الروضة الندية شرح الدرر البهية ط المعرفة (صديق حسن خان) القسم: الفقه العام الكتاب: الروضة الندية شرح الدرر البهية المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (ت ١٣٠٧هـ) الناشر: دار المعرفةعدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المجلد الاولمقدمة بسم الله الرحمن الرحيمنحمدك اللهم أنت الذي علمت الناس في دينهم حكما وفي دنياهم أحكاما. وجعلت أمة خاتم الرسل المرحومة أكرم الأمم كلها منزلا ومقاما. ومازلت ألهمت من شئت وتلهم من تشاء منهم في كل قرن استعمال السنن المطهرة على وجهها إلهاما. ونهيتهم عن التفرق في الدين وأوضحت لهم سبيل اليقين فأصبحوا بنعمتك بررة كراما. وما انفك عدو لهم نفوا عن الدين وينفون عنه انتحال١ المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين حتى عاد علم الحق معتدلا قواما. .ونصلي عليك أيها النبي الكريم، بك من الله علينا بالإيمان وهدانا إسلاما. لطفا بنا ورحمة علينا وبركة فينا وإحسانا إلينا وإكراما. فكان ذلك لزاما. ولولاك ما اهتدينا ولا صلينا ولا علمنا أحكاما. فكنت أنت داعينا إلى الله سبحانه وتعالى وهاديا لنا ورؤوفا بنا وفينا إماما. ونسلم عليكم أهل البيت الطاهرين الطيبين أنتم أصبتم من سعادة الدارين سهاما. وقمتم بالحق الحقيق بالاتباع كما يحق قياما. ورضي الله عنكم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بكم انتظم مبتغي الأمة الأمية بدءا وختاما. ومنك استتب أمر الملة المكرمة أصلا وفرعا واهتماما. ورحمة الله وبركاته عليكم أهل الحديث أنتم كشفتم للناس عن صراح٢ الحق وصحاح السنة وقح٣ الشريعة ظلاما. وعن وجه الدين القويم والصراط المستقيم لثاما. وكيف وقد جعلكم الله تعالى للمتقين إماما. .وبعد: فلما جمع الإمام الهمام عز المسلمين والإسلام سلالة السلف الصلحاء تذكار العرب العرباء وارث علوم سيد المرسلين خاتم المفسرين والمحدثين شيخ شيوخنا الكاملين المجتهد المطلق العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني محمد١ أي ادعاء٢ الصراح بالضم والفتح الخالص من كل شيء.٣ أي خالصها.
ابن علي بن محمد اليمني الشوكاني المتوفى سنة خمس وخمسين ومائتين وألف الهجرية رضي الله تعالى عنه وأرضاه وجعل الفرودس منزله ونزله ومأواه المختصر الذي سماه: "الدرر البهية في المسائل الفقهية" قاصدا بذلك جمع المسائل التي صح دليلها واتضح سبيلها تاركا لما كان منها من محض الرأي فإنه قالها وقيلها غير ملتفت إلى ما اشتهر فالحق أحق بالاتباع وغير جامد على ما ذكر في الزبر١ فلمسلك التحقيق اتساع بل محض فيه النصح النصيح ومخض٢ عن زبد الحق الصريح وأتى بتحقيقات جليلة خلت عنها الدفاتر وأشار إلى تدقيقات نفسية تحوها صحف الأكابر ونسبة هذا المختصر إلى المطولات من الكتب الفقهية نسبة السبيكة الذهبية إلى التربة المعدنية كما يعرف ذلك من رسخ في العلوم قدمه وسبح في بحار المعارف ذهنه ولسانه وقلمه سأله جماعة من أهل الانتقاد والفهم النافذ العاضين على علوم الاجتهاد بأقوى لحي٣ وأحد ناجذ٤ أن يجلي عليهم عروس ذلك المختصر ويزفه إليهم ليمعنوا في محاسنه النظر فاستمهلهم ريثما يصحح منه ما يحتاج إلى التصحيح وينقح فيه ما لا يستغني عن التنقيح ويرجح من مباحثه ماهو مفتقر إلى الترجيح ويوضح من غوامضه ما لا بد فيه من التوضيح فشرحه بشرح مختصر من معين عيون الأدلة معتصر وسماه: "الدراري المضية شرح الدرر البهية" وفيهما قال قائل:إن شئت في شرح النبي … تقدح بزند فيه واري٥فاعكف على الدرر التي … سلكت بسمط٦ من دراريوشرحه هذا كان بالقول فجعلته شرحا ممزوجا وصيرته على منواله منسوجا مستوعبا للفظه ومعناه ومستصحبا لفحاويه ومبناه مضيفا إليه مذاهب الفقهاء ليظهر ضعفها أو قوتها عند تقابل الأدلة وتعارضها بالآراء لا للأخذ بها على ما كان بأي حال فإن الرجال تعرف بالحق لا الحق بالرجال ثم زدت عليه أشياء من حاشية الماتن٧ على شفاء الأوام التي سماها! وبل الغمام! ومن غيرها عند النظر الثاني١ أي في الكتب.٢ مخض اللبن أخذ زبده.٣ أي منبت اللحية.٤ الناجذ آخر الأضراس وللإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان.٥ ورى الزند خرجت ناره.٦ السمط الخيط ما دام فيه الخرز وإلا فهو سلك.٧ يعبر مؤلف هذا الشرح كثيرا عن مصنف الأصل بلفظ "الماتن" وهو مولد مستكره فأصل "المتن" الظهر في اللغة ثم استعمله طلاب العلم في الكتاب المختصر إذا كان عليه شرح فاشتقاق اسم فاعل من هذا وليس بمصدر اشتقاق خاطئ.
