التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة (السخاوي) القسم: البلدان والرحلات الكتاب: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة المؤلف: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، المصري، المدني (٨٣١ - ٩٠٢ هـ) الناشر: مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة الطبعة: جـ ١ - ٦ (الأولى، ١٤٢٩ - ١٤٣٠ هـ)، جـ ٧ - ٩ (من الثانية، ١٤٣٧ هـ)تنبيهات:١ - طُبع ثُلثا الكتاب طبعة أولى في ٦ أجزاء، ثم عُثر على ثلثه الأخير، فزِيدت ٣ أجزاء في الطبعة الثانية٢ - حدث اختلاف في ترقيم تراجم الأجزاء ١ - ٦ بين الطبعة الأولى (المعتمدة هنا) وبين الطبعة الثانية؛ لأنهم أعادوا ترقيم تراجم الكتاب كله في الطبعة الثانية! ولم تطبع الأجزاء ٧ - ٩ إلا ضمن الطبعة الثانية فقط!عدد الأجزاء: ٩[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى اللهُ على سيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلهِ وصحبِه وسلَّمَ.الحمدُ لله الذي شَرَّفَ الحَالَّ(١) في الحال والاستقبال، بمَن إليها هاجر وبها حلّ، سِيَّما أَنْ كان الذي أرشدَ لكلِّ خيرٍ ودلَّ، وصرفَ عنها تلك الظُّلْمَةَ والمِحال(٢)، فنَارتْ أركانُها وجهاتُها المنخفضةُ والعَوَال، حتى أضاءَ بها كلُّ شيءٍ عَظُمَ أو قَلَّ، حسبما شُوهدَ من الأماكن النَّابية(٣) ممَّا المقامُ فيه أعلى وأَجَلّ، وعرَّف مَنْ نُوِّرَتْ بصيرتُه بركتَها الموازيةَ للغنائمِ والعَطايا الزَّائدِ بها الاحتفال، وللسَّرايا القادمِ أهلُها بالبشارة ببلوغِ الآمال، في الحِلِّ والارتحال، فأكْرَموها عن سُلوكِ ما لا يرضى أَنْ غَلِطَ الواحدُ منهم أو زلَّ، وعَظَّموها بربطِ قلوبِهم عن المناكير والمُعضِلاتِ التي لا تُحْتَمَلُ، سِيَّما ومن المعلوم أنَّ الأماكنَ الشَّريفةَ مرتفعةٌ عن تلك المِحَنِ والأوحالِ، مُمتنعةٌ من إقرارِ الخُبْثِ بها، وصُرِفَ المُجانبُ فيها للعدلِ والاعتدالِ، إذِ القاذوراتُ للمُبتَلَى بها،(١) المَحَالُّ: جمع المَحَلَّة، وهي المنزل. "القاموس المحيط": حلل.(٢) المِحَال: الكيدُ والعذاب. "القاموس": محل.(٣) النابية: المرتفعة. "لسان العرب": نبا
أو عليها أَقْبَلَ، بالأماكنِ الدَّنيئةِ الخسيسةِ غيرُ مضاعَفةٍ، كهي(١) فيها(٢) عند جماعةٍ ممن اعتدلَ، والكلُّ سائرون مع القدرةِ الإلهيةِ، التي لا محَيدَ عنها ولا انتقال. فسبحانَه له الحمدُ على كلِّ حالٍ، ومنه الاسترشادُ والاهتداءُ لطُرقِ السَّعدِ وتَجَنُّبِ الوَبال، وبنعمتِه تَتِمُّ الصالحاتُ، وبِرحمتهِ تنمو الرَّابحاتُ؛ وإنْ كانتْ قليلةَ العملِ. والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِ الخلقِ وأشرفِ مُرسَلٍ، وعلى آلِهِ وصحبهِ وتابعيهم المندفعِ الكربِ عَن سائرِ مَنْ به ثُمَّ بهم بِبَركته(٣) توسَّل(٤)، وبعدُ؛(١) هذا استعمالٌ غيرُ فصيح؛ لأنَّ الكاف تختصُّ بجرِّ الاسم الظاهر. قال ابنُ مالك:بالظَّاهرِ اخصصْ منذُ مُذْ وحتَّى … والكافَ والواوَ ورُبَّ والتاقال ابنُ عقيل: وشذَّ جرُّها -أي: رُبَّ- ضميرَ الغيبة، كما شذَّ جرُّ الكاف له. "شرح ابن عقيل" ٢/ ١٥ - ١٤.(٢) يريد أنَّ السَّيئات في المدينة ليست كالسَّيئات في غيرها، ويشير المؤلِّف إلى قول مَن قال بمضاعفة السَّيئات فيها.قال السَّمهوديُّ بعد كلامه على حديث: "مَن أحدثَ فيها حدثا … " الخ. قال: فيستفاد منه أنَّ إثم الصغيرة فيها كإثم الكبيرة بغيرها، وعلَّل ذلك بقوله: لأنَّ الإساءة بحضور الملك ليست كالإساءة في أطراف المملكة. "وفاء الوفا" ١/ ١٢٢، والجمهور بخلافه.(٣) في الأصل: بركته، وهو خطأ.(٤) قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ رحمه اللّه تعالى: التَّوسُّلُ يُراد به ثلاثةُ معانٍ:أحدها: التَّوسُّلُ بطاعته، فهذا فرضٌ لا يتمُّ الإيمان إلا به، والثَّاني: التوسُّل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة يتوسَّلون بشفاعته، والثالث: التَّوسُّل به، بمعنى الإقسام على اللّه بذاته، والسُّؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصَّحابة يفعلونه في الاستسقاءِ ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره."قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" ص: ٥٠.
