الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز (المؤيد العلوي) القسم: البلاغةاسم الكتاب: الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز المؤلف: يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم، الحسيني العلويّ الطالبي الملقب بالمؤيد باللَّه (ت ٧٤٥هـ) الناشر: المكتبة العنصرية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـعدد الأجزاء:٣[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الجزء الاول بسم الله الرحمن الرحيممقدمة المحققالحمد لله الذى أنزل القرآن، وكرّم بنى آدم بعلم البيان، والصلاة والسلام على خير بنى عدنان، أفضل الخلق بالحقيقة لا المجاز، وأعلمهم بأسرار الكتابة وحقيقة الإعجاز.وبعد؛ فإن كتاب الطراز، ليحيى بن حمزة العلوى اليمنى «١» المتوفى سنة ٧٠٥ هـ يعد من الكتب البلاغية التى حاول أصحابها الخروج على طريقة السكاكى، تلك الطريقة المنطقية العقلية الجافة، بما تشتمل عليه من المبالغة فى التقسيم والتقعيد والتعقيد كذلك، كما يغلب عليها الإيجاز والاختصار الشديد المخل بحق البلاغة، مع ندرة الشواهد والتحليلات البلاغية.وقد حاول يحيى العلوى تقليد ابن الأثير فى طريقته الأدبية التحليلية فى تناول علوم البلاغة، هربا من جفاف التناول المنطقى عند السكاكى ومن لفّ لفّه.ونستطيع أن نقول: إن العلوى قد نجح فى سلوك الطريقة الأدبية إلى حد كبير؛ وذلك واضح في كثرة شواهده، بل اختلاف تلك الشواهد فى كثير من الأحيان عن الشواهد المكرورة عند السكاكى وأتباعه، وإن كان فى بعض الأحيان وخاصة فى فنون البديع لا يكاد يعدو تلك الشواهد التى درج السكاكى وأتباعه على الاستشهاد بها. وتتميز طريقته كذلك بكثرة التحليلات الأدبية، وقد أولى القرآن عناية خاصة، ولا عجب فى ذلك فقد نذر نفسه لبيان أسرار إعجازه كما هو واضح من عنوان كتابه، «الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» .ولكننا لن نبالغ فى الثناء على العلوى لنرتقى به إلى رتبة عبد القاهر الذى نوّه العلوى بذكره فى مقدمته، ولكنه قرر أنه لم يطلع على كتابيه (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) ،
وأنه لم ير منهما إلا شذرات فى تعليقات العلماء تنبى عما وراءها من روعة وإبداع.بل إننا نقرر أنه لا يرقى كذلك إلى براعة ابن الأثير، ودقة نظراته وتحليلاته الرائعة.ولكن لا يعدم القارىء لهذا الكتاب أن يجد محاولات جادة للعلوى فى الخروج على ربقة السكاكى ومدرسته، ويتضح ذلك من محاولاته المتكررة لمناقشة السّكاكى والرد عليه فى مواضع عديدة.ومع ذلك فقد قرأ العلوى مفتاح العلوم للسكاكى وتأثر به كذلك، وهو وإن حاول الخروج على طريقة المدرسة السكاكية بطريقته الأدبية فى التناول والتحليل؛ فإنه لم يستطع التخلص كذلك من طريقة تلك المدرسة فى كثرة التقسيمات والتفريعات فهو يقلد فى ذلك السكاكى والرازى حيث يبنى كتابه على مقدمات ومقاصد ومكملات … إلخ.غير أننا نقول إنه يبقى لذلك الكتاب أسلوبه الأدبى، وتحليله الرائع، وكثرة شواهده، وتنوعها واختلافها عن المكرر المردود فى كتب البلاغة على كثرتها.هذا، ولم نأل جهدا فى ضبط متن هذا الكتاب، وتخريج ما تيسر لنا من شواهده ونصوصه، وإخراجه إخراجا جيدا أنيقا يليق بقيمته العلمية.والله نسأل أن ينفع به فى معرفة أسرار بلاغة كتابه، وعلوم إعجازه، وأن يجزل المثوبة لنا ولكل من ساعد فى إخراجه؛ إنه سبحانه نعم المولى، ونعم النصير.كتبه عبد الحميد بن أحمد الهنداوى غفر الله له ولوالديه وللمسلمين الجيزة فى ١٥/٦/١٤٢١ هـ ١٥/٨/٢٠٠٠ م