في هذا الكتاب فعاد بحمد الله تعالى كما قيل اللبأ وابن طاب١ هذا وقد أمليت هذا الشرح على طريق الارتجال بالاستعجال إرشادا إلى طرق من العلم طالما تركت وهزا لطبائع جامدة طالما ركدت راجيا من الله تعالى أن أكون ممن تعلم علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه وأذاعه وحفظه على الناس وفيهم روجه وأشاعه فدونك هذا المشروح والشرح يلقي إليك زمام التفويض في المدح والقدح يا من له في أوج التحقيق صعود وعليه من ملابس التدقيق برود كيف وهو يروي غليل طالبي فقه السنة ويشفي عليل السائقين إلى مساق الجنة فليسعد به كل طالب الحق الصادق ويضن به كل ذي باطل زاهق ولئن رده القاصرون فسيقبله الماهرون وإن ذمه الجهلة فسوف يمدحه الكملة وسميت هذا الشرح الأنيس بل العلق النفيس! الروضة الندية شرح الدرر البهية! والله سبحانه وتعالى أرجو أن يعين على التمام وينفعني به ومن أخلفه وجميع المتبعين للسنن في هذه الدار ودار السلام إنه ولي الإجابة وبيده الهداية والإصابة. قال رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم أحمد من أمرنا بالتفقه في الدين وأشكر من أرشدنا إلى اتباع سنن سيد المرسلين وأصلي وأسلم على الرسول الأمين وآله الطاهرين وأصحابه الأكرمين.
عن الوصفين" أي عن وصف كونه طاهرا وعن وصفه كونه مطهرا إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات.هذه المسألة الثانية من مسائل الباب وهي أنه لا يخرج الماء عن الوصفين إلا ما غير أحد أوصافه الثلاثة من النجاسات لا من غيرها وهذا المذهب هو أرجح المذاهب وأقواها.والدليل عليه ما أخرجه أحمد وصححه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه أيضا يحيى بن معين وابن حزم من حديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض١ ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شيء". وقد أعله ابن القطان باختلاف الرواة في اسم الراوي له عن أبي سعيد واسم أبيه وليس ذلك بعلة وقد اختلف في أسماء كثير من الصحابة والتابعين على أقوال ولم يكن ذلك موجبا للجهالة على أن ابن القطان نفسه قال بعد ذلك الإعلال: وله طريق أحسن من هذه ثم ساقها عن أبي سعيد وقد قامت الحجة بتصحيح من صححه من أولئك الأئمة.وله شواهد منها حديث سهل بن سعد عند الدارقطني ومن حديث ابن عباس عند أحمد وابن خريمة وابن حبان ومن حديث عائشة عند الطبراني في الأوسط وأبي يعلى والبزار وابن السكن كلها بنحو حديث أبي سعيد، وأخرجه بزيادة الاستثناء الدارقطني من حديث ثوبان بلفظ: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه"، وأخرجه أيضا مع الزيادة ابن ماجة والطبراني من حديث أبي أمامة بلفظ: "إن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه" وفي إسنادهما من لا يحتج به، وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه الزيادة لكنه قد وقع الإجماع على مضمونها كما نقله ابن المنذر وابن الملقن في البدر المنير والمهدي في البحر، فمن كان يقول بحجيّة الإجماع كان الدليل عنده على ما أفادته تلك الزيادة هو الإجماع، ومن كان لا يقول بحجيّة الإجماع كان هذا الإجماع مفيداً لصحة تلك١ جمع حيضة وهي الخزنة التي تتقي بها المرأة دم الحيض.
الزيادة لكونها قد صارت مما أُجمع على معناها وتُلقّي بالقبول فالاستدلال بها لا بالإجماع. وعن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة. .هذه المسألة الثالثة من مسائل الباب ووجه ذلك أن الماء الذي شرع لنا التطهير به هو الماء المطلق الذي لم يضف إلى شيء من الأمور التي تخالطه فإن خالطه شيء أوجب إضافته إليه كما يقال ماء ورد ونحوه فليس هذا الماء المقيد بنسبته إلى الورد مثلاً هو الماء المطلق الموصوف بأنه طهور في الكتاب العزيز بقول سبحانه: {مَاءً طَهُوراً} وفي السنة المطهرة بقول صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور" فخرج بذلك عن كونه مطهراً ولم يخرج به عن كونه طاهراً لأن الفرض أن الذي خالطه طاهر واجتماع الطاهرين لا يوجب خروجهما عن الوصف الذي كان مستحقاً لكل واحد منهما قبل الاجتماع.قال في حجة الله البالغة: وأما الوضوء من الماء المقيد الذي لا يطلق عليه اسم الماء بلا قيد فأمر تدفعه الملة بادي الرأي، نعم إزالة الخبث به محتمل بل هو الراجح. وقد أطال القوم في فروع موت الحيوان في البئر والعشر في العشر والماء الجاري وليس في كل ذلك حديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم البتة، وأما الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين كأثر ابن الزبير في الزنجي وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الفأرة والنخعي والشعبي في نحو السِّنَّور فليست مما يشهد له المحدثون بالصحة ولا مما اتفق عليه جمهور أهل القرون الأولى، وعلى تقدير صحتها يمكن أن يكون ذلك تطييباً للقلوب وتنظيفاً للماء لا من جهة الوجوب الشرعي كما ذُكر في كتب المالكية ودون نفي هذا الاحتمال خرط القتاد.وبالجملة: فليس في هذا الباب شيء يُعتد به ويجب العمل عليه وحديث القلتين أثبت من ذلك كله بغير شبهة ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع في هذه المسائل لعباده شيئاً زيادة على ما لا ينفكون عنه من الارتفاقات وهي مما يكثر وقوعه وتعم به البلوى ثم لا ينص عليه النبي صلى الله عليه وسلم نصاً جلياً ولا يستفيض في الصحابة ومن بعدهم ولا حديث واحد فيه والله أعلم انتهى. قلت: وقد أطال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تخريج حديث القُلّتين والكلام عليه جرحاً وتعديلاً لفظاً ومعنى في كتابه تلخيص الحبير في تخريج
أخبار الرافعي الكبير إطالةً حسنةً فليرجع إليه."ولا فرق بين قليل وكثير" هذه المسألة الرابعة من مسائل الباب، والمراد بالقلة والكثرة ما وقع من الاختلاف في ذلك بين أهل العلم بعد إجماعهم على أن ما غيّرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة ليس بطاهر فقيل: إن الكثير ما بلغ قلتين والقليل ما كان دونهما لما أخرجه أحمد وأهل السنن والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وصححه الحاكم على شرط الشيخين من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة١ من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخبث" وفي لفظ أحمد: "لم ينجسه شيء" وفي لفظ لأبي داود: "لم ينجس" وأخرجه بهذا اللفظ ابن حبان والحاكم وقال ابن مندة: إسناد حديث القُلّتين على شرط مسلم. انتهى. ولكنه حديث قد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه كما هو مبين في مواطنه وقد أجاب من أجاب عن دعوى الاضطراب، وقد دلّ هذا الحديث على أن الماء إذا بلغ قُلّتين لم يحمل الخبث وإذا كان دون القُلّتين فقد يحمل الخبث ولكنه كما قيد حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" بتلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها كذلك يقيد حديث القلتين بها فيقال: إنه لا يحمل الخبث إذا بلغ قلتين في حال من الأحوال إلا في حال تغير بعض أوصافه بالنجاسة فإنه حينئذ قد حمل الخبث بالمشاهدة وضرورة الحس فلا منافاة بين حديث القلتين وبين تلك الزيادة المجمع عليها، وأما ما كان دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبث وليس فيه أنه يحمل الخبث قطعاً وبتّاً ولا أن ما يحمله من الخبث يخرجه عن الطهورية لأن الخبث المخرج عن الطهورية هو خبث خاص وهو الموجب لتغير أحد أوصافه أو كلها لا الخبث الذي لم يغير، وحاصله: أن ما دل عليه مفهوم حديث القلتين من أن ما دونهما قد يحمل الخبث لا يُستفاد منه إلا أن ذلك المقدار إذا وقعت فيه نجاسة قد يحملها، وأما أنه يصير نجساً خارجاً عن كونه طاهراً فليس في هذا المفهوم ما يفيد ذلك ولا ملازمة بين حمل الخبث والنجاسة المخرجة عن الطهورية؛ لأن الشارع قد نفى١ هي الصحراء.
النجاسة عن مطلق الماء كما في حديث أبي سعيد المتقدم وما شهد له ونفاها عن الماء المقيد بالقلتين! كما في حديث عبد الله بن عمر المتقدم أيضاً وكان النفي بلفظ هو أعم صيغ العام فقال في الأول: "لا ينجسه شيء" وقال في الثاني أيضا كما في تلك الرواية: "لم ينجسه شيء" فأفاد ذلك أن كل ماء يوجد على وجه الأرض طاهر إلا ما ورد فيه التصريح بما يخصص هذا العام مصرحاً بأنه يصير الماء نجساً كما وقع في تلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها فإنها وردت بصيغة الاستثناء من ذلك الحديث فكانت من المخصصات المتصلة بالنسبة إلى حديث أبي سعيد ومن المخصصات المنفصلة بالنسبة إلى حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما على القول الراجح في الأصول وهو: أنه يُبنى العام على الخاص مطلقاً فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القلتين وبين سائر الأحاديث بل يقال فيه: إن مادون القلتين إن حمل الخبث حملاً استلزم تغير ريح الماء أو لونه أو طعمه فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية وإن حمله حملاً لا يغير أحد تلك الأوصاف فليس هذا الحمل مستلزماً للنجاسة. .وقد ذهب إلى تقدير الماء القليل بما دون القلتين والكثير بهما الشافعي رحمه الله وأصحابه رحمهم الله وذهب إلى تقدير القليل بما يظن استعمال النجاسة باستعماله والكثير بما لا يظن استعمال النجاسة باستعماله ابن عمر ومجاهد، وقد روي أيضا عن الشافعية رحمهم الله والحنفية رحمهم الله وأحمد بن حنبل رحمه الله ولا أدري هل تصح هذه الرواية أم لا فمذاهب هؤلاء مُدونّة في كتب أتباعهم من أراد الوقوف عليها راجعها واحتج أهل هذا المذهب بمثل قوله تعالى: {وَالرُّجْزَ١ فَاهْجُرْ} وبخبر الاستيقاظ وخبر الولوغ وأحاديث النهي عن البول في الماء الدائم وهي جميعها في الصحيح ولكنها لا تدل على المطلوب ولو فرضنا أن لشيء منها دلالة بوجه ما كان ما أفادته تلك الدلالة مقيداً بما تقدّم لأن التعبد إنما هو بالظنون الواقعة على الوجه المطابق١ الرجز قرئ بضم الراء وكسرها ومعناه العذاب والمراد بهجر العذاب هجر أسبابه فلا حجة في الآية على ما ادعوا.