فلمَّا كانَ من المعلومِ، المُقَرَّرِ عند أُولي العقولِ الصَّحيحةِ، وثاقِبِ الفُهُومِ، أنه عند ذِكْرِ الصَّالحين تنزلُ الرَّحمةُ(١)، وبتتبُّعِ اَثارهِم يَندفعُ كلُّ بلاءٍ ويقْمةٍ(٢)، وأنَّ الثَّناءَ على المُدْرَجِ فيهم في الأمواتِ، رحمة للأحياءِ من أهلِ المودَّاتِ، والاشتغالَ بنشرِ أخبارِ الأخيار -ولو بتواريخهم- من علاماتِ سعاداتِ الدَّارينِ لأولي العرفانِ والاختيارِ، بل يُرجَى إسعافُهم للمقَصِّر الذَّاكِرِ لهم بالشَّفاعةِ، وإتحافُهم من المولى بمرافقةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، إلى غيرِ هذا مما يُرغَّبُ فيه، ويُحَبَّبُ للتوجُّهِ إليه كلُّ وجيه.توجَّهْتُ لبيانِ أحوالِ أهلِ طَيْبَةَ المشارِ إليها، والمخصوصةِ بِالمزيد من الفضائلِ المُنَبَّهِ عليها؛ لأحوزَ بركةَ المرتفعِ منهم، وأفوزَ بتنزُّلِ الرَّحمةِ حيث ذكرْتُهم، ولم أنصرفْ عنهم، خصوصًا ومَنْ أحَبَّ شيئًا أكثرَ من ذِكْرِه، والمرءُ مع حبيبه(٣) في حَشْرِه، ونعيمه ونَشْرِه، وإنْ لم يلحقْه في عملِه، ولا رافقه في سلوكه وسُبُلِه.وألحقتُ بهم مَنْ تَخَلَّفَ عن طريقتِهم، ولم يَتَعرَّفْ ما أنعمَ اللّهُ به عليه، ولا تَبِعهم في توفيقهم، بحيث يُحْمَلُ ما نُقِلَ مما هو في أوائلِ "تاريخِ ابنِ عساكر"(٤) عن عمرِو بنِ(١) أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" ٣/ ٢٨٨ من قول سفيانَ بن عُيينة. قال العراقيُّ: لا أصل له في المرفوع. "تذكرة الموضوعات" ص: ١٩٣، و "إتحاف السادة المتقين" ٦/ ٣٥١.(٢) إن كان القصد أن تتبُّعَ آثار الصَّالحين بالاقتداء بأفعالهم الحميدة، وأخلاقهم الرَّشيدة ممَّا يدفع اللّه به البلاء والنِّقمة عمَّن اقتدى بهم، فيها، فهذا مُسَلَّم به، وإن كان القصد هو التَّتبُّعَ لآثارهم والتَّبرُّكَ بها رجاءَ حصول النفع، أو دفع الضرِّ، فلا.(٣) يشير لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه مرفوعًا: "المرءُ معَ مَنْ أحبَّ". أخرجه مسلم في كتاب البر، باب المرءُ مع من أحبَّ ٤/ ٢٠٣٢ (١٦١) بنحوه.(٤) الأثرُ ضعيفٌ. "تاريخ دمشق" ١/ ٣٥٨ من طريق نُعيم بن حماد، عن رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن بُكير بن عبد اللّه بن الأشجِّ، عن عمرو بن العاص به.=
العاصِ -الحامدِ الشَّاكر- حين سُئلَ عنَ وصْفِ أهلِ المدينةِ؟ فقالَ: (أَطلبُ النَّاسِ لفتنةٍ، وأعجزُهم عنها)، على مَنْ لَعلّه مِنْ هؤلاء، ممن فارقَ الوقار والسكينة. على أنَّ الحجَّاجَ بنَ يوسفَ الثقفيَّ(١) سأل أبا سليمانَ أيوبَ بنَ زيدِ بنِ القِرِّيةِ(٢) عن أهل الحجاز؟ فأجابه بذلك بدون انحجاز، وقال عن المدينة: رَسَخَ العلم بها، وظهرَ منها، مما هو كذلك مع الضَّوء والبهاء، وعن أهلِ مكةَ: رجالهُا علماءُ جُفاةٌ، ونساؤُها كُساةٌ عُراةٌ. بل لم أَقتصرْ على هؤلاء، حيثُ ذكرتُ مَنْ قَطَنها من الغُرباءِ ولو سَنَةً، بشرط أن يكون دَرَّسَ فيها، أو حدَّث، أو أفتَى بالطريقة المَرْضِية، والسُّنَّةِ الواضحةِ الحسنة؛ لِيكونَ الآخذُ عنهم أو مَنْ كانوا في طريقه بشأنِهم على بصيرة، ولا يفتقر إلى المسألةِ عنهم، والكشفِ الذي قد لا يظْفَرُ معه بتلك الذَّخيرة.