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذى أنطق لسان الإنسان، فأفصح بعجيب البلاغة وسحر البيان. وأوضح منار البرهان. فأشرقت أنواره عن حقائق العرفان. وفتق أغشية الأفئدة بما ألهمها من أسرار العلوم وشرفها بمنطق اللسان. فهى تهتز بما أفيض عليها من عوارف الإحسان.وتميس وتختال لما خولها من فواضل الجود والكرم والامتنان صنوان وغير صنوان. خلق الإنسان من الطين اللازب الصلصال. وأجرى لسانه بالفصاحة وسقاه من نميرها العذب السلسال. فسبحان القيوم المختص بصفات الكبرياء ونعوت الجلال. المنفرد بالألوهية، والباقى وجهه من غير فناء ولا زوال.والصلاة على من تبوأ من الفصاحة ذروتها، واقتعد من البلاغة مكان صهوتها. حتى ظهرت من جبهته أسرار طلعتها. وتبلجت من بهجته أنوار زهرتها. ووضح نهارها.وطلعت شموسها وأقمارها. وصفت مشارعها للورّاد، وراقت مشاربها لمن قصد وأراد.ودل على مصداق هذه المقالة قوله «أنا أفصح من نطق بالضاد» فعند ذاك أفصح أبيّها وأنقاد. وسهل مراسها على الفرسان والنقاد، المصطفى من أطيب العناصر، والحائز لقصب السبق من المعالى وأشرف المفاخر، محمد الأمين على الأنباء الغيبية، ومستودع الأسرار الحكمية والحكمية، وعلى آله الطيبين أطواد العلم الراسخة، ومثاقيل الحكم الراجحة، صلاة تقيم، ولا تريم، إنه منعم كريم.أما بعد فإن العلوم الأدبية، وإن عظم فى الشرف شأنها، وعلا على أوج الشمس قدرها ومكانها، خلا أن علم البيان هو أمير جنودها، وواسطة عقودها، فلكها المحيط الدائر، وقمرها السامر الزاهر، وهو أبو عذرتها، وإنسان مقلتها، وشعلة مصباحها، وياقوتة وشاحها. ولولاه لم تر لسانا يحوك الوشى من حلل الكلام. وينفث السحر مفتر الأكمام. وكيف لا وهو المطلع على أسرار الإعجاز، والمستولى على حقائق علم المجاز.فهو من العلوم بمنزلة الإنسان من السواد، والميهمن عليها عند السبر والحك والانتقاد ولما
فيه من الغموض ودقة الرموز، واحتوائه على الأسرار والكنوز، استولت عليه يد النسيان والذهول، وآلت نجومه وشموسه إلى الانكساف والأفول، ولم يختص بإحرازه من العلماء إلّا واحد بعد واحد، وطالما قيل «إذا عظم المطلوب قل المساعد» ، وما ذاك إلا لقصور الهمم عن بلوغ غاياته، وعجزها عن إدراكه والوصول إلى نهاياته.ثم إن المقصود بهذا الإملاء هو الإشارة إلى معاقد هذا العلم ومناظمه. والتنبيه على مقاصده وتراجمه. وقد كثر فيه خوض علماء الأدب. وأتى فيه كل بمبلغ جده وجهده.ومنتهى علمه ومقدار وجده. حرصا منهم على بيانه. وشغفا منهم بضبطه وإتقانه. وأتوا فيه بالغث والسمين. والنازل والثمين. وهم فيما أتوا به من ذلك فريقان. فمنهم من بسط كلامه فيه نهاية البسط، وخلط فيه ما ليس منه فكان آفته الإملال. ومنهم من أوجز فيه غاية الإيجاز، وحذف منه بعض مقاصده فكان آفته الإخلال. لم أطالع من الدواوين المؤلفة فيه مع قلتها ونزورها إلا أكتبة أربعة، أولها: كتاب المثل السائر للشيخ أبى الفتح نصر بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير. وثانيها: كتاب التبيان للشيخ عبد الكريم وثالثها: كتاب النهاية لابن الخطيب الرازى. ورابعها: كتاب المصباح لابن سراج المالكى.وأول من أسس من هذا العلم قواعده. وأوضح براهينه وأظهر فوائده. ورتب أفانينه.الشيخ العالم النحرير علم المحققين عبد القاهر الجرجانى. فلقد فك قيد الغرائب بالتقييد.وهد من سور المشكلات بالتسوير المشيد. وفتح أزهاره من أكمامها. وفتق أزراره بعد استغلاقها واستبهامها. فجزاه الله عن الإسلام أفضل الجزاء. وجعل نصيبه من ثوابه أوفر النصيب والإجزاء. وله من المصنفات فيه كتابان، أحدهما لقبه «بدلائل الإعجاز» والآخر لقبه «بأسرار البلاغة» . ولم أقف على شىء منهما مع شغفى بحبهما، وشدة إعجابى بهما، إلا ما نقله العلماء فى تعليقهم منهما. ولست بناقص لأحد فضلا. ولا عائب له قولا.فأكون كما قال بعضهم.بنقصك أهل الفضل بان لنا … أنك منقوص ومفضول