للشرع على أنه لا يبعد أن يقال: إن العاقل لا يظن استعمال النجاسة باستعمال الماء إلا إذا خالطت الماء بجِرمها أو بريحها أو بلونها أو بطعمها مخالطة ظاهرة توجب ذلك الظن، ولا شك ولا ريب أن ما كان من الماء على هذه الصفة ينجس لأن المخالطة إن كانت بالجِرم فالمتوضئ مستعمل لعين النجاسة وإن كانت المخالطة بالريح أو اللون أو الطعم فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه. .والحاصل: أنهم إن أرادوا بقولهم إن ظُنّ استعمال النجاسة باستعماله فهو القليل وإن لم يظن فهو الكثير ما هو أعم من عين النجاسة وريحها ولونها وطعمها فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه إلا من جهة أن هؤلاء اعتبروا المظنّة وأهل المذهب الأول اعتبروا المَئنّة١ ولكن لا يخفى أن المظنة إذا كانت هي الصادرة من غير أهل الوسوسة والشكوك فهي لا تكاد تخالف المِئنّة في مثل هذا الموضع وإن أرادوا استعمال العين فقط أو عدم استعمال العين فقط فهو مذهب مستقل غير ذلك المذهب ولكن الظاهر أنهم أرادوا المعنى الأول، ويدل على ذلك أنه قد وقع الإجماع على أن ما غيّر لون الماء أو ريحه أو طعمه من النجاسات أوجب تنجيسه كما تقدم تقريره فأهل هذا المذهب من جملة القائلين بذلك لدخولهم في الإجماع بل هو مصرِّح لحكاية الإجماع في البحر فتقرر بهذا أنهم يريدون المعنى الأول أعني الأعم من العين والريح واللون والطعم ثبوتا وانتقاء، وحينئذ فلا مخالفة بين المذهبين لأن أهل المذهب الأول لا يخالفون في أن استعمال المطهر لعين النجاسة مع الماء موجب لخروج الماء عن الطهورية خروجاً زائداً على خروجه عند استعمال ما فيه مجرد الريح أو اللون أو الطعم فتأمل هذا فهو مفيد، بل مجموع ما اشتمل عليه هذا البحث في الجمع بين المذاهب المختلفة في الماء وبين الأدلة الدالة عليها على هذه الصورة التي لخصتها مما لم أقف عليه لأحد من أهل العلم، وهذه المسألة هي من المضايق التي يتعثر في ساحاتها كل محقق ويتبلّد عند تشعب طرائقها كل مدقق، وقد حررها الماتن في سائر مؤلفاته٢ تحريرات مختلفة لهذه العلة وأطال١المئنة العلامة٢ كنيل الاوطار ووبل الغمام والسيل الجرار والفتح الرباني.
الكلام عليها في طيب النشر في المسائل العشر..وقد استدل بعض أهل العلم بمثل حديث: "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون"، ومثل حديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ولا يستفاد منهما إلا أن التورع عند الظن من الإقدام أولى، وأهل هذا المذهب يوجبون العمل بذلك الظن حتماً وجزماً، وقد عرفت أن أدلة المذهب الأولى على الوجه الذي لخصناه تدل على المذهب الثاني فإبعاد النُّجعة إلى مثل حديث: "استفت قلبك" و"دع ما يريبك" ليس كما ينبغي فإن قيل: إنه قصد الاستدلال على مجرد العمل بالظن من غير نظر إلى هذه المسألة فيقال: أدلة العمل بالظن في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأكثر منها أدلة النهي عن العمل به، وهكذا التعويل على حديث الولوغ والاستيقاظ ونحو ذلك لا يفيد، وقد حُكي في تحديد الماء الكثير أقوال منها: أن الكثير هو المستبحر وقيل: ما إذا حُرِّك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر، وقيل: ما كان مساحة مكانه كذا وقيل: غير ذلك وهذه الأقوال ليس عليها أثارة من علم بل هي خارجة عن باب الرواية المقبولة والدراية المعقولة."وما فوق القلتين وما دونهما" قدَّر الشافعي الماء الذي لا ينجس بوقوع النجاسة ما لم يتغير بالقلتين وقدَّرهما بخمس قرب وفسرها أصحابه بخمسمائة رطل، وقدّره الحنفية بالغدير الكبير الذي لا يتحرك جانب منه بتحريك الآخر والعشر في العشر كذا في المسوى شرح الموطأ، وقال في حجة الله البالغة: ومن لم يقل بالقلتين اضطر إلى مثلهما في ضبط الماء الكثير كالمالكية أو الرخصة في آبار الفلوات من نحو أبعار الإبل انتهى. ويدفع ذلك ما مر من عدم الفرق بين ما دون القلتين وما فوقهما مع الدليل عليه، وإن شئت زيادة التفصيل فعليك بالفتح الرباني في فتاوى الشوكاني ففيها ما يشفي العليل ويسقي الغليل."ومتحرك وساكن"، وجه ذلك أن سكونه وإن كان قد ورد النهي عن التطهير به حالة١ فإن ذلك لا يخرجه عن كونه طهوراً لأنه يعود إلى وصف كونه طهوراً بمجرد تحركه، وقد دلّت الأحاديث على أنه لا يجوز التطهير بالماء الساكن مادام ساكنا كحديث١ كذا في الأصل. ولم يرد في الحديث النهي عن التطهير بالماء الساكن إنما ورد النهي عن الانغماس فيه للجنب كما سيذكر المؤلف بعض ألفاظه وفرق كبير بينهما بل في الحديث التصريح بالتطهير به بالتناول في كلام أبي هريرة راويه.