وقد ذكر الشَّمسُ ابنُ صالحٍ(٣)، القائمُ بنشرِ العلم مع الإرشادِ بالخطب والمواعظ وبذْلِ النصائح: التَّقِيَّ محمَّد بنَ أبي بكرِ بنِ عيسى بنِ بدرانَ الإِخنائي(٤) مع عدمِ=قال ابنُ عساكر: بُكير لم يدرك عمرو بن العاص، ورشدين ضعيف، ونُعيم بن حماد مختلف في عدالته وله غرائب. وأخرجه يعقوب الفسوي في "المعرفة والتاريخ" ٢/ ٤١١.(١) تأتي ترجمته في الكتاب.(٢) أيُّوبُ بنُ زيدِ بنِ قيسٍ، المعروف بابن القِرِّية -بكسر القاف وتشديد الراء والياء آخر الحروف- والقرية جدته، كان أعرابيًا أميًا، معدودًا من جملة خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة. قتله الحجاج سنة ٨٤ هـ. "الوافي" ١٠/ ٣٩ - ٤٥.(٣) محمَّدُ بنُ صالحٍ الكنانيُّ، تأتي ترجمته في حرف اليم.(٤) تقيُّ الدِّين محمَّدُ بنُ أبي بكر السَّعديُّ، المِصريُّ، المالكيُّ، المعروف بابن الإخنائي -بالكسر نسبة لإخنى مقصورة، بلدةٍ بقرب الإسكندرية- كان قاضي الدِّيار المصرية، مولده سنة ٦٥٨، ووفاته سنة ٧٥٠ هـ. "الديباج المذهب" ٢/ ٣٢١، و "الدرر الكامنة" ٤/ ٤٠٧.
إقامةِ حديقةٍ -ولو إحياءً- أو بستانٍ، أو أنشأَ بها للمعروف مكانًا.ولم ألتزم في المُعمَّرين فَمَنْ بعدهم، كونَهم سكنوها، فضلًا عن أنهم من أهلها، بل ذكرتُ منهم من لم يَطأْ لحَزْنِها(١) وسهلِها، أو وَطِئَها خَدَمُهُ بزائدِ العزم والهِمَّة، كالجلالِ أبي الفوارسِ شاه شُجاعٍ(٢)، والجوادِ الجَمالِ الأصبهانيِّ(٣)، الرَّبانيُّ بلا نزاع، والسُّلطان السَّعيد النُّورِ الشهيد(٤)، وأضرابِهم ممَّن شُغِفَ بإسداءِ الإحسان إلى قاطني تربتها، وعُرف بإسبالِ ذيلِ الامتنان إلى واطئي رَحْبَتِها(٥)، اقتداءً بالمجدِ(٦) صاحبِ هذه العبارة(٧)، وارتداءً بلباسِ مَنْ شَمِلَه السَّعدُ بما تضمَّنته الإشارة، ورجاءَ أنْ يكونَ كتابي -بذلك- مشتملًا على الخصوص والعموم، وأن يصيرَ كالبدرِ في التَّمام، والبحرِ في الطُّموم(٨).(١) الحَزْنُ: ما غَلُظَ من الأرض. "القاموس": حَزَنَ.(٢) شاه شجاع بن محمد بن المظفَّر، سلطان بلاد فارس. تأتي ترجمته في حرف الشين.(٣) اسمه: محمَّدُ بن علي بن أبي منصور. تأتي ترجمته في حرف الميم.(٤) السلطان نورُ الدِّين محمودُ بنُ الأتابك، أبو القاسم السلجوقيُّ التركيُّ، الشهيدُ لُقِّبَ بذلك لتعرُّضه للشَّهادة. بنى المدارس والجوامع، وأبطل المكوس، وجاهد وانتزع من الكفَّار نَيِّفا وخمسين مدينة وحِصنا، مولده سنة ٥١١، ووفاته سنة ٥٦٩ هـ. "سير أعلام النبلاء" ٢٠/ ٥٣١، و"البداية والنهاية" ١٢/ ٢٧٧.(٥) رَحَبَةُ المكان بالفتح وتُسكَّن: ساحته. "القاموس": رحب.(٦) مجدُ الدِّين محمَّدُ بنُ يعقوبَ الفَيروزآباديُّ، شيخ اللغة، له "القاموس المحيط" و "المغانم المطابة". مولده سنة ٧٢٩، ووفاته سنة ٨١٧ هـ. "إنباء الغمر" ٣/ ٤٧، و "الضوء اللامع" ١٠/ ٧٩، وترجمته في القسم المفقود من الكتاب.(٧) "المغانم المطابة" ١/ ٦١، ٦٢.(٨) طمَّ الماء طمًّا وطُمُومًا: غمر. "القاموس": طمم.