ولا أدّعى لنفسى إحراز الفضل والاستبداد بالخصل فأكون كما قال بعضهم:ويسىء بالإحسان ظنّا لا كمن … هو بابنه وبشعره مفتونولا أسلّم نفسى عن خطإ وزلل. ولا أعصم قولى عن وهم وخطل «فالفاضل من تعدّ سقطاته. وتحصى غلطاته» إلا بتوفيق الله وعصمته. والسالم من ذلك كتاب الله المجيد الذى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)[فصلت: ٤٢] .ثم إن الباعث على تأليف هذا الكتاب هو أن جماعة من الإخوان شرعوا علىّ فى قراءة كتاب «الكشاف» تفسير الشيخ العالم المحقق أستاذ المفسرين محمود «بن عمر الزمخشرى» فإنه أسّسه على قواعد هذا العلم، فاتضح عند ذلك وجه الإعجاز من التنزيل. وعرف من أجله وجه التفرقة بين المستقيم والمعوجّ من التأويل. وتحققوا أنه لا سبيل إلى الاطلاع على حقائق إعجاز القرآن إلا بإدراكه. والوقوف على أسراره وأغواره. ومن أجل هذا الوجه كان متميزا عن سائر التفاسير، لأنى لم أعلم تفسيرا مؤسسا على علمى المعانى والبيان سواه. فسألنى بعضهم أن أملى فيه كتابا يشتمل على التهذيب والتحقيق، فالتهذيب يرجع إلى اللفظ، والتحقيق يرجع إلى المعانى. إذ كان لا مندوحة لأحدهما عن الثانى.وأرجو أن يكون كتابى هذا متميزا عن سائر الكتب المصنفة فى هذا العلم بأمرين أحدهما اختصاصه بالترتيب العجيب، والتلفيق الأنيق، الذى يطلع الناظر من أول وهلة على مقاصد العلم، ويفيده الاحتواء على أسراره. وثانيهما اشتماله على التسهيل والتيسير، والإيضاح والتقريب. لأن مباحث هذا العلم فى غاية الدقة، وأسراره فى نهاية الغموض.فهو أحوج العلوم إلى الإيضاح والبيان، وأولاها بالفحص والإتقان فلما صغته على هذا المصاغ الفائق، وسبكته على هذا القالب الرائق، سميته بكتاب الطّراز. المتضمّن لأسرار البلاغة، وعلوم حقائق الإعجاز؛ ليكون اسمه موافقا لمسمّاه ولفظه مطابقا لمعناه.ولما كان كل علم لا ينفكّ عن مبادىء ومقدمات تكون فاتحة لأمره.، ومقاصد تكون خلاصة لسرّه، وتكملات تكون نهاية لحاله، لا جرم اخترت فى ترتيب هذا الكتاب أن يكون مرتبا على فنون ثلاثة، ولعلّها تكون وافية بالمطلوب محصّلة للبغية بعون الله.فالفن الأول منها مرسوم المقدمات السابقة نذكر فيها تفسير علم البيان، ونشير فيها إلى
بيان ماهيته وموضوعه ومنزلته من العلوم الأدبية، والطريق إلى الوصول إليه وبيان ثمرته وما يتعلق بذلك، من بيان ماهية البلاغة والفصاحة والتفرقة بينهما. ونشير إلى معانى الحقيقة والمجاز وبيان أقسامهما، إلى غير ذلك مما يكون تمهيدا وقاعدة لما نريده من المقاصد.الفن الثانى منها مرسوم المقاصد اللائقة. نذكر منه ونشير فيه إلى ما يتعلق بالمباحث المتعلقة بالمعانى وعلومها. ونردفه بالمباحث المتعلقة بعلوم البيان وأقسامها. ونشرح فيه ما يتعلق به من المباحث بعلم البديع ونذكر فيه خصائصه وأقسامه وأحكامه اللائقة به بمعونة الله تعالى ولطفه.الفن الثالث نذكر فيه ما يكون جاريا مجرى التتمة والتكملة لهذه العلوم الثلاثة، نذكر فيه فصاحة القرآن العظيم وأنه قد وصل الغاية التى لا غاية فوقها، وأن شيئا من الكلام وإن عظم دخوله فى البلاغة والفصاحة، فإنه لا يدانيه ولا يماثله. ونذكر كونه معجزا للخلق لا يأتى أحد بمثله. ونذكر وجه إعجازه، ونذكر أقاويل العلماء فى ذلك، ونظهر الوجه المختار فيه، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة، والنّكت الغزيرة، التى نلحقها على جهة الرّدف والتكملة لما سبقها من المقاصد.فالفن الثالث للثانى على جهة الإكمال والتتميم. والفن الأول للثانى على جهة التمهيد والتوطئة والسرّ واللباب. والمقصد لذوى الألباب. ما يكون مودعا فى الفن الثانى وهو فن المقاصد. وأنا أسأل الله تعالى بجوده الذى هو غاية مطلب الطّلّاب. وكرمه الواسع الذى لا يحول دونه ستر ولا حجاب أن يجعله من العلوم النافعة فى إصلاح الدّين. ورجحنا فى ميزانى عند خفة الموازين. إنه خير مأمول، وأكرم مسئول.
