شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: العقيدة الكتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل [آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٢)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ - ٧٥١)تحقيق: زاهر بن سالم بَلفقيهراجعه: سليمان بن عبد الله العمير - أحمد حاج عثمان الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الثانية، ١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الأجزاء: ٢قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل تأليفالإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية(٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ) تحقيقزاهر بن سالم بَلفقيه وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيد (رحمه الله تعالى) دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
بسم الله الرحمن الرحيموصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.الحمد لله ذي الإفضال والإنعام، والمِنن الجِسَام، والأيادي العِظَام، ذي الجلال والإكرام، الملك القدّوس السلام، الذي قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام.فقدَّر أرزاقهم وآجالهم، وكتب آثارهم وأعمالهم، وقسم بينهم معايشهم وأموالهم ــ وعرشه على الماء ــ قبل خلق الليالي والأيام.فأبرم القضيَّة، وقدَّر البريَّة، وقال للقلم: اكتب، فجرى بما هو كائن في هذا العالم على تعاقب السِّنين والأعوام.ثم خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على عرشه المجيد بذاته، منفردًا بتدبير خلقه بالسَّعادة والشقاوة، والعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، والخَفض والرَّفع، والإيجاد والإفناء، والنقضِ والإبرام.{(٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي} [الرحمن:٢٩]، فلا يشغله سَمْعٌ عن سَمْع، ولا تُغَلِّطُه المسائل، ولا يتبَرَّم بإلحاح الملحِّين على(١) الدوام. يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تَفنُّنِ الحاجات(٢)، ويرى دبيبَ النملة السوداء، تحت الصَّخرة الصماء، في(١) "على" استدركت من "ت"، وكذلك المواضع الخمسة الآتيات، موضعها مخروم في "م".(٢) "تفنن الحاجات" من "ت".
الليلة(١) المدلهمَّة الشديدة الظلام.لا تسقط ورقةٌ إلا بعلمه، ولا(٢) تتحرك ذرَّة إلا بإذنه، ولا يقع حادثٌ إلا بمشيئته، ولا يخلو مقدورٌ عن حكمته، فله الحكمة الباهرة، والآيات الظاهرة، والحجَّة البالغة، والنعمة السابغة على جميع الأنام.وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وأوسع كل مخلوق فضلًا وجودًا وحلمًا، وقَهَر كلَّ شيءٍ(٣) عزَّةً وحُكْمًا، فَعَنَت الوُجوهُ لجلال(٤) وجهه، وعجزت العقولُ عن معرفة كُنْهِه، وقامت البراهين على استحالة(٥) مثله وشِبْهِه. فهو الأول الذي ليس(٦) قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، ذو الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، وهو مُسْتوٍ على عرشه، مُسْتولٍ على خلقه، يسمع ويرى. كلَّم موسى تكليمًا، وتجلَّى للجبل فجعله دكًّا هشيمًا، فهو الحيُّ القيوم الذي لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام.يخفض القِسْط ويرفعه، يُرفَع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحَاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.(١) "الليلة" من "ت".(٢) "م": "فولا"، والتصويب من "ت".(٣) "م": "وفهم كل منى"! والتصويب من "ت".(٤) "لجلال" من "ت".(٥) "البراهين على استحالة" خرم أكثرها في "م"، وأكملتها من "ت".(٦) "الذي ليس" من "ت".