وكذا تَبِعتُ التقيَّ الفاسيّ، الحافظَ(١) لما غيرُه له ناسي، في ذكرِ جماعةٍ من الأمراء والملوك، ممَّن نصَّ فيهم على إِمْرة الحرمين، ولولم يكن له بواحدٍ منهما سلوك، ولكن بدون استيعابٍ لانتشارهم في الذِّكْرِ والخطاب، والإطابة بهم للكتاب، بل ذكرتُ جمعًا ممن وُصِفَ بمفتي الحرمين، أو قاضيهما أو شيخهما، مع ما يطرق به من الاحتمال، وتجويزِ ارتكابِ المجازِ في مجرَّد الوصف بذلك، لفحول الرِّجال.وكان ممَّا حَدَاني على هذا الجمعِ الذي تَقَرُّ به العينُ، ويُصغي إليه صحيحُ السَّمع: أنني لم أجدْ فيه مُصَنَّفًا يشفي الغليل، وينفي الجهل باتِّضاحِ المقال والتَّعليل، مع مَسيسِ الحاجة إليه، والتَّنفيس به عن المكروب، حيثُ لم يجدْ في ذلك ما يعتمد عليه.هذا؛ وقد أفردوا أهلَ كثيرٍ من البلدان: كبغدادَ والشامِ ومصرَ وأصبهانَ إلى غيرها، ممَّا يطول بذكره هذا البيان، مع كون هذه أحقَّ بالتنويه، وأصدقَ في الوجاهة والتوجيه.نعم اشتملت: "الروضة الفِرْدَوسيَّةُ" المشتملةُ على ما نحن بصدده، وغيرِه من المهمَّات العَلية، لأبي عبدِ اللّهِ الآقشهري(٢) الثقةِ الرَّحال، غيرِ المُزْدَرِي على كثيرٍ من التراجم لأهلها والأعاجمِ، و "تاريخ البدرِ أبي محمدٍ عبدِ اللّه بنِ محمدِ بنِ فَرْحُون"(٣) المُقَدَّم في الفضائل والفنون، على عددٍ كان الفكر بسببهم واجَمًا(٤)، وتعليقِ الشَّمسِ:(١) تقيُّ الدِّين محمَّدُ بنُ أحمد بن عليٍّ الفاسيُّ، تأتي ترجمته في حرف الميم.(٢) محمد بن أحمد بن أمين، تأتي ترجمته في حرف الميم.وكتابه المشار إليه هو: "الرَّوضةُ الفِردَوْسِيَّةُ والحظيرة القدسية" - مخطوط. فيه تعيين مَنْ دُفِن بالبقيع من السابقين الأولين، والشهداء الصالحين.(٣) تأتي ترجمته في حرف العين، وكتابه المقصود هو "نصيحة المشاور وتعزية المجاور".(٤) أي: حزينًا. الوَجِمُ: العَبُوسُ المُطرِق لشَّدة الحزن. "القاموس": وجم.
محمدِ ابن التَّقي صالحٍ، على كثيرٍ ممنْ لم يُفصحْ في أكثرهم بما تَتِمُّ به المصالح.وكذا عقَدَ المجدُ الفيروزآباديُّ اللُّغويُّ، السَّائرُ في الاعتناء باللّغة السَّير القوي، في كتابه: "المغانم المطابة في معالم طابة"(١)، الفائقِ حُسنًا وانتخابًا، لجماعةٍ أدركهم أو أدركهم شيوخه من أهلها بابًا، استمدَّ فيه من ابن فرحون، عبَّر فيها عن مقاصده بلفظٍ بالدُّرِّ مشحون، ولم يستوعبْ ما هنالك، وزادَ هو دونَ عشرةِ أنفس، رَقَمْتُ عليهم زايًا تنبيهًا للسالك، وعلى ما اشتركا فيه كافًا(٢) للعدل في العِزِّ والإنصاف، ومجموعُ ما اشتملتْ عليه هذه التَّصانيف قُلٌّ من كُثْرٍ، مع ارتفاعِ أربابها عن درجة التقصير والنُّكر.وقد طالعتُ من الكتبِ الكبار، والمشيخاتِ والمعاجم الجليلاتِ المقدار، والتَّواريخِ المستقيمةِ عند الاعتبار، ما أرجو سردَ جميعِه بآخره، ليكونَ ذلك من جُملةِ مفاخره، وما تيسَّرَ لي الوقوفُ على كتاب "الإعلام بمن دخلَ المدينةَ مِن الأعلام" للعفيف عبدِ اللّه بنِ محمَّد بنِ أحمدَ بنِ خلفٍ المطَريِّ(٣) لأستفيدَ منه ما لعلَّه يوافق اختياري ونظري، وأتيتُ بما اشتملَ عليه هذا الكتاب، على حروف المعجم تسهيلًا للكشف للاستفادةِ منه والانتخاب، مراعيًا في ذلك التَّرتيب في الآباءِ والأجداد وبقيَّةِ الأنساب، ثمَّ أُرْدِفُ الأسماءَ بالكُنى، وبالأنسابِ ونحوِها مما يقرِّب المراجعة لمَنِ به اعتنى(٤)، ثمَّ بالنِّسا اقتداءً بمَن اقتفى الأئمةَ وائتسى.(١) وهو من مطبوعات مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة (١ - ٤).(٢) هذان الرَّمزان غير ظاهرين في الأصل؛ لذا أهملناهما.(٣) عفيفُ الدِّين المطري. تأتي ترجمته في حرف العين، وكتابه المذكور لم أقف عليه.(٤) القسم الذي فيه الكُنى والأنساب والنِّساء مفقود.