الفن الأول من علوم الكتاب فى ذكر المقدماتوهى خمسالمقدمة الأولى فى تفسير علم البيان وبيان ماهيتهاعلم أن كثيرا من الجهابذة والنظّار من علماء البيان، وأهل التحقيق فيه، ما عوّلوا على بيان تعريفه بالحدود الحاصرة، والتعريفات اللائقة، ولا أشاروا إلى تصوير حقيقة يعرف بها من بين سائر العلوم الأدبية، والعلوم الدينية، كعلم الفقه، وعلم النحو، وعلم الأصول، وغيرها من سائر العلوم، فإنهم اعتنوا فيها نهاية الاعتناء. وأتوا فيها بماهيّات تضبطها وتفصلها من سائر العلوم. وعلى الجملة فإن ذلك غفلة لأمرين أما أولا فلأن الخوض فى تقاسيمه وخواصّه، وبيان أحكامه، فرع على تصوّر ماهيته؛ لأن من المحال معرفة حكم الشىء قبل فهم حقيقته. وأما ثانيا فلأن الخوض فى أسراره ودقائقه إنما هو خوض فى المركبات، والخوض فى معرفة ماهيته إنما هو خوض فى المفردات. ولا شكّ أنّ معرفة المفرد سابقة على معرفة المركب. ولأجل ما ذكرناه لم يكن بدّ من بيان معقوله، ومعرفة ماهيته. فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر معناه وبيان موضوعه ومنزلته من العلوم الأدبية، وثمرته وكيفية الوصول إليه. فهذه مطالب خمسة.المطلب الأول فى بيان ماهيتهفإنما يتخصص بالإضافة، فيقال فيه علم المعانى، ويقال علم البيان، ويقال له علم المعانى والبيان جميعا، فكلّ هذه الإضافات جارية على ألسنة علمائه فى الاستعمال فى أثناء المحاورة. وعلى الجملة فله مجريان.المجرى الأول منهما: لغوى، فإذا قيل: علم المعانى، فالمعانى جمع معنى كمضارب ومقاتل. والمعنى مفعل واشتقاقه من قولهم عناه أمر كذا إذا أهمه وقيل لما نفهم من الكلام معنى لأنه يعنى القلب ويؤلمه. وهو اسم والمصدر منه عناية، يقال عناه الأمر عناية. وإذا قيل: علم البيان فالبيان اسم للفصاحة. وفى الحديث «إنّ من البيان لسحرا» . والمصدر منه
تبيان بالكسر فى التاء وهو جار على غير قياسه. والقياس فيه فتحها كالتّهذار والتّلعاب والتّرداد. ولم يجىء كسره إلّا فى بنائين: تبيان وتلقاء.قال الله تعالى: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ[النحل: ٨٩] وقال تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ[القصص: ٢٢] فهذا تقرير ما يفيد أنه فى وضع اللغة.المجرى الثانى فى مصطلح النظّار من أرباب هذه الصناعة ولهم فيه تصرّفان،التصرف الأولفيما يفيده كلّ واحد منهما على انفراده من غير انضمامه وتركيبه إلى الآخر فنقول:المفهوم من قولنا علم المعانى أنها المقاصد المفهومة من جهة الألفاظ المركبة لا من جهة إعرابها. وحاصل ما قلناه يرجع إلى البلاغة، لأن المعانى إنما تكون واردة فى الكلم المركبة دون المفردة.فإذا قلنا: علم المعانى فالمقصود علم البلاغة على أساليبها وتقاسيمها. والمفهوم من قولنا علم البيان هو الفصاحة، وهى غير مقصورة على الكلم المفردة دون المركبة.فعلم المعانى وعلم البيان يرجعان فى الحقيقة إلى علم البلاغة والفصاحة. هذا إذا أردنا تعريف كل واحد منهما على انفراده بماهيّة نخصّه على ما قرّرناه. وسيأتى لهذا مزيد تقرير فى مقدّمة على حدتها نذكر فيها ماهية البلاغة والفصاحة، والتفرقة بينهما. فآل الأمر إلى أن علم المعانى هو العلم بأحوال الألفاظ العربية المطابقة لمقتضى الحال من الأمور الإنشائية والأمور الطلبية وغيرهما.وأنّ علم البيان حاصله إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى وضوح الدلالة عليه كالاستعارة والكناية والتشبيه وغيرها.التصرف الثانىإذا أردنا أن نجمعهما فى ماهيّة واحدة وفيه صعوبة لأنهما حقيقتان مختلفتان كما أسلفنا تقريره، فإذا كان الأمر فيهما كما قلناه الاختلاف فى الماهية فالأولى إفراد كلّ واحد منهما بماهية تخصّه كما أوضحناه من قبل؛ لأن الحقائق إذا كانت مختلفة فى ماهيّاتها فإنه يستحيل اندراجها تحت حدّ واحد وماهيّة واحدة؛ لأن فصل إحداهما مفقود فى الأخرى، فلأجل هذا تعذّر إدراجهما فى حدّ واحد، لكنا نشير إلى ما يمكن فى ذلك. وحقّ الفاصل أن يأتى بالممكن فنقول: ما يجمعهما فى ماهية واحدة نذكر منه تعريفات ثلاثة.
