَلَى أَشْخَاصٍ تُسَمَّى فُصُولًا، فَإِنَّ الْكِتَابَ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ لَا يَكُونُ، فَإِنَّ مِنْ الْكُتُبِ مَا لَا يُذْكَرُ فِيهِ بَابٌ وَلَا فَصْلٌ كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ وَاللَّقِيطِ وَالْآبِقِ وَغَيْرِهَا عَلَى مَا يَأْتِي، فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَرُبَّمَا تُوُهِّمَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُ دَفْعًا لِذَلِكَ.وَالطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ ظَاهِرَةٌ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةٍ تَحْصُلُ لِمُزِيلِ الْحَدَثِ أَوْ الْخُبْثِ عَمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَالْمُرَادُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَبْعًا أَوْ شَرْعًا، وَكَلِمَةُ أَوْ لَيْسَتْ بِمَانِعَةِ الْجَمْعِ فَلَا يَفْسُدُ بِهَا الْحَدُّ، وَقَوْلُهُ عَمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الصَّلَاةُ لِيَتَنَاوَلَ الْمَكَانَ فَإِنَّ طَهَارَتَهُ شَرْطٌ عَلَى مَا يَأْتِي، وَرُكْنُهَا اسْتِعْمَال الْمُزِيلِ، وَشَرْطُ وُجُوبِهَا الْحَدَثُ أَوْ الْخُبْثُ، وَسَبَبُهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ: لَا وُجُودُهَا، لِأَنَّ وُجُودَهَا مَشْرُوطٌ بِهَا فَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا، وَالْمُتَأَخِّرُ لَا يَكُونُ سَبَبًا
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الْآيَةَ. لِلْمُتَقَدِّمِ. وَحُكْمُهَا إبَاحَةُ الصَّلَاةِ أَوْ مَا يُضَاهِيهَا لِمَنْ قَامَتْ بِهِ. وَإِنَّمَا جَمَعَ الطِّهَارَاتِ نَظَرًا إلَى أَنْوَاعِهَا، وَلَا يُشْكِلُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْجَمْعِ فِي مِثْلِهِ أَحَدُ الْجَائِزَيْنِ فَلَا يَرِدُ تَرْكُهُ نَقْضًا.وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الطَّهَارَةِ بِذَلِكَ أَنَّ أَنْوَاعَهَا أَحْسَنُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا لِتَفَاوُتِهَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَالْحُكْمُ وَالْخِفَّةُ وَالْغِلَظُ، بِخِلَافِ أَنْوَاعِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَا يُشْكِلُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ لِأَنَّهَا مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ الْوَاجِبُ تَقْدِيمُهَا بَعْدَ الْإِيمَانِ عَلَى كُلِّ عِبَادَةٍ.قَالَ رحمه الله قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} تَبَرَّكَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله بِتَقْدِيمِ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْوُضُوءِ عَلَى حُكْمِهَا وَإِنْ كَانَتْ الْقَاعِدَةُ فِي الدَّعَاوَى تَقْدِيمَ الْمُدَّعَى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ {إِذَا قُمْتُمْ} إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْمُسَبَّبِ وَإِرَادَةِ السَّبَبِ الْخَاصِّ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ، وَذَلِكَ مَجَازٌ شَائِعٌ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْتِفَاتٌ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ مُحْدِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ قَالُوا: مَعْنَاهُ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَفْوِيتُ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ بِالِاشْتِغَالِ بِمُقَدِّمَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوا كَانَ كُلُّ مَنْ جَلَسَ مُتَوَضِّئًا لَزِمَهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وُضُوءٌ آخَرُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْوِيتُ الصَّلَاةِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْوُضُوءِ، وَلِأَنَّ الْحَدَثَ شَرْطُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ التَّيَمُّمَ فِي قَوْلِهِ {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} إلَى قَوْلِهِ
(فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ) بِهَذَا النَّصِّ، {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} مَقْرُونًا بِذِكْرِ الْحَدَثِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ.وَالنَّصُّ فِي الْبَدَلِ نَصٌّ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا أُضْمِرَ قَوْلُهُ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ آيَةَ الطَّهَارَةِ بِذِكْرِ الْحَدَثِ كَمَا قَالَ {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} وَلَمْ يَقُلْ هُدًى لِلضَّالِّينَ الصَّائِرِينَ إلَى التَّقْوَى بَعْدَ الضَّلَالِ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ أُولَى الزَّهْرَاوَيْنِ بِذِكْرِ الضَّلَالَةِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَلَا يَتِمُّ مَا ذَكَرْتُمْ، وَعَلَى الثَّانِي بِأَنَّ الْآيَةَ بِعِبَارَتِهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ، وَآيَةُ التَّيَمُّمِ تَدُلُّ بِدَلَالَتِهَا عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُحْدِثِينَ، وَالْعِبَارَةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الدَّلَالَةِ كَمَا عُرِفَ.وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْوُضُوءِ غَيْرُ وَاجِبٍ لَكِنْ خِلَافُ مَا ذَكَرْنَا يُفْضِي إلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ لِلْوُضُوءِ دَائِمًا لِأَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ لَا يَتَحَقَّقُ إذْ ذَاكَ إلَّا إذَا تَوَضَّأَ قَائِمًا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا يُفْضِي إلَى الْبَاطِلِ بَاطِلٌ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ غَيْرُ مُرَادٍ فَلَا تَقْتَضِي عِبَارَتُهُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ فَتَسْلَمُ الدَّلَالَةُ عَنْ الْمُعَارِضِ وَيَسْقُطُ السُّؤَالُ الثَّانِي.وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالدَّلَالَةِ فَاسِدٌ هَاهُنَا لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ بِوُجُوبِ الْحَدَثِ وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ الْبَدَلُ الْأَصْلَ فِي الشَّرْطِ فَإِنَّهُ خَالَفَهُ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَهِيَ شَرْطٌ لَا مَحَالَةَ.وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَنَا فِي مُخَالَفَةِ الْبَدَلِ الْأَصْلُ فِي شَرْطِ السَّبَبِ، فَإِنَّ إرَادَةَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِ الْحَدَثِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ التَّيَمُّمِ، وَالْبَدَلُ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ فِي سَبَبِهِ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ بِشَرْطِ السَّبَبِ، فَإِنَّ إرَادَةَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِ نِيَّةِ التَّيَمُّمِ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لَهُ، وَإِنَّمَا النِّيَّةُ شَرْطُ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لَا شَرْطُ سَبَبِهِ.قَالَ (فَفَرَضَ الطَّهَارَةَ) الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ دَخَلَتْ عَلَى الْحُكْمِ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ، وَالْفَرْضُ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ، وَالْمُرَادُ بِالطَّهَارَةِ الْوُضُوءُ، وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَ الْغُسْلَ وَالْمَسْحَ مَعَ ظُهُورِ مَعْنَاهُمَا إشَارَةً إلَى دَفْعِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ تَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَإِلَى أَنَّ الْبَلَلَ بِالْمَاءِ فِي الْمَغْسُولَاتِ لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله. وَقُصَاصُ الشَّعْرِ مُنْتَهَاهُ وَغَايَتُهُ فِي الرَّأْسِ. وَفِي الْقَافِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَالضَّمُّ أَعْلَاهَا.وَقَوْلُهُ
وَالْغَسْلُ هُوَ الْإِسَالَةُ وَالْمَسْحُ هُوَ الْإِصَابَةُ. وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا (وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ رحمه الله، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الثُّلَاثِيَّ لَا يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنْ الْمُنْشَعِبَةِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الِاشْتِقَاقِ الصَّغِيرِ، وَأَمَّا فِي الِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ تَنَاسُبٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغُسْلِ عِنْدَنَا.وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَدْخُلَانِ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلَ تَحْتَ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِزُفَرَ يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ لَهُ فِي نُسَخِ الْأُصُولِ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ لَهُ فِيهَا تَعَارُضُ الْأَشْبَاهِ وَهُوَ أَنَّ مِنْ الْغَايَاتِ مَا يَدْخُلُ كَقَوْلِهِ قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَدْخُلُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} وَقَوْلُهُ {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وَهَذِهِ الْغَايَةُ: أَعْنِي الْمَرَافِقَ تُشْبِهُ كُلًّا مِنْهُمَا فَلَا تَدْخُلُ بِالشَّكِّ، وَتَأْوِيلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ: أَعْنِي الْمَرَافِقَ لَا تَدْخُلُ بِتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ كَمَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ {إِلَى اللَّيْلِ} وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا: يَعْنِي أَنَّ الْغَايَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَكُونُ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا، وَنَوْعٌ يَكُونُ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا.وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا حَالُ صَدْرِ الْكَلَامِ، فَإِنْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِمَا وَرَاءَهَا كَانَتْ لِلثَّانِي وَإِلَّا فَلِلْأَوَّلِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الثَّانِي لِأَنَّ ذِكْرَ الْيَدِ يَتَنَاوَلُ الْآبَاطَ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم وَهْم أَهْلُ اللِّسَانِ
هُوَ يَقُولُ: الْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي بَابِ الصَّوْمِ. وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا إذْ لَوْلَاهَا لَاسْتَوْعَبَتْ الْوَظِيفَةُ الْكُلَّ، وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لِمَدَّ الْحُكْمِ إلَيْهَا إذْ الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِمْسَاكِ سَاعَةً، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .