مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ط الراية (ابن الجوزي) القسم: البلدان والرحلات الكتاب: مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)المحقق: مرزوق علي إبراهيمتقديم: حماد بن محمد الأنصاري [ت ١٤١٨ هـ]الناشر: دار الراية الطبعة: الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبلتاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ط الراية - جـ ١من روائع التراث عن الحرمين الشريفين مثير العزم الساكنإلى أشرف الأماكن للشيخ الإمام العالم العلامةأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزيالمتوفى ٥٩٧ هـ تقديم فضيلة الشيخحماد بن محمد الأنصاري تحقيقمرزوق علي إبراهيم دار الراية الطبعة الأولى١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م
بسم الله الرحمن الرحيمالجزء الثاني من كتاب مثير العزم الساكن إلى أشراف الأماكن
بسم الله الرحمن الرحيمباب عقوبة أقوام أساؤوا الأدب عند الكعبة٢٥٦- أنبأنا أحمد بن علي بن المجلى، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا ابن بشران، قال: ثنا ابن صفوان، قال: ثنا عبد الله بن محمد القرشي، قال: حدثني إبراهيم بن سعيد، قال: ثنا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مرثد، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذْ بَرِقَ لَهُ سَاعِدُ امْرَأَةٍ، فَوَضَعَ سَاعِدَهُ عَلَى سَاعِدِهَا يَتَلَذَّذُ بِهِ، فَلَصَقَتْ سَاعِدَاهُمَا، فَأَتَى بَعْضُ الشُّيُوخِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي فَعَلْتَ فِيهِ فعاهد رب البيت ألا تعود. ففعل. فخلى عنه.٢٥٧- وبالإسناد ثنا القرشي، قال: ثنا خالد بن خداش، قال: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنِ ابْنِ أبي نجيح، أن يسافاً ونائلة رجل وامرأة حجا من الشام قبلها وهما يطوفان، فمسخا حجرين لم يزالا في المسجد حتى جاء الله بالإسلام فأخرجا.
٢٥٨- وبه ثنا القرشي، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا يزيد بن عياض بن جعد به، قال: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ يسافاً ونائلة كانا رجلاً وامرأة، يساف من جرهم ونائلة من قيطوراء، كَانَا فِي الْبَيْتِ فَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَمُسِخا حجرين.٢٥٩- وبه حدثنا القرشي، قال: ثنا سويد بن سعيد، قال: ثنا مسلم بن خالد، عن ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، إذ جاءت امرأة إلى البيت تعوذ به مِنْ زَوْجِهَا، فَجَاءَ زَوْجُهَا فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا فَيَبَسَتْ يَدُهُ، فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي الإِسْلامِ وإنه لأشل.
بَابُ ذِكْرِ مَنْ ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فِي الطَّوَافِ فَوَلَدَتْ فِي الْكَعْبَةِ٢٦٠- رَوَى ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ أبيه، قال: كانت أم حكيم بن حِزَامٍ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فأعجلها، فأدخلها قريش إلى الكعبة، فولدت حكيماً، وعاش مئة وَعِشْرِينَ سَنَةً، سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتِّينَ فِي الإسلام.٢٦١- وقد روى أبو حمزة اليماني عن علي بن الحسين، أن فاطمة بنت أسد ضَرَبَهَا الطَّلْقُ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَفُتِحَتْ لَهَا الْكَعْبَةُ، فَوَلَدَتْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالب رضي الله عنه.إِلا أَنَّ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ لا يَثْبُتُ.
بَابُ ذِكْرِ الإِشَارَةِ فِي الطَّوَافِيَنْبَغِي لِلطَّائِفِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ بِقَلْبِهِ عَظَمَةَ مَنْ يَطُوفُ بِبَيْتِهِ، وليعلم أن خالص الْمُرَادِ مِنْ طَوَافِ الْبَدَنِ بِالْبَيْتِ طَوَافُ الْقَلْبِ بِحَضْرَةِ الرَّبِّ، وَعَلَى هَذَا، كَانَ طَوَافُ الْعَارِفِينَ.وقد حج بعض الصوفية، فلما رجع؛ دخل على الشبلي فقال له: عقدت في الْحَجَّ حِينَ أَحْرَمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَسَخْتَ بِعَقْدِكَ كُلَّ عَقْدٍ يُخَالِفُ هَذَا الْعَقْدَ؟ قَالَ: لا. قال: ما عقدت، تجردت من ثيابك؟ قال: نعم. تَجَرَّدْتَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟قَالَ: لا. قَالَ: ما تجردت ولبيت؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَجَدْتَ جَوَابَ التَّلْبِيَةِ؟ قَالَ: لا.
قال: ما لبيت رَأَيْتَ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: رَأَيْتَ مَنْ قَصَدْتَ؟ قَالَ: لا. قَالَ: مَا رَأَيْتَ. وَلَمْ يَزَلْ يَسْتَقْرِئُ أَحْوَالَ الْحَجِّ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ: مَا حَجَجْتَ عَلَيْكَ الْعَوْدَ.٢٦٢- أَخْبَرَنَا ابْنُ أبي منصور، قال: أخبرنا الحميدي؛ قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني، قال: أخبرنا السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ الطُّوسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْبَرْذَعِيَّ، قال: سمعت الشبلي وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى الناس حج البيت} ، فَوَصَفَ صِفَةً لَمْ يَضْبِطْهَا أَهْلُ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ أنشأ يَقُولُ:لَسْتُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحِبِّينَ إِنْ لَمْ … أَدَعِ الْقَلْبَ بَيْتَهُ وَالْمَقَامَاوَطَوَافِي إِجَالَةُ السِّرِّ فِيهِ … وَهُوَ رُكْنِي إِذَا أَرَدْتُ اسْتِلامَا٢٦٣- أَخْبَرَنَا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا ابن خلف، قال: أخبرنا السلمي، قال: سمعت أحمد بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ يَقُولُ: الْعَجَبُ مِمَّنْ يَقْطَعُ الأَوْدِيَةَ وَالْقِفَارَ والمفاوز حَتَّى يَصِلَ إِلَى بَيْتِهِ وَحَرَمِهِ لأَنَّ فِيهِ آثَارَ أَنْبِيَائِهِ، كَيْفَ لا يَقْطَعُ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَلْبِهِ، فَإِنَّ فِيهِ آثَارَ ربه؟٢٦٤- أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعد الحيري، قال:
ثنا أبو عبد الله بن باكويه، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْعَطَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرٌ الخلدي، قال: سعمت الْجُنَيْدَ يَقُولُ: حَجَجْتُ عَلَى الْوِحْدَةِ فَجَاوَرْتُ بِمَكَّةَ، فَكُنْتُ إِذَا جَنَّ اللَّيْلُ دَخَلْتُ الطَّوَافَ، فَإِذَا بِجَارِيَةٍ تَطُوفُ وَتَقُولُ:أَبَى الْحُبُّ أَنْ يَخْفَى وَكَمْ قَدْ كَتَمْتُهُ … فَأَصْبَحَ عِنْدِي قَدْ أَنَاخَ وَطَنَّبَاإِذَا اشْتَدَّ شَوْقِي هَامَ قَلْبِي بِذِكْرِهِ … وَإِنْ رُمْتُ قُرْبًا مِنْ حَبِيبِي تَقَرَّبَاوَيَبْدُو فاقتي ثُمَّ أَحْيَا بِهِ لَهُ … وَيُسْعِدُنِي حَتَّى أَلَذَّ وأطرباقال: فقلت: يَا جَارِيَةُ! أَمَا تَتَّقِينَ اللَّهَ تَعَالَى فِي مثل هذا المكان؟ فَالْتَفَتَتْ إِلَيَّ وَقَالَتْ: يَا جُنَيْدُ!لَوْلا التُّقَى لَمْ تَرَنِي … أَهْجُرُ طِيبَ الْوَسَنِإِنَّ التُّقَى شَرَّدَنِي … كَمَا تَرَى عَنْ وَطَنِيأَفِرُّ مِنْ وَجْدِي بِهِ … فَحُبُّهُ تَيَّمَنِي
ثُمَّ قَالَتْ: يَا جُنَيْدُ! تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَمْ برب البيت؟ قلت: أَطُوفُ بِالْبَيْتِ؟ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَكَ، سُبْحَانَكَ! مَا أَعْظَمَ مَشِيئَتَكَ فِي خَلْقِكَ، خَلْقٌ كَالأَحْجَارِ يَطُوفُونَ بِالأَحْجَارِ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:يطوفون بالأحجار يبغون قربةً … إِلَيْكَ وَهُمْ أَقْسَى قُلُوبًا مِنَ الصَّخْرِوَتَاهُوا فلم يدروا أن التيه منهم … وحلوا محل القرب من باطن الفكرفلو خلصوا فِي الْوُدِّ غَابَتْ صِفَاتُهُمُ … وَقَامَتْ صِفَاتُ الْوُدِّ للحق في الذكرقَالَ الْجُنَيْدُ: فَغُشِّيَ عَلَيَّ مِنْ قَوْلِهَا، فَلَمَّا أفقت، لم أرها.وأنشد لأبي عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الشِّيرَازِيِّ:إليك قصدي لا لِلْبَيْتِ وَالأَثَرِ … وَلا طَوَافِي بِأَرْكَانٍ وَلا حَجَرِصفا دَمْعِي الصَّفَا لِي حِينَ أَعْبُرُهُ … وَزْمَزِمِي دمعةٌ تَجْرِي مِنَ الْبَصَرِوَفِيكَ سَعْيِي وَتَعْمِيرِي وَمُزْدَلِفِي … والهدى جسمي الذي يغنى عن الجزرعرفانه عَرَفَاتِي إِذْ مِنًى مِنَنِي … وَمَوْقِفِي وَقْفَةٌ فِي الْخَوْفِ وَالْحَذَرِوَجَمْرُ قَلْبِي جِمَارٌ نَبْذُهُ شَرَرُ … وَالْحَرَمُ تَحْرِيمِيَ الدُّنْيَا عَنِ الْفِكَرِوَمَسْجِدُ الْخَيْفِ خَوْفِي مِنْ تَبَاعُدِكُمْ … وَمَشْعَرِي وَمَقَامِي دُونَكُمْ خَطَرِيزَادِي رَجَائِي لَهُ وَالشَّوْقُ رَاحِلَتِي … وَالْمَاءُ مِنْ عبراتي والهوى سقري
بَابٌ ذِكْرُ كَلِمَاتٍ حُفِظَتْ عَنِ الطَّائِفِينَ وَأَدْعِيَةٌ وأحوال جرت لهم٢٦٥- أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي محمد بن الحسين الأزرق، قال: ثنا أبو سهل القطان، قال: ثنا أحمد بن يحيى بن إسحاق، قال: ثنا أحمد بن حرب النيسابوري، قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بن جَمِيلٍ الْهَرَوِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بن محرز، عن يزيد بن الأصم، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: بينا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذَا رَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكعبة وهو يَقُولُ: يَا مَنْ لا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَيَا مَنْ لا تَغْلُطُهُ الْمَسَائِلُ، وَيَا من لا يتبرم بالحاج الْمُلِحِّينَ! أَذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ، وَحَلاوَةَ رَحْمَتِكَ.قُلْتُ: يا عبد الله! أعد الكلام. قال: أوسمعته؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ الْخَضِرِ بِيَدِهِ، كان الخضر يقول: لا يَقُولُهُنَّ عَبْدٌ دُبُرَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ، إِلا غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ رَمْلِ عَالِجَ وعدد المطر وورق