التعريف الأول:أن يقال هو العلم بجواهر الكلم المفردة والمركبة ودلائل الألفاظ المركبة لا من جهة وضعها وإعرابها. فقولنا: العلم بجواهر الكلم المفردة والمركبة يشير إلى علم البيان، لأنه هو المراد به كما أشرنا إليه من قبل. وقولنا ودلائل الألفاظ المركبة، نرمز به إلى علم المعانى، لأن المقصود منه هو البلاغة، وهى غير حاصلة إلا من جهة التركيب لا غير، لأن المعانى لا يحصل لها الاتصاف بالبلاغة ولا ترتقى إلى مرتبتها إلا بالإفادة وهى متوقفة على التركيب لا محالة. وقولنا لا من جهة وضعها وإعرابها، فهذا قيد لا بدّ من مراعاته، ليخرج به عن علم اللغة وعلم الإعراب لأن حاصل ما يدل عليه علم اللغة، هو إحراز معانى الألفاظ المفردة، ودلالة علم الإعراب إنما يكون من جهة الإسناد والتركيب. ودلالة الألفاظ على علم البيان الذى هو الفصاحة وعلى علم المعانى الذى هو البلاغة هو أمر وراء ذلك مع كونه متوقفا عليهما وهما أمران يخالفانه فى مقصود الدلالة كما سنوضحه من بعد بمعونة الله تعالى.التعريف الثانىأن يقال فيه هو: العلم بما يعرض للكلم المفردة والمركبة من الفصاحة ويعرض للكلم المركبة من البلاغة على الخصوص. فقولنا ما يعرض للكلم المفردة والمركبة من الفصاحة، نشير به إلى علم البيان، وقولنا وما يعرض للكلم المركبة من البلاغة، نرمز به إلى علم المعانى لأنهما هما المرادان بما ذكرناه. وقولنا على الخصوص نحترز به عما تدلّ عليه الألفاظ المفردة والمركبة لا من جهة هاتين الدلالتين فإنه ليس مقصودا من علم البيان كما أسلفنا تقريره فى الحد الأول.التعريف الثالثأن يقال فيه هو العلم الذى يمكن معه الوقوف على معرفة أحوال الإعجاز، لأن الإجماع منعقد من جهة أهل التحقيق على أنه لا سبيل إلى الاطّلاع على معرفة حقائق الإعجاز وتقرير قواعده من الفصاحة والبلاغة إلا بإدراك هذا العلم وإحكام أساسه، فظهر بما قررناه فهم ماهيّته، وأن كل واحد من هذه التعريفات مرشد إلى تعريف حقيقته ومميّز له عن غيره من سائر العلوم.خيال وتنبيهفإن قال قائل: إن ما ذكرتموه من هذه التعريفات مختلفة فى أنفسها لأن كل واحد منها يفيد فائدة مخالفة لما يفيده الآخر، فلهذا حكمنا بكونها مختلفة. ومهما كانت التعريفات مختلفة كانت الحقائق فى ذواتها مختلفة، فكيف جعلتموها دالّة على حقيقة واحدة؟
وجوابه هو: أنها مع اختلافها وتباين أحوالها لا يمتنع كونها دالّة على حقيقة واحدة، وهذا غير ممتنع، فإن الأشياء المتغايرة قد تكون دالّة على معنى واحد كالألفاظ المترادفة، ويؤيد ما ذكرناه هو أن التعريفات التصوّرية طريق إلى فهم الحقائق التصورية. كما كانت البراهين التصديقية طريقا إلى معرفة المدلولات، فإذا جاز اجتماع البراهين على مدلول واحد جاز اجتماع التعريفات على ماهية واحدة فاختلاف كل واحد من النوعين لا يمنع من اتحاد المقصود.المطلب الثانى فى بيان موضوع علم البياناعلم أن لكل علم من العلوم موضوعا يكون له كالأساس فى البناء. وبه تظهر حقيقته. ومنه يتقدّر قوام صورته. وعلى هذا يكون موضوع علم الطبّ بدن الإنسان.ولهذا فإن الطبيب يسأل عنه ليدرى بحاله فى صحته وفساده. وموضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين، فالفقيه يسأل عن حالها فيما يعرض لها من الحسن والقبح والوجوب والندب والكراهة والإباحة. وموضوع أصول الفقه هو النظر فى أدلة الخطاب من الكتاب والسنة. وما يكون مقرّرا عليها من الإجماعات والأقيسة والأفعال والتقريرات. فالأصولىّ يقصر نظره على ما ذكرناه. وموضوع علم الكلام هو النظر فى أفعال الله تعالى وما يصدر عن قدرته من المكونات كلها والمصنوعات فيحصل له العلم بذاته فنظره مقصور على ذلك.