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغتسلنّ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" فقالوا يا أبا هريرة: كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولاً، وفي لفظ لأحمد وأبي داود: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة" وفي لفظ للبخاري: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" وفي لفظ للترمذي: "ثم يتوضأ منه" وغير هذه الرويات التي يفيد مجموعها النهي عن البول في الماء الدائم على انفراده والنهي عن الاغتسال فيه على انفراده والنهي عن مجموع الأمرين ولا يصح أن يقال: إن روايتي الانفراد مقيدتان بالاجتماع لأن البول في الماء على انفراده لا يجوز فأفاد هذا أن الاغتسال والوضوء في الماء الدائم من دون بول فيه غير جائز فمن لم يجد إلا ماء ساكنا وأراد أن يتطهر منه فعليه أن يحتال قبل ذلك بأن يحركه حتى يخرج عن وصف كونه ساكناً ثم يتوضأ منه، وأما أبو هريرة فقد حمل النهي على الانغماس في الماء الدائم ولهذا لما سئل كيف يفعل قال: يتناوله تناولاً ولكنه لا يتم ذلك في الوضوء فإنه لا انغماس فيه بل هو يتناوله تناولاً من الابتداء فالأوْلى تحريك الماء قبل الشروع في الطهارة ثم يتطهر١ به، وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ما دلت عليه هذه الروايات فلم يفرقوا بين المتحرك والساكن ومنهم من قال: إن هذه الروايات محمولة على الكراهة فقط ولا وجه لذلك وقد قيل إن المُستبحر مخصوص من هذا بالإجماع والراجح أن الماء الساكن لا يحل التطهر به مادام ساكناً فإذا تحرك عاد له وصفه الأصلي وهو كونه مطهراً وهذه هي المسألة الخامسة من مسائل الباب."ومستعمَل وغير مستعمَل" هذه المسألة السادسة من مسائل الباب وقد وقع الاختلاف بين أهل العلم في الماء المستعمل لعبادة من العبادات هل يخرج بذلك عن كونه مُطهِّراً أم لا؟ فحُكي عن أحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبي حنيفة في رواية عنه أن الماء المستعمل غير مطهِّر واستدلوا بما تقدم من حديث النهي عن الاغتسال في الماء الدائم ولا دلالة له على ذلك لأن علة النهي عن التطهير به ليست كون ذلك الماء مستعملاً بل كونه ساكناً وعلة السكون لا ملازمة بينها وبين الاستعمال،١ هذا لا يطابق معنى الحديث وليس المقصود من التشريع إلا صيانة الماء عن القذر والنجس وأبو هريرة فهم الحديث كما ينبغي أن يفهم.
واحتجوا أيضاً بما ورد من النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة ولا تنحصر علة ذلك في الاستعمال كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى فلا يتم الاستدلال بذلك لاحتماله، ولو كانت العلة الاستعمال لم يختص النهي بمنع الرجل من الوضوء بفضل المرأة والعكس بل كان النهي سيقع من الشارع لكل أحد عن كل فضل، ومن جملة ما استدلوا به: أن السلف كانوا يكملون الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بماء ساقط منه وهذه حجة ساقطة لا ينبغي التعويل على مثلها في إثبات الأحكام الشرعية، فعلى هذا المستدل أن يوضح هل كان هذا التكميل يفعله جميع السلف أو بعضهم والأول باطل والثاني لا يُدرى من هو فليبين لنا من هو على أنه لا حجة إلا الإجماع عند من يحتج بالإجماع، وقد استدلوا بأدلة هي أجنبية عن محل النزاع مثل: حديث غسل اليد ثلاثاً بعد الإستيقياظ قبل إدخالها الإناء ونحوه فالحق أن المستعمل طاهر ومطهر عملاً بالأصل وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور، وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف والخلف ونسبه ابن حزم إلى عطاء وسفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر ونقله غيره عن الحسن البصري والزهري والنخعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة في إحداى الروايات عن الثلاثة المتأخرين، والحق أن الماء لا يخرج عن كونه طهوراً بمجرد استعماله للطهارة إلا أن يتغير بذلك ريحه أو لونه أو طعمه، وقد كان الصحابة يكادون يقتتلون على ما تساقط من وضوئه صلى الله عليه وسلم فيأخذونه ويتبركون به والتبرك به يكون بغسل بعض أعضاء الوضوء كما يكون بغير ذلك. والحاصل: أن إخراج ما جعله الماء طهوراً عن الطهورية لا يكون إلا بدليل.فصل"والنجاسات" جمع نجاسة وهي كل شيء يستقذره أهل الطبائع السليمة ويتحفظون عنه ويغسلون الثياب إذا أصابها كالعذرة والبول، هي غائط الإنسان مطلقا وبوله بالأدلة الصحيحة المفيدة للقطع بذلك بل نجاستهما من باب الضرورة الدينية كما لا يخفى على من له اشتغال بالأدلة الشرعية وبما كان عليه الأمر في عصر النبوة ولا يقدح في ذلك التخفيف في تطهيرهما في بعض الأحوال. . أما الغائط فكما في حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور" وفي لفظ: "إذا وطئ
الأذى بخفيه فطهورهما التراب". رواهما أبو داود رحمه الله وابن السكن والحاكم والبيهقي وقد اختُلف فيه على الأوزاعي، وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصلّ فيهما" وقد اختُلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في العلل الموصول، وأخرج أهل السنن عن أم سلمة مرفوعاً بلفظ: "يطهِّره ما بعده" وعن أنس عند البيهقي بسند ضعيف بنحوه وكذلك عن امرأة من بني عبد الأشهل عند البيهقي أيضا فإن جعل التراب مع المسح مطهراً لذلك لا يُخرجه عن كونه نجسا بالضرورة إذ اختلاف وجه التطهير لا يُخرج النجس عن كونه نجسا، وأما التخفيف في تطهير البول فكما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يُراق على بول الأعرابي ذَنوب١ من ماء وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما.وأما ما عدا غائط الآدمي وبوله من الأبوال والأزبال فلم يحصل الاتفاق على شيء في شأنها والأدلة مختلفة فورد في بعضها ما يدل على طهارته كأبوال الإبل فإنه ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العُرَنيين بأن يشربوا من أبوال الإبل ومن ذلك حديث: "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه" وهو حديث ضعيف أخرجه الدارقطني من حديث جابر رضي الله عنه والبراء رضي الله عنه وفي إسناده عمرو بن الحصين العقيلي وهو ضعيف جدا لا تقوم بمثله الحجة٢، وورد ما يدل على نجاسة الرَّوث ما أخرجه البخاري وغيره أنه قال صلى الله عليه وسلم في الروثة: "إنها رِكْس" والركس النجس وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون في الخيل والبغال والحمير ولكنه زاد ابن خزيمة في رواية: "إنها ركس إنها روثة حمار"ومعظم ما استدل به القائلون بالتعميم في النجاسة لا ينطبق على غير الخارج من الآدمي وحديث الروثة لا يستلزم التعميم وحديث عمار قد أطبق من رواه على أنه من الضعف بمكان يسقط به عن درجة الاعتبار لأنه من رواية ثابت بن حماد بن علي بن زيد بن جدعان والأول مجمع على تركه والثاني مجمع على ضعفه فلا١ في الأصل "ذنوباً" وهو خطأ. والذنوب الدلو.٢ بل كذبه أحمد بن حنبل.