الشجر.٢٦٦- أخبرنا محمد بن أبي مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ، قال: أخبرنا محمد بن سلامة القضاعي، قال: أخبرنا أبو مسلم الكاتب، قال: أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن والرياشي وَأَبُو حَاتِمٍ عَنِ الأَصْمَعِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًا وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ بِبَابِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ:يَا رَبِّ! سَائِلُكَ بِبَابِكَ، مَضَتْ أَيَّامُهُ وَبَقِيَتْ آثَامُهُ، وَانْقَطَعَتْ شَهْوَتُهُ وَبَقِيَتْ تَبِعَتُهُ، فَارْضَ عَنْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ، فَإِنَّمَا يُعْفَى عَنِ الْمُسِيءِ وَيُثَابُ الْمُحْسِنِ، وأنت أفضل من دعوت وأكرم من رجوت.٢٦٧- أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا أبو الحسن بن جهضم الصوفي، قال: ثنا أبو بكر محمد بن القاسم، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، قال: بينا أنا أطوف، نَظَرْتُ إِلَى أَعْرَابِيٍّ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَدْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا خَيْرَ مَنْ وَفَدَ الْعِبَادُ إِلَيْهِ! ذَهَبَتْ أَيَّامِي وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَقَدْ وَرَدْتُ إِلَى بَيْتِكَ الْمُعَظَّمِ الْمُكَرَّمِ بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ لا تَسَعُهَا الأَرْضُ وَلا تَغْسِلُهَا الْبِحَارُ مُسْتَجِيرًا بِعَفْوِكَ مِنْهَا، وَحَطَطْتُ رَحْلِي بفنائك، وأنفقت مالي في رضاك،
فما الذي يَكُونُ مِنْ جَزَائِكَ يَا مَوْلاي؟ ثُمَّ أَقْبَلَ على الناس بوجهه فقال: معاشر النَّاسِ! ادْعُوا لِمَنْ وَكَزَتْهُ الْخَطَايَا، وَغَمَرَتْهُ الْبَلايَا، ارْحَمُوا أَسِيرَ ضُرًّ، وَغَرِيبَ فاقةٍ، سَأَلْتُكُمْ بِالَّذِي قَدْ عَمَّتْكُمُ الرَّغْبَةُ إِلَيْهِ إِلا سَأَلْتُمُ اللَّهَ تعالى أن يهب لي جرمي، ويغفر لي ذنوبي، ثُمَّ عَادَ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: إِلَهِي وَسَيِّدِي! عَظِيمُ الذَّنْبِ مَكْرُوبٌ، وَعَنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ مَطْرُودٌ، وَقَدْ أَصْبَحْتُ ذَا فَاقَةٍ إِلَى رَحْمَتِكَ يَا مَوْلاي.قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ بِعَرَفَاتٍ وَقَدْ وَضَعَ يَسَارَهُ عَلَى أُمِّ رأسه، فيصرخ وَيَبْكِي وَيَشْهَقُ وَيَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلاي! أُضْحِكَتِ الأَرْضُ بِالزَّهْرَةِ، وَأُمْطِرَتِ السَّمَاءُ بِالرَّحْمَةِ، وَالَّذِي أَعْطَيْتَ الْمُوَحِّدِينَ، إِنَّ نَفْسِي لَوَاثِقَةٌ لِي وَلَهُمْ مِنْكَ بالرضا، وَكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وَأَنْتَ حَبِيبُ مَنْ تَحَبَّبَ إِلَيْكَ، وَقُرَّةُ عَيْنِ مَنْ لاذَ بِكَ وَانْقَطَعَ إِلَيْكَ، يَا مَوْلاي! حَقًّا حَقًّا أَقُولُ لَقَدْ أَمَرْتَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاقِ، فَاجْعَلْ وُفُودِي إِلَيْكَ عِتْقَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ.٢٦٨- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ ظفر، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن الفقيه، قال: ثنا هلال بن محمد، قال: ثنا عمر بن أحمد، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا زكريا، قال: ثنا الأصمعي، قال: ثنا سُفَيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: السَّائِلُ بِبَابِكَ انْقَضَتْ أَيَّامُهُ، وَبَقِيَتْ آثَامُهُ، وَانْقَضَتْ شَهَوَاتِهِ وَبَقِيَتْ تَبِعَاتُهُ، وَلِكُلِّ ضَيْفٍ قِرًى، فَاجْعَلْ قِرَايَ الْجَنَّةَ.