وموضوع علم العربية هو الألفاظ الموضوعة من جهة تركيبها فهو يسأل عن حالها.وهكذا فإن موضوع اللغة هو معرفة الألفاظ المفردة فاللغوىّ يسأل عن ذلك. فكلّ علم له موضوع يخالف موضوع الآخر. ومن ثم كانت حقيقة كل واحد منها مباينة لحقيقة الآخر لأنها باختلاف موضوعاتها اختلفت حقائقها وتمايزت فى أنفسها.وكما يجرى هذا فى العلوم فإنه جار فى الحرف والصناعات لأنها من جملة العلوم، ولهذا فإنّ النجارة موضوعها الخشب. فإن النجار ينظر فى حالها فى تحصيل حقيقة النّشر.والحدّاد موضوع صنعته الحديد فينظر فى حاله إذا أراد تركيب السّيف والشّفرة. وموضوع النساجة القطن. والكتان. فالنّساج ينظر فى حالهما من أجل تحصيل قوام الثوب وصورته وهذه القضية عامّة فى كل علم وحرفة. فإنه لا يمكن تحصيل شىء من أحواله إلا بعد إحراز موضوعه الذى هو أصل فيه.
وعلى هذا يكون موضوع علم البيان هو علم الفصاحة والبلاغة. ولهذا فإن الماهر فيه يسأل عن أحوالهما وحقائقهما اللفظية والمعنوية، فيحصل له من النظر فى الألفاظ المفردة إدراك الفصاحة، ويحصل له من النظر فى المعانى المركبة أحوال البلاغة كما قررناه.وهم وتنبيهفإن قال قائل فإذا كان موضوع اللغة هو الكلم المفردة، وهذا بعينه هو موضوع الفصاحة. فإذا كان موضوع علم الإعراب هو الكلم المركبة فهذا بعينه هو موضوع البلاغة، فمن أين تقع التفرقة بين موضوع علم اللغة وعلم الإعراب، وبين موضوع علم البيان، وعلم المعانى مع اتحاد الموضوع منهما فى الإفراد والتركيب؟وجوابه هو أن علم اللغة، وعلم الفصاحة. وإن كان متعلّقهما الألفاظ المفردة، لكنهما يفترقان فى الدلالة، فإنّ نظر اللغوىّ مقصور على معرفة ما يدلّ على اللفظ بالوضع.وصاحب علم البيان ينظر فى الألفاظ المفردة من جهة جزالتها، وسلامتها عن التعقيد، وبراءتها عن البشاعة، مع ما يتعلق بها من الأنواع المجازية، فإنها مؤدية المقصود بالطرق المختلفة، فافترقا كما ترى، وهكذا فإن النحوىّ، وصاحب علم المعانى، وإن اشتركا فى تعلقهما بالألفاظ المركبة، لكن نظر أحدهما مخالفا لنظر الآخر، فالنحوىّ ينظر فى التركيب من أجل تحصيل الإعراب لتحصل كمال الفائدة، وصاحب علم المعانى، ينظر فى دلالته الخاصة وهو ما يحصل عند التركيب من بلاغة المعانى. وبلوغها فى أقصى المراتب، فقد حصل مما ذكرناه التمييز مع الاشتراك فيما ذكرناه، وفى ذلك افتراقهما، وكشف الغطاء عما ذكرناه بمثال نورده وهو قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ[البقرة: ١٧٩] . فنظر اللغوىّ إنما هو من جهة كون القصاص والحياة موضوعين لمعانيهما المفردة، وغير ذلك من سائر الكلمات المفردة، ونظر صاحب البيان من جهة سلامة هذه الألفاظ المفردة عن التعقيد، وسلاستها، وسهولتها على اللسان. وهذه هو المقصود بالفصاحة. فقد افترقت الدلالتان مع اشتراكهما فى التعلق بالألفاظ المفردة وهكذا.ونظر النحوىّ من جهة رفع المبتدأ، وتقديم خبره عليه وتنكير المبتدأ، وتوسيط الظرف إلى غير ذلك من الأحوال الإعرابية.ونظر صاحب المعانى من جهة بلاغتها، وتأدية المعنى المقصود منها، على أوفى ما يكون