فهو أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، وأعظم رقيب، وأرأف رحيم، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار، ونسخ الآجال، فأزِمَّة الأمور بيديه، ومرجعها كلها إليه، فالقلوب له مُفْضِية، والسِّرُّ عنده علانية، والمستور لديه مكشوف، وكلُّ أحدٍ إليه فقير مَلْهوف على الدوام.فسبحان مَن نفذ حكمُه في بريّته، وعدل بينهم في أقضيته، وعمَّهم برحمته، وصرَّفهم تحت مشيئته وحكمته، وأكرمهم بتوحيده ومعرفته، وجعل أهل ذكره أهل مجالسته، وأهل شكره أهل زيادته، وأهل طاعته أهل كرامته، وأهل معصيته لا يُقنطهم من رحمته، إن تابوا فهو حبيبهم، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ} [البقرة: ٢٢٢]، وإن أصرُّوا فهو طبيبُهُم، يبتليهم بأنواع المصائب؛ ليطهّرهم من الدَّنَس والآثام.وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا كُفُؤ له، ولا سَمِيَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، بل هو الأحد الصمد الذي تفرَّد بإلهيَّته، وتوحَّدَ بربوبيته، وتعالى عن مشابهة خليقته، وأنَّى يشبه العبدُ المخلوقُ الملكَ القدّوسَ السّلام.وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، أرسله رحمةً للعالمين، وقدوةً للعاملين، ومَحَجّة للسالكين، وحُجّة على العباد أجمعين.أرسله على حين فترة من الرسل، ودروس من الكتب، وطموس من السُّبُل، حين انقطع خبر الوحي من السماء، وتاه الأدِلّاءُ في دياجي الظَّلماء، وغشيت الأرضَ ظلماتُ الكفر والشِّرك والعناد، واستولى عليها أئمةُ الكفر وعساكرُ الفساد، واستند كل قوم إلى ظلمات آرائهم، وحكموا على الله وبين
عباده بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم.فسُبُلُ الهدى عافيةٌ آثارها، مُنْحَطٌّ منارها، والضلالة قد تَضَرَّمَتْ نارُها، وتطاير في الآفاق شرارُها، وظهر في أقطار الأرض شعارها، وقد استحقَّ الناس أن يحلّ بساحتهم العذاب، وقد نظر الجبَّارُ إليهم فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب.فأطلع الله شمس الرسالة في حَنَادِس تلك الظُّلَم، وأنعم بها على أهل الأرض، وكانت تلك النعمة عليهم أجلَّ النعم. فبعث رسوله صلى الله عليه وسلم للإيمان مناديًا، وإلى الجنة داعيًا، وبكل عُرْف آمِرًا، وعن كل نُكْرٍ ناهِيًا، فاستنقذ به الخليقةَ من تلك الظلمات، ونوَّرَ بصائرهم بالآيات البينات، وجلا عن قلوبهم صدأ تلك الشكوك والشبهات، وفتح به أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا، فبلَّغ رسالات ربّه، وأدّى أمانته، ونصح أمته، ولم يدع بابًا من الهدى إلا فتحه، ولا مُشْكِلًا من الدين إلا أوضحه، ولا خيرًا إلا دلَّ الأمة عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرهم منه؛ لئلا يصلوا إليه.فأغنى الله به عن تكلُّف المتنطّعين، وآراء المُتَهَوِّكين، ومعقولات المتفلسفين، وخيالات المتصوِّفين، وجدل المتكلمين، وأقيسة المتكلِّفين.فاكتفى بما جاء به العارفون، واستوحش من كثير منه الجاهلون، وعَدَلوا عنه إلى ما يناسب أعينهم الرُّمْد، وبصائرهم العُمْي، وظنوا أنهم بذلك يهتدون، {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الزمر: ٤٩ - ٥٠]، {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: ٥١].
أما بعد:فإن القدر بحر محيط لا ساحل له، ولا خروج عنه لأحد من العالمين، والشرع فيه سفينة النجاة، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها فهو من المُغْرَقين، وهو قُدْرَةُ الله الذي هو على كل شيء قدير، وكل مخلوق فمنه ابتدأ وإليه يصير.والإيمان(١) به قُطْب رحا التوحيد ونظامه، ومبدأ الإيمان وتمامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان، والحكمة آخِيَّته(٢) التي يرجع إليها، ويدور في جميع تصاريفه عليها، فالقدر مظهر المُلْك، والحكمة مظهر الحَمْد، والتوحيد متضمن لنهاية الحكمة وكمال التقدير.فلا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فبالقدر والحكمة ظهر خلقه وشرعه المبين، {لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)} [الأعراف: ٥٤].فصلوقد سلك الناس في هذا الباب في كل واد، وأخذوا في كل طريق، وتولّجوا كل مَضِيق، وركبوا كل صعب وذلول، وقصدوا الوصول إلى معرفته من كل سبيل، وتكلمتْ فيه الأئمة(٣) قديمًا وحديثًا، وساروا فيه بطيئًا(١) بداية "د".(٢) الآخِيّة ـ بالتشديد والتخفيف ـ: حبل ونحوه يثبت طرفاه في حائط أو أرض كالحلقة، تشد إليه الدابة. "الصحاح" (أخا) (٦/ ٢٢٥٦).(٣) "د": "الأمم".
