زهر الآداب وثمر الألباب (الحصري القيرواني) القسم: الأدب الكتاب: زهر الآداب وثمر الألباب المؤلف: إبراهيم بن علي بن تميم الأنصاري، أبو إسحاق الحُصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ) الناشر: دار الجيل، بيروتعدد الأجزاء: ٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الجزء الأولمقدمة الناشراحياء التراث العربي، بتحقيقه تحقيقا علميا دقيقا وضبطه وشرح ما غمض من معانيه ومراجعة نصوصه الأصلية؛ مهمة جليلة ومسؤولية بالغة تصدى لها العديد من أكفأ وأخلص رجالات الأدب في عصرنا الحاضر، وفي طليعتهم الدكتور زكي مبارك... إن تحقيق هذه الروائع الأدبية وشرحها رسالة سامية … وكذلك نشرها وتقديمها إلى القارىء العربي بالصورة اللائقة؛ رسالة يتصدى لحملها الناشر الواعي لأهمية تراثنا العربي المقدّر لقيمته، الحريص على إغناء الثقافة العربية، والباذل لكل جهد مهما عظم في سبيل تقديم روائع القديم في أبهى وأحدث حلة تبويبا وإخراجا وطباعة.بين روائع التراث العربي يتألق كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» كالدرة النادرة، وقد زاد من قيمته جهد لا يقارن به جهد بذله الأديب العملاق، الدكتور زكي مبارك في تحقيقه وضبطه وشرح نصوصه.كتاب «جمع كلّ غريبة» . بل خزانة من خزائن الأدب العربي عامرة بأخبار الأدب والأدباء، حافلة بألوان البلاغة والشعر والانشاء وبكل ما يصور بصدق العصر الذي عاش فيه مؤلفه أبو اسحاق ابراهيم بن علي الحصري القيرواني في القرن الخامس الهجري، ويبين بوضوح العادات الاجتماعية التي كانت محمودة في عصره؛ حتى أن دارس الآداب المهتم بذلك العصر ليكتفي بدراسة هذا الكتاب كمرجع رئيسي شامل.
لذلك العصر من حياة الأدب طابع خاص، أظهر سماته إجادة الوصف؛ وصف ما تقع عليه العين من مرئيات أو ما يجري في الخاطر من أفكار، بل ووصف أهواء النفس ونزعاتها الوجدانية، وصفا مفصلا مقصودا، حتى أصبح العصر غنيا إلى درجة مميزة بالتعابير الرائعة الناضجة في معظم أبواب الوصف.. يرافقها تنظيم كامل للأفكار، مما يعوّد القارىء تذوّق الاسلوب البديع ويحبب اليه النثر الجيد وأصوله الفنية.اننا إذا قسنا أعمال أدباء ذلك العصر بالمقاييس العصرية لانطبق عليها مفهوم النظرية الحديثة «الفن للفن» .. فقد عرفوا اللغة معرفة جيدة حتى وقفوا على أسرارها وطرائق تعبيرها، فجمعوا شتاتها لتصبح طوع أفكارهم وأقلامهم في نتاج منسّق متكامل.وان دار الجيل التي تعتز بما قدمت من كتب التراث.. كتاب «العمدة» لابن رشيق تحقيق الاستاذ محيي الدين عبد الحميد، ليزيدها اعتزازا أن تقدم تباعا مجموعة أعمال الدكتور زكي مبارك: النثر الفني، الموازنة بين الشعراء، التصوف الاسلامي، المدائح النبوية، الاخلاق عند الغزالي..ودرة هذه الأعمال هذا الكتاب الذي تقدمه الدار اليوم: زهر الآداب..إنه دائرة معارف أدبية، لا غنى للقارىء الأديب الباحث عن المعرفة والمتطلع الى التزيد من بحور الفنون الأدبية، عن اقتنائه.والله الموفق دار الجيل