٢٦٩- أخبرنا أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا حمزة بن محمد، قال: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْمَدَائِنِيُّ قَالَ: تَعَلَّقَ شَابٌّ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: إِلَهِي! لا لَكَ شَرِيكٌ فَيُؤْتَى، وَلا وَزِيرٌ فَيُرْشَى، إِنْ أَطَعْتُكَ فَبِفَضْلِكَ وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِنْ عَصَيْتُكَ فَبِجَهْلِي وَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ، فَبِإِثْبَاتِ حُجَّتِكَ وَانْقِطَاعِ حُجَّتِي لَدَيْكَ إِلا غَفَرْتَ لِي. فَسَمِعَ هَاتِفًا يَقُولُ: الْفَتَى عَتِيقٌ من النار.٢٧٠- أنبأ أبو سعد البغدادي، قال: أخبرنا أبو العباس الطهراني وأبو عمرو بن منده، قالا: ثنا ابن بوه، قال: أخبرنا أبو الحسن اللنباني، قال: ثنا أبو بكر القرشي، قال: ثنا أبو حاتم الرازي، قال: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بن كامل، قال: أخبرنا عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، قال: قال طاووس: بَيْنَا أَنَا بِمَكَّةَ، بَعَثَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ، فَأَجْلَسَنِي إلى جنبه، واتكأني على وسادة، إِذْ سَمِعَ مُلَبِيًا يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ رَافِعًا صَوْتَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ. فَأُتِيَ بِهِ.فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: لَيْسَ عن الإسلام
سَأَلْتُ. قَالَ: فَعَمَّ سَأَلْتَ؟ قَالَ: سَأَلْتُكَ عَنِ الْبَلَدِ. قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتَ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ (يُرِيدُ أَخَاهُ) ؟ قَالَ: تركته عظيماً، جسيماً، لباساً، رَكَّابًا، خَرَّاجًا، وَلاجًا.قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا سَأَلْتُكَ. قَالَ: فَعَمَّ سَأَلْتَ؟ قَالَ: سَأَلْتُكَ عَنْ سِيرَتِهِ.قَالَ: تَرَكْتُهُ ظَلُومًا، غَشُومًا، مُطِيعًا لِلْمَخْلُوقِ، عَاصِيًا لِلْخَالِقِ. قَالَ الْحَجَّاجُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَكَانَهُ مِنِّي؟ قَالَ الرَّجُلُ: أَتَرَاهُ بِمَكَانِهِ مِنْكَ أَعَزَّ مِنِّي بِمَكَانِي مِنَ اللَّهِ عز وجل، وَأَنَا وَافِدٌ بيته، ومصدق نبيه، وقاض دَيْنَهُ؟ فَسَكَتَ الْحَجَّاجُ وَقَامَ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ أن يؤذن له.قال طاووس: فَقُمْتُ فِي أَثَرِهِ وَقُلْتُ: الرَّجُلُ حَكِيمٌ. فَأَتَى الْبَيْتَ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَعُوذُ، وَبِكَ أَلُوذُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي اللَّهْفِ إِلَى جُودِكَ وَالرِّضَا بِضَمَانِكَ مَنْدُوحَةً عَنْ منع الباخلين، وغناً عما فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ، اللَّهُمَّ فَرَجَكَ الْقَرِيبَ وَمَعْرُوفَكَ الْقَدِيمَ، وَعَادَتَكَ الْحَسَنَةَ. ثُمَّ ذَهَبَ فِي النَّاسِ، فَرَأَيْتُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ لَمْ تَقْبَلْ حَجِّي وَتَعَبِي وَنَصَبِي، فَلا تَحْرِمْنِي الأَجْرَ عَلَى مُصِيبَتِي بِتَرْكِكَ الْقَبُولَ مِنِّي. ثُمَّ ذَهَبَ فِي النَّاسِ، فَرَأَيْتُهُ غَدَاةَ جَمْعٍ يَقُولُ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْكَ، وَاللَّهِ وَإِنْ عَفَوْتَ يُرَدِّدُ ذلك.٢٧١- أخبرنا أبو حفص البغدادي قال: أخبرنا أبو محمد بن