كلُّ هذا بعدَ الابتداء بسيرةٍ نبويَّةٍ مُختصرة، نافعةٍ مُفيدةٍ مُعتبرة، إذ الشَّرفُ للمذكورين، بل ولجميعِ المتقدِّمين والمتأخِّرين سِيَّما المؤلفِ المسكين، المُزلْزَلِ في التمكين، إنما هو بالإضافة لجَنابه الرفيع، والتَّطفُّل بالتَّحرُّز في حَرَمِه المنيع، حقَّقَ اللّه له ولهم ذلك، ووفَّق لما مشى فيه من هذه المسالك.ثمَّ أُردِفُها بإشارةٍ مختصرةٍ جدًّا تشتمل على ما اشتمل عليه المسجد الشّريف الفائق في الفخر إحصاءا وعددًا من الحُجرةِ والرَّوضة الشريفتين، والكِسْوة والسَّواري المعتمدتين، والأبوابِ والمنائر ونحوها، مما تيسَّرت الإحاطةُ به سماعًا ومشاهدةً، أو بهما، لدفع المشتبه، والتَّعرُّض لذرعه، وما زِيدَ مِنْ أروقته ووُسْعه، إلى غيرها من أحكام حَرَمه، وتعظيمِ جهاته، والتحذير من عدمه، وأماكنَ ممَّا يُزار من المساجد والآبار، وغير ذلك ممَّا وقع عليه الاختيار. سِيَّمَا مَنْ عُرِفَ من أهل البقيع، وما اتَّفق من الحوادث الصَّادرة من ذوي الجهالة والتَّبديع. وما بجوانبهِ من المدارس، والرُّبُط، والمَطَاهر، وأماكنِ المرضى التي للذُّنوب تحطّ(١)، ومَنْ باشره من الأئمة، والخطباءِ، والقُضاة، والنُّظَّار، والمحتسبين، والرُّؤساء بدون اشتباهٍ، والفرَّاشين، والخُدَّام، وما يفوق الوصف ممَّا يُرجى الانتفاعُ به لمَن دام، ممَّا تتشوَّفُ(١) زيارةُ الأماكن ممَّا ذكره المصنِّف رحمه اللّه تعالى إن كان للعِظة والاعتبار فلا بأس به، وإن كان لحطِّ الذُّنوب وللتبرُّك فهذا ممَّا لم يرد به الخبر والأثر، بل الوارد عن السَّلف خلافه؛ كما ورد عن عمر رضي الله عنه زجره لمن تتبَّع الصَّلاة في أماكن مرَّ بها". أمَّا الأماكن المنصوص عليها كالصَّلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم وفي مسجد قباء فنَيلُ البركة من اللّه يكون بالصَّلاة فيها اقتداءً بقوله وفعله صلى الله عليه وسلم. انظر: "الجواب الباهر" ص: ١٨، ١٩، ٢٣، و "التبرك المشروع والتبرك الممنوع" ص: ٣٩ - ٤٢.
النَّفسُ إليه، حسبما تقف عليه. مُستمِدًّا في الكبير(١) خاصةً من أبي عُذرَتِه(٢)، ورَبيِّ بَجدته(٣)، وأسدِ نَجْدته(٤)، الباحثِ عن جُمَله وتفصيله، والباعثِ لنفسه الزَّكيةِ في تحقيقِه وتحصيله، بحيثُ قَصُرَت الهِممُ عن اللَّحاقِ به، واستبصَرتْ فعلمتْ عجزَها عن أسبابِه وسَبَبه، مع التَّحقيقِ، والفحصِ والتَّدقيق، والجمعِ بين المختلف بالتَّوفيق، والتَّوهين والتَّعيين، بالتّمريض والتَّبيين، وكنتُ أوَّلَ مَنْ نوَّه بمصنِّفِه في ذلك، وقرَّضَه(٥) بما لا يَشتبهُ للسَّالك، وكيف لا وهو عالِمُ المدينة حِسًّا ومعنى، والقائمُ بالإرشادِ للعلومِ النَّقليةِ والعقليةِ بالحسنى، بل هو أعلمُ مَنْ علمتُه الآن من الآل، الجديرُ بإحياءِ معاهدِ جَدِّه سيِّدِ الخلائقِ ممَّن مضى وآل، ولذا حدَّد مكتومَها، وجدَّد رسومَها، وأراحَ مَنْ بعده واستراح من لم يجتهد جهده. وهو: صاحبُنا وحبيبُنا السَّيِّدُ العلّاَمة نورُ الدِّين الحسنيُّ السَّمهوديُّ ثمَّ المدنيُّ الشَّافعيُّ(٦) باركَ اللّهُ في حياتِه، وتداركَ باللُّطف سائرَ مُهمَّاتِه.(١) "التاريخ الكبير"، أو: "التاريخ المحيط"، للمؤلف، وهو كبيرٌ، رتَّبه على حروف المعجم، وقد أخذه من "تاريخ الإسلام" للذهبي، وزاد عليه خلقًا أغفلهم أو تجدَّدوا بعده. انظر: "الضوء اللامع" ٨/ ١٧، و "الإعلان بالتوبيخ" ٢٢١.(٢) العُذرَة: ما للجارية البِكر قبل أن تُفتضَّ، ويقال: فلان أبو عُذرةِ فلانة إذا كان هو الذي افترعها، والمعنى: السابق إليه. "مجمل اللغة" ٣/ ٦٥٥.(٣) يقالُ: فلانٌ ابنُ بَجدة هذا الأمر أي: عالمٌ به، متقِنٌ له، ومعنى العبارة التي بين أيدينا أي: تربَّى على العلم وأتقنه. "المحكم" ٣/ ٢٧٤، و "القاموس": بَجَدَ.(٤) النَّجدة: الشَّجاعة، والشِّدَّة، والقتال، والمعنى هو: كالأسد في الشَّجاعة والشدة. "القاموس": نجد.(٥) يقال: قرَّضهُ وقرَّظَه، والتَّقريظ: مدحُ الإنسان وهو حي بحقٍّ أو باطلٍ. "القاموس": قرظ، قرض.(٦) عليُّ بنُ عبدِ اللّهِ بنِ أحمدَ، السَّمهوديُّ تأتي ترجمته في حرف العين.