وقاصدًا وحثيثًا، وخاضتْ فيه الفرق على تباينها واختلافها، وصَنَّفتْ فيه الطوائف على تنوع أصنافها، فلا أحد إلا وهو يحدّث نفسه بهذا الشان، ويطلب الوصول فيه إلى حقيقة العرفان، فتراه إما ناظرًا مع نفسه، أو مناظرًا لبني جنسه.وكلٌّ قد اختار لنفسه مذهبًا لا يعتقد الصواب في سواه، ولا يرتضي إلا إيّاه، وكلهم ــ إلا مَن اهتدى بالوحي ــ عن طريق الصواب مصدود، وباب الهدى في وجهه مسدود، قد قَمَّشَ علمًا غير طائل، وارتوى من ماء آجن، قد طاف على أبواب المذاهب، ففاز بأخسِّ الآراء والمطالب، فرح بما عنده من العلم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وقدّم آراء من أحسن به الظن على الوحي المنزّل والنص المرفوع.حيران يأتمُّ بكل حيران، يحسب كل سراب شرابًا، فهو طول عمره ظمآن، يُنَادى إلى الصواب من مكان بعيد، ويُدعى إلى الهدى فلا يستجيب إلى يوم الوعيد، قد فرح بما عنده من الخيال، وتشبّع بأنواع الباطل وأصناف المُحال، منعه الكفر الذي في صدره ــ وليس هو ببالغه ــ عن الانقياد للهداة المهتدين، ولسان حاله أو قاله يقول: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: ٥٣].فصلولما كان الكلام في هذا الباب نفيًا وإثباتًا مداره على الخبر عن أسماء الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره؛ كان أسعدُ الناس بالصواب فيه مَن تلقّى ذلك من مشكاة الوحي المبين، ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء
المُتَهَوِّكين(١)، وتشكيكات المتكلمين، وتكلفات المُتنطّعين، واستمطر دِيَم الهداية من كلمات أعلم الخلق بربِّ العالمين، فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفَتْ وشفَتْ، وجمعتْ وفرَّقتْ، وأوضحتْ وبيَّنتْ، وحلَّتْ محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن.ثم تلاه أصحابه من بعده على نهجه المستقيم، وطريقه القويم، فجاءت كلماتهم كافية شافية، مختصرة نافعة، لقرب العهد ومباشرة التلقي من تلك المشكاة، التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى.ثم سلك على آثارهم التابعون لهم بإحسان، فاقتفوا طريقهم، وركبوا منهاجهم، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا على ما كانوا عليه.ثم نبغ في عهدهم وأواخر عهد الصحابة مجوسُ هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، وأنّ الأمر أُنُف، فمَن شاء هدى نفسه، ومَن شاء أضلها، ومَن شاء بخسها حظَّها(٢) وأهملها، ومَن شاء وفّقها للخير وكمّلها، كل ذلك مردود إلى مشيئة العبيد، ومُقْتَطَع من مشيئة العزيز الحميد، فأثبتوا في ملكه ما لا يشاء، وفي مشيئته ما لا يكون.ثم جاء خَلْفُ هذا السلف، فقرروا ما أسَّسَه أولئك من نفي القدر وسمّوه عدلًا، وزادوا عليه نفي صفاته سبحانه وحقائق أسمائه وسمّوه توحيدًا.(١) الحيرى المترددون، "القاموس" (هوك) (٩٥٨).(٢) "م": "حقها"، والمثبت من "د" له نظائر من كلام المؤلف، وليس في "م": "وأهملها".
فالعدل عندهم إخراج أفعال الملائكة والإنس والجن وحركاتهم وأقوالهم وإراداتهم عن قدرته ومشيئته وخلقه، والتوحيد عند متأخريهم تعطيله عن صفات كماله، ونعوت جلاله، وأنه لا سمع له، ولا بصر، ولا قدرة، ولا حياة، ولا إرادة تقوم به، ولا كلام، ما تكلم ولا يتكلم، ولا أمَرَ ولا يأمر، ولا قال ولا يقول، إنْ ذلك إلا أصوات وحروف مخلوقة في الهواء، أو في محل مخلوق، ولا استوى على عرشه فوق سماواته، ولا تُرفع إليه الأيدي، ولا تَعرُج الملائكة والروح إليه، ولا ينزل الأمر والوحي من عنده، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبد، ولا ربٌّ يُصلَّى له ويُسْجَد، ما فوقه إلا العدم المحض والنفي الصِّرْف، فهذا توحيدهم، وذاك عدلهم.فصلثم نبغت طائفة أخرى من القدرية، فنفت فعل العبد وقدرته واختياره، وزعمت أن حركته الاختيارية ــ ولا اختيار ــ كحركة الأشجار عند هبوب الرياح، وكحركات الأمواج، وأنه على الطاعة والمعصية مجبور، وأنه غير مُيَسَّرٍ لما خُلِق له، بل هو عليه مَقْسور ومَجْبور.ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مُقتدين، ولمنهاجهم مُقتفين، فقرّروا هذا المذهب، وانتموا إليه وحققوه، وزادوا عليه أن تكاليف الربّ تعالى لعباده كلها تكليفُ ما لا يُطاق، وأنها في الحقيقة كتكليف المُقْعَد أن يرقى إلى السبع الطِّباق، فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد، ولا هو له بمقدور، وإنما هو تكليف بفعل مَن هو منفرد بالخلق، وهو على كل شيء قدير، فكلّف عباده بأفعاله، وليسوا عليها قادرين، ثم عاقبهم عليها، وليسوا في الحقيقة لها فاعلين.
ثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العُبّاد، فقالوا: ليس في الكون معصية البتَّة؛ إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد، كما قيل:أصبحتُ مُنْفَعِلًا لما يختاره … منِّي ففعلي كلُّه طاعاتُ(١)ولاموا بعضَ هؤلاء على فعله، فقال: إن كنتُ عصيتُ أمره فقد أطعتُ إرادتَه، ومطيع الإرادة غير ملوم، وهو في الحقيقة غير مذموم.وقرر محققوهم من المتكلمين هذا المذهب؛ بأن الإرادة والمشيئة والمحبّة في حق الرب سبحانه شيء واحد، فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبّه.وأخبرني شيخ الإسلام ــ قدَّس الله روحه ــ أنه لام بعضَ هذه الطائفة على محبّة ما يبغضه الله ورسوله، فقال له المَلوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أُبْغِضُ منه؟!قال الشيخ: فقلت له: إذا كان قد سخط على أقوام ولعنهم وذمّهم وغضب عليهم فواليتهم أنت وأحببتهم، وأحببت أفعالهم ورضيتها، تكون مواليًا له أو معاديًا؟(١) نسبه شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٨/ ٢٥٧) إلى نجم الدين محمد بن سوار بن إسرائيل، الفقير الشاعر الصوفي (٦٧٧ هـ)، وانظر: "تاريخ الإسلام" (١٥/ ٣٤٧).وأورد البيت دون نسبة في: "منهاج السنة" (٣/ ٢٥) و"الفرقان" (٢٣٧)، وسينشده المؤلف في (١/ ٤٨) من هذا الكتاب، وفي: "طريق الهجرتين" (١/ ٥٥، ٣٥٢، ٦٥٩)، و"مدارج السالكين" (١/ ٥٠٤، ٥٥٩، ٦٣٥).
قال: فبُهِتَ الجبري، ولم ينطق بكلمة(١).وزعمت هذه الفرقة أنهم بذلك للسنة ناصرون، وللقدر مثبتون، ولأقوال أهل البدع مبطلون.هذا، وقد طووا بساط التكليف، وطفّفوا في الميزان غاية التطفيف، وحملوا ذنوبهم على الأقدار، وبرّؤوا نفوسهم في الحقيقة من فعل الذنوب والأوزار، وقالوا: إنها في الحقيقة فِعْل الخلَّاق العليم.وإذا سمع المنزِّه لربِّه هذا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم! فالشرّ ليس إليك، والخير كله في يديك.ولقد ظنّت هذه الطائفة بالله أسوأ الظن، ونسبته إلى أقبح الظلم، وقالوا: إن أوامر الربّ ونواهيه كتكليف العبد أن يرقى فوق السماوات، أو كتكليف الميت إحياء الأموات، والله يعذب عباده أشدّ العذاب على فعل ما لا يقدرون على تركه، وعلى ترك ما لا يقدرون على فعله، بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور، وليس أحدٌ منهم ميسَّر له، بل هو عليه مقهور، وترى العارف منهم ينشد مُترنّمًا، ومن ربّه مُتشكّيًا ومُتظلّمًا:ألقاه في اليمّ مكتوفًا وقال له: … إيّاك إيّاك أن تبتلَّ بالماءِ(٢)(١) حكى المؤلف هذه المحاورة عن شيخ الإسلام ابن تيمية في "طريق الهجرتين" (١٨٥، ٦٥٨) و"مدارج السالكين" (٤/ ٢٧٩٣)، وانظر: "الاستقامة" (١/ ٤٢٤) (٢/ ٧٨).(٢) البيت للحلاج في "ديوانه" ضمن الأعمال الكاملة (٢٨٨)، ونسبه إليه في "وفيات الأعيان" (٢/ ١٤٣)، وشكك الرافعي في تلك النسبة في "تاريخ آداب العرب" (٣/ ١٣٣).