وأعلاه. وهذا هو المراد من البلاغة. فقد افترقا مع إشراكهما فى تعليقهما بالتركيب. ومن ههنا امتاز قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ[البقرة: ١٧٩] عما يؤثر عن العرب من قولهم «القتل أنفى للقتل» .ومن أحاط علما بالفصاحة، وتغلغل فكره فى إحراز أسرارها، عرف أن بين ما ورد فى التنزيل، وبين ما أثر عن العرب فيما أوردناه من المثال فى الفصاحة والبلاغة، بونا لا تدرك غايته، وبعدا لا يحصر تفاوته، ولهذا فإنه من كان من المفسّرين نظره فى تفسير كلام الله مقصورا على معرفة المعانى الإعرابية، وبيان مدلولات الألفاظ الوضعية لا غير، من غير بيان ما تضمنه من أنواع الفصاحة والبلاغة، وتقرير مواقعهما الخاصة. فإنه يعدّ مقصّرا في تفسيره لكونه قد أخلّ بمعظم علومه، وأهملها وأعرض عن أجلّ مقاصده وتركها. وهو معرفة الإعجاز، لأنه موقوف على ما ذكرناه من معرفة الفصاحة والبلاغة جميعا.ومن اعتمد فى تفسير كلام الله على ملاحظة جانب الفصاحة والبلاغة، ونزّل المعانى القرآنية عليها، سلم عن أكثر التأويلات النادرة، وبعد عن حمله على المعانى الركيكة التى وقع فيها كثير من المفسرين كما هو مذكور فى كتبهم.المطلب الثالث في بيان منزلته من العلوم وموقعه منهااعلم أن الكلام فى منزلة الشىء من غيره إنما يكون فيما يظهر فيه التقارب فى الجنسية.فأما مع تباعد الحقائق وتباينها فلا يقال ذلك. ولهذا يقال أين منزلة الإنسان من الحيوان، ولا يقال أين منزلته من الأحجار. فنحن إنما نذكر منزلة علم البيان من العلوم الأدبية دون غيرها من سائر العلوم. فإذا تقرر هذا فنقول العلوم الأدبية على أربعة أنواع:فالنوع الأول منها: علم اللغة العربية وهو علم بمعانى الألفاظ المجردة. فإن حاصله استفادة المعانى المفردة من الأوضاع اللغوية. فالعلم بأن الإنسان والفرس والجدار وغيرها من الألفاظ موضوعة لهذه الحقائق المفردة، إما بالتوقيف، وإما بالمواضعة، أو يكون بعضها بالتوقيف، وبعضها بالمواضعة، أو الوقف فى ذلك. وتجويز هذه الاحتمالات من غير قطع فى واحد منها إلى غير ذلك من الخلاف فيها ليس من همنّا ذكره لخروجه عن مقصدنا.النوع الثانى: علم الإعراب. وهو علم بالمعانى الإعرابية الحاصلة عند العقد،
والتركيب، كقولنا قام زيد، فإن الإعراب لا يحصل إلا لمجموعهما. فالتركيب أقلّه من جزئين. والعقد إسناد أحدهما إلى الآخر. فلو حصل أحدهما وتعذر الآخر، لفات المعنى، ولبطل الإعراب. فصار علم الإعراب متميزا عن علم اللغة العربية بما ذكرناه، معطيا فائدة غير ما يعطيه علم اللغة لأجل الإفراد والتركيب.النوع الثالث: علم التصريف. وهو علم يتعلق بتصحيح أبنية الألفاظ المفردة، وإحكام قوالبها على الأقيسة المطردة فى لسان العرب بالقلب، كما فى قال ورمى، والحذف كما فى قولنا: قل، وبع، والإبدال، كما فى قولنا: ميعاد، وصراط، وغير ذلك. وهو علم جليل القدر، ولا يختص به إلّا الأذكياء من علماء الأدب، كما أثر عن أبى عثمان المازنىّ وأبى الفتح ابن جنى، وغيرهما. وقد يقع فيه معظم الزّلل لمن لم يحرز أصوله ولا يحكمها، كما وقع من نافع المقرىء فى همزه شبه معايش وهو خطأ.قال أبو عثمان المازنى: إن نافعا لم يدر ما العربية. ومعذرته فى ذلك، هو أنه شبه ياء معيشة بياء سفينة. فمن ثمّ همزها لمشاكلتها لها فى صورتها. وليس عذره فى ذلك أنه اعتقد أن معيشة فعلية كما قاله ابن الأثير معتذرا له. لأن هذا يكون ضم جهل إلى جهل. ولما لم يختص نافع برسوخ قدم فى علم الإعراب وقع فى حرفه فى قراءته ضعف كإسكان ياء «محياى» وجمعه بين الساكنين، ونحو إثباته لهاء السكت فى حال الوصل، وقراءة «أتحاجّونى» بنون واحدة.