وكان الشُّروعُ في تبييضه، والرُّجوعُ لتهذيبه وتنهيضه، حين كوني بطيبةَ الشَّريفة، وقُرَّةُ عيني بلَحْظِ تلك العَرَصَات(١) المُنيفة.وكتبَ إليَّ العزُّ ابنُ فهدٍ(٢) يُحرِّضُ عليه، ويُمَرِّضُ مَنْ لم يلتفتْ إليه، بل نظمَ الفاضلُ اللُّواتي(٣)، والحبيبُ المواتي، قصيدةً في التَّنويهِ به، والتَّوجُّهِ لسببِه، نفعَ اللّه بهما، ودفع كلَّ مكروهٍ عنهما، وجعل هذا التَّأليفَ خالصًا لوجهِه الكريم، مُوجبًا لفضلِه العميم، وصلَّى اللّه على سيِّدِنا محمَّدٍ وسلَّمَ وشرَّفَ وكَرَّم، وسمَّيْتُه:التُّحفةَ اللَّطيفةَ في تاريخ المدينةِ الشّريفةِوهذا حينُ الشُّروع، فيما قدَّمتُه على هذا المجموع، مِن نبذةٍ يَحسنُ إيرادُها، ويتعيَّنُ إفرادَها، بل تعلمُّهَا أمرٌ مفترض، وتَفهُّمُها لا يُهمله إلا مَنْ في قلبِه مرَض. في ذكرِ سيِّدِ البَشَر، وسيِّدِ الخلقِ ممَّنْ مضى وغَبر، الأكملِ خَلْقًا وخُلقَا، والأفضلِ في الرُّقيِّ والارتقاء، صاحبِ المقامِ المحمود(٤)، واللِّواءِ المعقود(٥)، والحوضِ والكوثرِ(١) العَرَصَات جمع عَرْصَة، بوزن ضَرْبة: كلُّ بُقعةٍ بين الدُّور واسعةٍ، ليس فيها بناء. "مختار الصحاح" ص: ٤٢٤.(٢) هو عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ بنِ محمَّدٍ المكيُّ، المعروفُ بابن فهدٍ، محدِّث مشاركٌ في العلوم، له "بلوغ القِرى لذيل إتحاف الورى"، و "معجم الشيوخ"، مولده سنة ٨٥٠، ووفاته سنة ٩٢٠". "الضوء اللامع "٤/ ٢٢٤، و "الكواكب السائرة" ١/ ٢٣٨.(٣) محمَّدُ بنُ عليِّ بنِ أحمد، أبو عبد اللّه الأنصاريُّ، التُّونسيُّ اللواتيُّ. ترجم له المصنِّف له في حرف الميم.(٤) عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إنَّ النَّاس يصيرون يوم القيامة جُثًا كلُّ أُمَّةٍ تتبعُ نَبيَّها، يقولون: يا فلانُ، اشفع يا فلان، اشفع، حتى تنتهيَ الشَّفاعة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه اللّه المقام المحمود. أخرجه البخاريُّ في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} ". (٤٧١٨).(٥) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سَيِّدُ ولدِ آدَمَ يومِ القيامَةِ ولا فخر، وبيدي لواءُ الحمد ولا فخر .. "، أخرجه الترمذيُّ في كتاب المناقب، باب: في فضل النبي صلى الله عليه وسلم (٣٦١٥)، وقال: حسن صحيح.