مقدمة الطبعة الأولىالحصرى القيروانى، أبو الحسن الحصرى، طرف من أخباره، حياته الأدبية، داليته ودالية شوقى، أبو إسحاق الحصرى: شعره ونثره، طريقته في التأليف، التعريف بزهر الآداب، إغفال المجون، تهذيب كتب المتقدمين، رأى الدكتور طه حسين، تهذيب زهر الآداب، تفصيله وضبطه وشرحه، قيمته الأدبية.الحصرى، القيراونىالحصرى- بضم الحاء المهملة، وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة- نسبة إلى الحصر أو بيعها، كما ذكر ابن خلكان- والقيروانى: نسبة إلى مدينة القيروان.ويعرف تاريخ الآداب رجلين بهذا الاسم، أولهما:أبو الحسن الحصرىوأبو الحسن هذا هو: على بن عبد الغنى، الفهرى، المقرىء، الضرير، القيروانى، وقد كان- كما ذكر ابن بسّام في الذخيرة- بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم جماعة.طرأ على الأندلس- كما قال ابن بسام أيضا- في منتصف المائة الخامسة من الهجرة، بعد خراب وطنه من القيروان، والأدب بأفق الأندلس يومئذ نافق السّوق، معمور الطريق، فتهاداه ملوك الطّوائف تهادى الرياض بالنسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار بالأنس المقيم.ولكنه، فيما نقل، لم يطمئن هناك، فاحتمل على مضض بين زمانه،
وبعد قطره، ثم اشتملت عليه مدينة طنجة بعد خلع ملوك الطوائف، وتوفى بها سنة ٤٨٨ هجرية.طرف من أخبارهذكر أنه لما كان مقيما بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عبّاد صاحب إشبيليّة، واسمها في بلادهم حمص، فأبطأ عنه، وبلغه أن المعتمد لم يحفل به، فقال:نبّه الرّكب الهجوعا … ولم الدّهر الفجوعا «١»حمص الجنّة قالت … لغلامى: لا رجوعارحم الله غلامى … مات في الجنة جوعاوهذه الأبيات غاية في خفة الروح.وحكى أن المعتمد بن عباد بعث إلى أبى العرب الزبيدى خمسمائة دينار، وأمره أن يتجهز بها ويتوجّه إليه. وكان بجزيزة صقلّية وهو من أهلها، وبعث مثلها إلى أبى الحسن الحصرى، وهو بالقيروان، فكتب أبو العرب:لا تعجبنّ لرأسى كيف شاب أسى … واعجب لأسود عينى كيف لم يشبالبحر للرّوم لا يجرى السّفين به … إلا على غرر والبرّ للعربوكتب له الحصرى:أمرتنى بركوب البحر أقطعه … غيرى، لك الخير، فاخصصه بذا الداءما أنت نوح فتنجينى سفينته … ولا المسيح أنا أمشى على الماءحياته الأدبيةذكروا أنه كان عالما بالقراءات وطرقها، وأنه أقرأ الناس القرآن الكريم
بسبتة وغيرها، وأن له قصيدة نظمها في قراءات نافع، عدد أبياتها ٢٠٩، وأن له ديوان شعر، وهو القائل:أقول له وقد حيّا بكأس … لها من مسك رقّته ختام:أمن خدّيك يعصر؟ قال: كلا … متى عصرت من الورد المدام؟وأشهر قصائده تلك الدالية التي افتنّ في معارضتها الشعراء «١» ولنذكرها هنا لقيمتها وأثرها في تاريخ الآداب العربية، قال:يا ليل الصبّ متى غده … أقيام الساعة موعدهرقد السّمّار وأرّقه … أسف للبين يردّدهفبكاه النّجم ورقّ له … مما يرعاه ويرصدهكلف بغزال ذى هيف … خوف الواشين يشرّدهنصبت عيناي له شركا … فى النوم فعزّ تصيدّهوكفى عجبا أنى قنص … للسّرب سبانى أغيدهصنم للفتنة منتصب … أهواه ولا أتعبّدهصاح والخمر جنى فمه … سكران اللحظ معر بدهينضو من مقلته سيفا … وكأنّ نعاسا يغمدهفيريق دم العشاق به … والويل لمن يتقلّدهكلّا لا ذنب لمن قتلت … عيناه ولم تقتل يدهيا من جحدت عيناه دمى … وعلى خدّيه تورّدهخدّاك قد اعترفا بدمى … فعلام جفونك تجحدهإنى لأعيذك من قتلى … وأظنك لا تتعمّده