النوع الرابع من علوم الأدب: علم البلاغة والفصاحة وهما يأخذان من العلوم الأدبية صفوها، ويقعان منها مكان الواسطة من عقدها، فإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول: العلم المعبّر عنه بعلم البيان هو علم الفصاحة. وعلم المعانى هو المعبّر عنه بعلم البلاغة. وهو أجلّ العلوم الأدبية قدرا ومكانا وأعلاها منزلة وأكبرها شأنا لأنه علم يستولى على استخراج أسرار البلاغة من معادنها. وهذه توجد محاسن النّكت المودعة فى أصدافها ومكامنها. وهو الغاية التى ينتهى إليها فكر النّظّار، والضّالة التى يطلبها غاصة البحار.وعليه التعويل فى الاطّلاع على حقائق الإعجاز فى القرآن، وإليه الإسناد عند المسابقة فى الخصل والرهان. ومنه تستثار المعانى الدقيقة على مرّ الدّهور وتخرّم الأزمان فظهر بما ذكرناه أن موقع علم البيان من العلوم الأدبية موقع الإنسان من سواد الأحداق. ومن ثمّ لم يستقل بدركه وإحراز أسراره إلا كل سباق.
المطلب الرابع فى بيان الطرق إليهاعلم أن إحرازه إنما يكون بإحراز ما يحتاج إليه من العلوم الأدبية. ولما كان المقصود به هو الاطلاع على حقائق علوم الإعجاز، والإحاطة بعلم الفصاحة والبلاغة فما كان أصلا فى معرفة هذه الأشياء فهو مفتقر إليه. وما لا يحتاج إليه فى هذه الأشياء فهو غير مفتقر إليه. فصارت العلوم بالإضافة إلى ما تفتقر إليها وتستغنى على ثلاث مراتب.المرتبة الأولى: لا يفتقر إليها بكل حال.وهذا نحو العلوم العقلية، كالعلم بالمباحث الكلامية والطبّ. والفلسفة وأحكام الحساب، وغير ذلك من علوم العقل. فما هذا حاله من العلوم فلا يستمدّ منها ولا تكون طريقا إليه.المرتبة الثانية: ما يكون مفتقرا إليها،ولا يمكن الوصول إليه إلا بها وبإحرازها وهى آلة فيه. وذلك أنواع ثلاثة:النوع الأول منها: معرفة اللغةمما تداولته الألسنة وكثر استعماله وصار مألوفا. لأن موضوعه هو البلاغة والفصاحة وهما من عوارض الألفاظ والمعانى. فمن لم يعرف شيئا من اللغة لا يمكنه أن يخوض فى عارض من عوارضها فيحصل له من الألفاظ المفردة معرفة معانيها الموضوعة لها، ويعرف نسبة الكلم المفردة إلى معانيها ومسمياتها ففيه غرض عظيم يحصل عليه وجملتها أربعة. أولها: المترادفة. ونعنى به الألفاظ المختلفة الصيغ المتواردة على معنى واحد.وهذا نحو الخمر، والمدام، والعقار، ونحو الليث، والأسد، وثانيها: المتباينة. ونريد بها الألفاظ المختلفة على المعانى المختلفة. وهذا نحو الإنسان، والفرس، والأسد. وثالثها:المتواطئة. وهى الألفاظ المطلقة على معان متغايرة يجمعها أمر معنوىّ تكون مشتركة فيه. وهذا نحو قولنا رجل، فإنه يطلق على زيد، وعمرو، وبكر، بجامع الرجولية والإنسانية وهكذا قولنا فرس، وحيوان. ورابعها: المشتركة. وهى الألفاظ المتفقة الدالّة على معان مختلفة غير متفقة فى أمر معنوىّ. وهذا نحو قولنا: عين، فإنها تطلق على العين الباصرة، وعين الشمس، وعين الركية، وعين الميزان فهذه المعانى كلها مختلفة فى أنفسها ولا تتفق إلّا فى مجرّد اللفظ لا غير. ومن الناس من زاد على هذه الألفاظ قسما خامسا وسماه المشكك والمشتبه، وجعله مترددا بين المشتركة، والمتواطئة، وهذا نحو إطلاق لفظ النور، على ضوء الشمس، والقمر، والنار ونور العقل، ونحو لفظ الحىّ فإنه يطلق على الحيوان، والنبات. والأقرب إلحاقه