وليس عند القوم في نفس الأمر سبب ولا غاية ولا حكمة، ولا قوة في الأجسام ولا طبيعة ولا غريزة، فليس في الماء قوة التبريد، ولا في النار قوة التسخين، ولا في الأغذية قوة الغذاء، ولا في الأدوية قوة الدواء، ولا في العين قوة الإبصار، ولا في الأذن قوة السماع، ولا في الأنف قوة الشم، ولا في الحيوان قوة فاعلة، ولا قوة جاذبة، ولا ممسكة ولا دافعة.والربّ تعالى لم يفعل شيئًا بشيء، ولا شيئًا لشيء، فليس في أفعاله باء تسبيب(١)، ولا لام تعليل، وما ورد من ذلك فمحمول على باء المصاحبة، ولام العاقبة.وزادوا على ذلك أن الأفعال لا تنقسم في نفسها(٢) إلى حَسَن وقبيح، ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والسجود للرحمن والسجود للشيطان، والإحسان إلى الخلق والإساءة إليهم، ومسبّة الخالق تعالى والثناء عليه، وإنما نعلم الحسن من ذلك من القبيح بمجرد الأمر والنهي، ولذلك يجوز النهي عن كل ما أمر به، والأمر بكل ما نهى عنه، ولو فعل ذلك لكان هذا قبيحًا وهذا حسنًا.وزاد بعض محقّقيهم على هذا: أن الأجسام كلها متماثلة، فلا فرق في الحقيقة بين جسم النار وجسم الماء، ولا بين جسم الذهب وجسم الخشب، ولا بين المِسْك والرَّجِيع، وإنما تفترق بصفاتها وأعراضها، مع تماثلها في الحدّ والحقيقة.(١) "د": "تسبُّب" مقيدة، والمثبت من "م"، وانظر: "طريق الهجرتين" (١/ ٢٣٥).(٢) "م": "أنفسها"، والمثبت من "د" وسيأتي نظيره.
وزادوا على ذلك بأن قالوا: الأعراض كلها لا تبقى زمانين، ولا تستقرّ وقتين. فإذا جمَعْتَ بين قولهم بعدم بقاء الأعراض، وقولهم بتماثل الأجسام، وتساوي الأفعال، وأن العبد لا فعل له البتَّة، وأنه لا سبب في الوجود ولا قوة ولا غريزة ولا طبيعة، وقولهم: إن الربَّ تعالى ليس له فعل يقوم به، وفعله عين مفعوله. وقولهم: إنه ليس بمباين لخلقه، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه. وقولهم: إنه لا يتكلَّم ولا يُكلَّم، ولا قال ولا يقول، ولا سمع أحدٌ خطابَه ولا يسمعه، ولا يراه المؤمنون يوم القيامة جهرة بأبصارهم من فوقهم= أنتجَتْ لك هذه الأصول عقلًا يعارض السمع، ويناقض الوحي، وقد أوصاك الأشياخ عند التعارض بتقديم هذا المعقول، على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.فلو أني بُلِيتُ بهاشميٍّ … خؤولتُه بنو عبد المدانلهان عليَّ ما ألقى ولكن … تعالوا فانظروا بمن ابتلاني(١)فصلولمّا كانت معرفةُ الصواب في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل واقعةً في مرتبة الحاجة، بل في مرتبة الضرورة؛ اجتهدتُ في جمع هذا الكتاب وتهذيبه، وتحريره وتقريبه، فجاء فَرْدًا في معناه، بديعًا في مَغْزاه، وسمّيتُه:(١) أنشدها دون نسبة في "الكامل" (٢/ ٩٨٠)، وفي "ديوان المعاني" (١/ ٣٧٥). وأشار محقق "الكامل" إلى مجيئها في بعض الأصول منسوبة لدعبل، ورجح الأشتر عدم صحة هذه النسبة في "ديوان دعبل" (٤٢٩)، ونسبهما في "أخبار أبي تمام" (٣٩) إلى زياد بن عبيد الله الحارثي، وفي "بهجة المجالس" (١/ ٣٨٤) إلى أبي راسب.
(شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)وجعلتُه أبوابًا:الباب الأول: في تقدير المقادير قبل خلق السماوات والأرض.الباب الثاني: في تقدير الربِّ تعالى شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم قبل خلقهم، وهو تقدير ثانٍ بعد الأول.الباب الثالث: في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك، وحُكْم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم.الباب الرابع: في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه.الباب الخامس: في التقدير الرابع ليلة القدر.الباب السادس: في ذكر التقدير الخامس اليومي.الباب السابع: في أنَّ سَبْق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقتضي ترك الأعمال، بل يوجب الاجتهاد والحرص؛ لأنه تقدير بالأسباب.الباب الثامن: في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: ١٠١].الباب التاسع: في قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: ٤٩].الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر التي من استكمل معرفتها والإيمان بها فقد آمن بالقدر، وذكر المرتبة الأولى.الباب الحادي عشر: في ذكر المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر، وهي مرتبة الكتابة.