بالله هب المشتاق كرى … فلعلّ خيالك يسعدهما ضرّك لو دوايت ضنى … صبّ يدنيك وتبدهلم يبق هواك له رمقا … فليبك؟؟؟ عليه عوّدهوغدا يقضى أو بعد غد … هل من نظر يتزوّده؟يا أهل الشوق لنا شرق … بالدمع يفيض مورّدهيهوى المشتاق لقاءكم … وصروف الدهر تبعّدهما أحلى الوصل وأعذبه … لولا الأيام تنكدهبالبين وبالهجران فيا … لفؤادى كيف تجلّدهوممن عارض هذه القصيدة من المتقدمين نجم الدين القمراوى إذ يقول:قد ملّ مريضك عوّده … ورثى لأسيرك حسّدهلم يبق جفاك سوى نفس … زفرات الشوق تصعّدههاروت بعنعن فن السحر … إلى عينيك ويسندهوإذا أغمدت اللحظ فتكت فكيف وأنت تجرّده … كم سهّل خدّك وجه رضاوالحاجب منك يعقّده … ما أشرك فيك القلب فلمفى نار الهجر نحلّده؟وناصح الدين الأرّجانى إذ يقول:هل أنت بطولك مسعده … يا ليل فصبحك موعدهلا كان قصير الليل فتى … ميعاد منيّته غدهفى صدرى من كلف بكم … جند للشوق يجنّدهأعليل اللحظ وعلته … منها المتألّم عوّدهعيناك لسفك دمى جنتا … فالصّدغ علام تجعّدهودمى لا يحسن محمله … فى الناس فلم تتقلّدهلم أنس برامة موقفنا … والشمل أظلّ تبدّده
رشأ قد أفلت من شركى … والبين غدا يتصيّدهسرب قد عنّ بذى سلم … وغدا بفؤادى أغيدهوتطاول يتبعهم نظرا … صبّ قد طال تبلّدهحرّان القلب متيّمه … حيران الطرف مسهّدهوأبرع من عارضها من المعاصرين فخر مصر والشرق أمير الشعراء أحمد شوقى (بك) إذ يقول:مضناك جفاه مرقده … وبكاه ورحّم عوّدهحيران القلب معذّبه … مقروح الجفن مسهّدهأودى حرقا إلا رمقا … يبقيه عليك وتنفدهيستهوى الورق تأوّهه … ويذيب الصخر تنهّده «١»ويناجى النجم ويتبعه … ويقيم الليل ويقعدهويعلّم كلّ مطوّقة … شجنا في الدّوج تردّدهكم مدّ لطيفك من شرك … وتأدّب لا يتصيّدهفعساك بغمض مسعفه … ولعلّ خيالك مسعدهالحسن حلفت «بيوسفه» … و «السورة» أنك مفردهقد ودّ جمالك أو قبسا … حوراء الخلد وأمردهوتمنّت كل مقطّعة … يدها لو تبعث تشهدهجحدت عيناك زكىّ دمى … أكذلك خدّك يجحدهقد عزّ شهودى إذ رمتا … فأشرت لخدك أشهدهوهممت بجيدك أشركه … فأبى واستكبر أصيدهوهززت قوامك أعطفه … فنبا وتمنّع أملده «٢»
سبب لرضاك أمهّده … ما بال الخصر يعقّدهبينى في الحب وبينك ما … لا يقدر واش يفسدهما بال العاذل يفتح لى … باب السّلوان وأوصدهويقول: تكاد تجنّ به … فأقول: وأو شك أعبدهمولاى وروحى في يده … قد ضيّعها، سلمت يده!ناقوس القلب يدقّ له … وحنايا الأضلع معبدهحسّادى فيه أعذرهم … وأحقّ بعذرى حسّدهقسما بثنايا لؤلؤها … قسم الياقوت منضّدهورضاب يوعد كوثره … مقتول العشق ومشهدهوبخال كاد يحجّ له … لو كان يقبّل أسودهوقوام يروى الغصن له … نسبا والرمح يفنّدهوبخصر أو هن من جلدى … وعوادى الهجر تبدّدهما خنت هواك ولا خطرت … سلوى بالقلب تبرّدهوإنما ذكرت حياة أبى الحسن الحصرى، وشيئا من أخباره، لأنى رأيت أكثر الناس يحسبونه صاحب زهر الآداب، ولأنى أحب دائما أن أقدم للقارىء ما يمتع عقله ووجدانه من المعارف الأدبية، لأيّة مناسبة؛ ولأن أبا الحسن الحصرى ابن خالة أبى إسحاق الحصرى صاحب زهر الآداب، وفي هذه القرابة ما يدعو للتنويه به في هذا المقام، والظّفر للقارىء على أىّ حال «١» .