ينتهض بمثله حجة على التعميم١، واحتجوا بإذنه صلى الله عليه وسلم بالصلاة في مرابض الغنم وبإذنه بشرب أبوال الإبل وهما صحيحان ولاحكم للمعارضة بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في معاطن الإبل لأن النهي معلل بأنها ربما تؤذي المصلِّي فلا يستلزم ذلك عدم طهارة أزبالها وأبوالها كما أن تعليل الصلاة في مرابض الغنم بأنها بركة لا يستلزم أن الصلاة إنما كانت لأجل كونها بركة فإن مثل ذلك لا يُسوِّغ مباشرة ما ليس بطاهر. .فالحق الحقيق بالقبول الحكم بنجاسة ما ثبتت نجاسته بالضرورة الدينية وهو بول الآدمي وغائطه، وأما ما عداهما فإن ورد فيه ما يدل على نجاسته كالروثة وجب الحكم بذلك من دون إلحاق وإن لم يرد فالبراءة الأصلية كافية في نفي التعبد بكون الشيء نجساً من دون دليل فإن الأصل في جميع الأشياء الطهارة والحكم بنجاستها حكم تكليفي تعم به البلوى، ولا يحل إلا بعد قيام الحجة قال الماتن رحمه الله تعالى: ولا يخفى عليك أن الأصل في كل شيء أنه ظاهر لأن القول بنجاسته يستلزم تعبد العباد بحكم من الأحكام والأصل عدم ذلك والبراءة قاضية بأنه لا تكليف بالمحتمل حتى يثبت ثبوتاً ينقل عن ذلك وليس من أثبت الأحكام المنسوبة إلى الشرع بدون دليل بأقل إثماً ممن أبطل ما قد ثبت دليله من الأحكام فالكل إما من التقول على الله تعالى بما لم يقل أو من إبطال ما قد شرعه لعباده بلا حجة "إلا الذكر الرضيع" لحديث:" يُغسل من بول الجارية ويُرش من بول الغلام" أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى والنسائي رحمه الله تعالى وابن ماجه والبزار وابن خزيمة من حديث أبي السمح خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصححه الحاكم وأخرج أحمد والترمذي وحسنه من حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بول الغلام الرضيع يُنضح وبول الجارية يُغسل" وأخرجه أيضا ابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح عن علي موقوفاً، وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خريمة وابن حبان والطبراني من حديث أم الفضل لُبابة بنت الحارث قالت: بال الحسين بن علي في حِجر النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أعطني ثوبك والبس ثوباً غيره حتى أغسله فقال: "إنما يُنضح من بول الذكر ويُغسل١ هو حديث رواه الدارقطني والبزار والبيهقي وغيرهم ولفظه: "إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيء" قال الدارقطني لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جدّاً. وقال البيهقي هذا باطل لا أصل له ثابت متهم بالوضع. انظر شرحنا على التحقيق في المسألة رقم ٢٣.
من بول الأنثى"، وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أم قيس بنت مِحصن: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله، وفي صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي يُحنِّكه فبال عليه فأتبعه الماء وفي صحيح مسلم عنها قالت: كان يؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم ويحنِّكهم فأتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله، فهذا تصريح بأنه لم يغسله فيكون إتباعه الماء مجرد النضح كما وقع في الحديثين الآخرين أو مجرد صب الماء عليه من دون غسل، وبالجملة: فالتصريح منه صلى الله عليه وسلم بالقول بما هو الواجب في ذلك هو الأوْلى بالاتِّباع لكونه كلاماً مع أمته فلا يعارضه ما وقع من فعله على فرض أنه مخالف للقول، وقد ذهب إلى الاكتفاء بالنضح في بول الغلام لا الجارية جماعة منهم علي وأم سلمة والثوري والأوزاعي والنخعي وداود وابن وهب وعطاء والحسن الزهري وأحمد وإسحق ومالك في رواية وهذا هو الحق الذي لامحيص عنه، وذهب بعض أهل العلم -وقد حُكي عن مالك والشافعي والأوزاعي- إلى أنه يكفي النضح فيهما وهذا فيه مخالفة لما وقع في هذه الأحاديث الصحيحة من التفرقة بين الغلام والجارية، وذهب الحنفية رحمهم الله وسائر الكوفيين إلى أنهما سواء في وجوب الغسل وهذا المذهب كالذي قبله في مخالفة الأدلة وقد استدل أهل هذا المذهب الثالث بالأدلة الواردة في نجاسة البول على العموم ولا يخفاك أنها مخصصة بالأدلة الخاصة المصرحة بالفرق بين بول الجارية والغلام، وأما ما قيل من قياس بول الغلام على بول الجارية فلا يخفاك أنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار، وقد شدّد١ ابن حزم فقال: إنه يرش من بول الذكر أي ذكر كان وهو إهمال للقيد المذكور سابقاً بلفظ: "بول الغلام الرضيع يُنضَح" والواجب حمل المطلق على المقيد.قال في الحُجّة: قد أخذ بالحديث أهل المدينة وإبراهيم النخعي وأضجع فيه القول محمد فلا تغتر بالمشهور بين الناس. قلت: قال الشافعي رحمه الله تعالى: يُنضح من بول الغلام ما لم يطعم ويغسل من بول الجارية، فسّره البغوي بأن بول الصبي نجس غير أنه يُكتفى فيه بالرش وهو أن ينضح الماء عليه بحيث يصل إلى جميعه فيطهّر من غير١ قوله شدّد هكذا بالأصل مصلحاً ولعله شذّ فليتأمل.