المورود(١)، والمعجزاتِ الباهرات، والتَّميزاتِ بالخصائصِ المتكاثرات، من الشَّفاعةِ العامَّة(٢)، والجماعةِ القائمة، إلى قيامِ السَّاعة، بالحُجَّةِ التَّامَّة(٣)، وانشقاق القَمر(٤)، ونبعِ الماءِ ما بين أصابعِه ممَّا تواتر واشتهر(٥)، والبركةِ في الشَّراب والطَّعام(٦)، وتكليمِ(١) وهو الذي امتنَّ به ربُّه عليه في قوله سبحانه: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} سورة الكوثر، وهو حوضُه صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: "أتدرون ما الكوثر؟ " فقلنا: اللّه ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهرٌ وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثيرٌ، وهو حوضٌ ترِدُ عليه أمَّتي يوم القيامة". أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب: حجَّة مَن قال: البسملةُ آية من كلِّ سورة ١/ ٣٠٠ (٥٣).(٢) كما في حديث جابر رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أُعطيتُ خمسًا"، وذكر منهن: "وأُعطيتُ الشفاعة". أخرجه البخاريُّ في كتاب الصلاة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٤٣٨).(٣) عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزالُ من أمَّتي أمةٌ قائمةٌ بأمر اللّه لا يضرُّهم مَن خذلهم، ولا مَن خالفهم حتى يأتيهم أمر اللّه وهم على ذلك". أخرجه البخاريُّ في كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم آية (٣٦٤٦)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة" ٣/ ١٥٢٤ (١٧٤).(٤) قال سبحانه: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} سورة القمر: ١، وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: "إنَّ أهلَ مكَّةَ سألوا رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم أن يُريَهم آية؟ فأراهم انشقاق القمر". أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم آية، (٣٦٣٨)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين، باب: انشقاق القمر ٤/ ٢١٥٩ (٤٦).(٥) عن أنس رضي الله عنه قال: رأيتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر … الحديثَ، وفيه: "فرأيتُ الماءَ ينبعُ من تحت أصابعه … ".أخرجه البخاريُّ في كتاب الوضوء، باب التماس الوضوء (١٦٩).(٦) حديث جابر رضي الله عنه: في غزوة الخندق، وبصقه صلى الله عليه وسلم على العجين حتى أكل منه الجيش.أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب: جواز استتباعه غيرَه إلى دار مَن يثق به برضاه ٣/ ١٦١٠ (١٤١).
الذِّراعِ المسمومِ له من بعضِ اللِّئام(١)، وإحياءِ الموتى(٢)، وإسماعِ الصمِّ(٣)، والاطِّلاع على الغيب فيما يخصُّ ويَعُمُّ(٤)، وإعلامِه بمصارعِ صناديدِ قريش، ببدرٍ(٥) الذي كان فيه الهَنَا للمسلمين وطِيبُ العيش، وردِّه عينَ قتادةَ وقد سقطتْ(٦)، ورؤيته المشارقَ والمغاربَ لمَّا زُويت الأرضُ التي هبَطت(٧)، وإخباره بأنَّ مُلكَ أمَّتِه سيبلغ ما زُويَ منها، فكان كما أخبرَ ول عنها، الرَّحمةُ الشَّاملة، والنِّعمةُ الكاملة، خاتمُ الأنبياء والمرسلين، والسَّابقُ في خلقِ الأصفياءِ أجمعين. المصطفى بالمحبَّةِ والخُلَّةِ، والقُربِ والدُّنوِّ الذي رقَّاه به المولى وفضَّله، والمعراج، وصلاته بالأنبياءِ التَّامِّ به لهم(١) حديث جابر رضي الله عنه: "أنَّ يهوديةً من أهل خيبر سَمَّت شاة مصلية .. " الحديثَ، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: "أخبرتني هذه في يدي، للذِّراع … " أخرجه أبو داود في كتاب الديات، باب: فيمن سقى رجلًا سمًّا (٤٥٠٨)، وأصله مخرَّج في صحيح البخاري في كتاب المغازي، باب الشَّاة التي لسُمّت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر (٤٢٤٩) من حديث أبي هريرة به نحوه.(٢) كإحياء اللّه تعالى له صلى الله عليه وسلم قتلى بدر من المشركين في القَليب، كما في حديث أنس رضي الله عنه في، وفي آخره: "أحياهم اللّه حتى أسمعهم قوله توبيخًا … ".أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل (٣٩٧٦).(٣) لم أقف على حديث في ذلك!(٤) سيأتي حديث في ذلك ضمن روايات الإسراء والمعراج.(٥) من حديث أنس رضي الله عنه وفيه: "أنَّ عمر قال: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يُرينا مصارعَ أهلِ بدرٍ بالأمس .. " الحديث. أخرجه مسلم في كتاب الجنة، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ٤/ ٢٢٠٣ (٧٦).(٦) حسن. أخرجه أبو يعلى ٣/ ١٢٠، وأبو عوانة ٤/ ٣٥٢، والطبراني في "الكبير" ١٩/ ٨ من حديث قتادة بن النعمان رضي الله عنه.(٧) عن ثوبان قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللّه زوى لي الأرض … " الحديثَ. أخرجه مسلم في كتاب الفتن، باب: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ٤/ ٢٢١٥ (١٩).
الابتهاج، والبشارةُ والنِّذارة، والهداية ومزيد الوقاية، ومغفرةُ ما تقدَّم له وتأخَّر، والقسَمُ باسمهِ الأزهر، وإجابةُ دعوته(١)، ولواءُ الحمد، وصلاةُ اللّه وملائكته المرتقى بهما لنهاية السَّعد(٢). صلى اللّه عليه وعلى آله أجمعين صلاةً وسلامًا إلى يوم الدِّين.مناقبُه ومحاسنُه ملأتِ الوجودَ شُهرة، فلو اجتمعَ الخلقُ على إحصائها كان وصفُهم مِن بحرِها قطرة.فهو محمَّدٌ وأحمدُ(٣) بنُ عبدِ اللّه بنِ عبد المُطَّلبِ(٤) بنِ هاشمِ(٥) بنِ عبد مَنافٍ(٦) بنِ قُصيِّ(٧) بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعَبِ بنِ لُؤيِّ بنِ غالبِ بنِ فِهرِ(٨) بنِ مالكِ بنِ النَّضرِ بنِ(١) ما أكثر ما ورد في السُّنة من إجابة اللّه لأدعية نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وذلك من إكرام اللّه له، ومن ذلك دعاؤه صلى الله عليه وسلم لابن عبَّاس رضي الله عنه أن يفقِّهه اللّه في الدِّين. أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء (١٤٣).(٢) كما قال الله تبارك وتعالى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ … } سورة الفتح: ٢.(٣) ورد اسم (أحمد) في كتاب اللّه وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي القرآن في قوله تبارك وتعالى في بشارة عيسى عليه السلام به صلى الله عليه وسلم {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} سورة الصف ٦وفي حديث جبير بن مُطعم صلى الله عليه وسلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا محمد وأنا أحمد" … الحديثَ. أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم -٤/ ١٨٢٨ (١٢٤).(٤) واسم عبد المطلب: شيبة. "سيرة ابن إسحاق" ص: ١، "وسيرة ابن هشام" ١/ ٣، و "الطبقات الكبرى" ١/ ٥٥ زاد ابن سعد: شيبة الحمد.(٥) واسم هاشم: عمرو. "سيرة ابن إسحاق" ص: ١، "وسيرة ابن هشام" ١/ ٣.(٦) واسم عبد مَناف: المغيرة. المصدران السابقان ص: ١، ١/ ٣.(٧) واسم قُصي: زيد. "الطبقات الكبرى" (١/ ٥٥).(٨) قال ابنُ سعدٍ: وإلى فِهرٍ جماعُ قريش، وما كان فوقَ فِهرٍ فليس يقال له: قرشي، يقال له: كناني. "الطبقات الكبرى" ١/ ٥٥.
كِنانةَ بنِ خُزيمةَ بنِ مُدركةَ(١) بنِ إلياسَ بنِ مُضرَ بنِ نزارِ بنِ مَعدِّ بنِ عدنان. هذا هو النَّسبُ المتَّفقُ عليه(٢)، ومن هنا اختلف النَّسَّابون بما لا نُضيفه إليه، أبو القاسم(٣)، وأبو إبراهيم(٤)، وأبو الأرامل(٥)، ابنُ الذَّبيح، ابنِ شيبةِ الحمدِ القرشيُّ الهاشميُّ، المُطَّلبيُّ، المكِّيُّ ثمَّ المدَنيُّ. حملتْ به أمُّه أجملُ نساءِ زمانِها وأكمل، ومَنْ أبوها مِن أشرفِ قريشٍ فيما عليه اشتمل: آمنةُ ابنةُ وهبِ بنِ عبدِ منافِ(٦) بنِ زُهرَة بنِ كِلابٍ، المُجتمِعِ فيه نسب أبويه(٧)، والمرتفعِ كلٌّ منهم بالإضافةِ إليه، بشِعْب أبي طالب من مكَّة، وبقي في بطنِها تسعةَ أشهر، ماتَ أبوه في أثنائِها بالمدينةِ عند أخوالِ أبيه بني عديِّ ابن النَّجَّارِ عن خمسٍ وعشرين، أو ثلاثين سنة(٨)، وضعَتْه وهو البِكرُ لكلٍّ منهما في يوم الاثنين عند(١) واسم مُدرِكة: عامرٌ أو عمرو. "سيرة ابن إسحاق" ص: ١، "وسيرة ابن هشام" ١/ ٤.(٢) وقال ابن فارس: إلى هنا إجماع الأمة. "أوجز السير" ص: ١٤٦.(٣) ورد التَّصريح بكنية أبي القاسم في حديث جابر بن عبد اللّه قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لا تُسمُّوا باسمي، ولا تكنوا بكُنيتي، فإني أنا أبو القاسم أقسمُ بينكم". أخرجه مسلم في كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم ٣/ ١٦٨٣ (٥).(٤) إبراهيم ابن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من مارية. روي عن أنس رضي الله عنه أنَّ جبريل أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: "السَّلامُ عليكَ أبا إبراهيمَ". أخرجه البيهقي في "الدلائل" ١/ ١٦٣، وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف.(٥) ذكره ابن دحية، وقال: ذكره صاحب "الذخائر والأعلاق". "سبل الهدى" ١/ ٦٦٥.(٦) عبدُ مَناف اسمه: المغيرة بن قصي. "سيرة ابن إسحاق" ص: ١، و "طبقات ابن سعد" ١/ ٥٥.(٧) أي: كِلاب بن مُرَّة، ففي كِلابٍ يجتمع معه صلى الله عليه وسلم بنو زُهرة، وأمُّه آمنةُ بنتُ وهبٍ منهم. "طبقات ابن سعد" ١/ ٥٩، و "أوجز السير" ص: ١٤٦، "وجوامع السيرة" ص: ٣.(٨) موت أبيه صلى الله عليه وسلم وهو حملٌ أخرجه الحاكم ٢/ ٦٠٥ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذَّهبيُّ، لكن الإسناد فيه ضعفٌ؛ ففيه صدقة بن سابق، انفرد ابنُ حِبَّان بتوثيقه في "كتاب الثقات" ٨/ ٣٢٠.