أبو إسحاق الحصرىأما أبو إسحاق الحصرى فهو إبراهيم بن على بن تميم، المتوفّى سنة ٤٥٣ هجرية وقد عنى به كثير من كتّاب التراجم: فتكلم عنه ابن رشيق في الأنموذج، وابن بسّام في الذخيرة، والرشيد بن الزبير في الجنان، وابن خلكان في وفيات الأعيان.وقد كان شباب القيروان- فيما قالوا- يجتمعون عنده، ويأخذون عنه، وكان لديهم من المكرمين.شعره ونثرهأورد ابن رشيق من شعره هذين البيتين:إنى أحبّك حبّا ليس يبلغه … فهم، ولا ينتهى وصف إلى صفتهأقصى نهاية علمى فيه معرفتى … بالعجز منّى عن إدراك معرفتهوأورد له ابن بسّام هذين البيتين:أورد قلبى الردى … لام عذار بداأسود كالكفر فى … أبيض مثل الهدىواختار له ياقوت هذه المقطوعة:يا هل بكيت كما بكت … ورق الحمائم في الغصونهتفت سحيرا، والربى … للقطر رافعة الجفونفكانها صاغت على … شجوى شجى تلك اللحوندكّرتنى عهدا مضى … للأنس منقطع القرينفتصرمت أيامها … وكأنها رجع الجفون
واختار له أيضا:كتمت هواك حتى عيل صبرى … وأدنتنى مكاتمتى لرمسىولم أقدر على إخفاء حال … يحول بها الأسى دون التأسىوحبك مالك لحظى ولفظى … وإظهارى وإضمارى وحسىفإن أنطق ففيك جميع نطقى … وان أسكت ففيك حديث نفسىولو نقلت إلينا من شعره طائفة صالحة لاستطعنا أن نعيّن منزلته بين الشعراء.أما نثره فمستملح، ويغلب فيه السّجع المقبول، الخالص من شوائب الصنعة والتكلف، والسجع في الأصل حلية وزينة، وإنما يعاب عند الغلوّ والإغراق.وإليكم أنموذجا مما جاء من نثره في مقدمة كتابه، قال:«ولم أذهب في هذا الاختيار، إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صعصعة ابن صوحان، وخالد بن صفوان، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه (يريد الفقر الصغيرة) أجمل لفظا، وأسهل حفظا، وهو كتاب يتصرف فيه الناظر من نثره، إلى شعره، ومطبوعه، إلى مصنوعه، ومحاورته، إلى مفاخرته، ومناقلته، إلى مساجلته، وخطابه المبهت، إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة، إلى اختراعاته العريبة، وأوصافه الباهرة، إلى أمثاله السائرة، وجده المعجب، إلى هزله المطرب، وجزله الرائع، إلى رقيقه البارع» .وهذا كما ترى سجع يجمع بين دقّة الصّنع، ورقّة الطبع، فهو في دقته مطبوع، لا مصنوع.طريقته في التأليفالأدب لا موضوع له، كما يقول أستاذنا الجليل الشيخ سيد المرصفى، وكذلك كان يفهمه أبو إسحاق الحصرى، فهو لا يحفل بترتيب المسائل، ولا بتبويب الموضوعات. وإنما يتصرف من الجد إلى الهزل، ومن الأوصاف
إلى التشبيهات، ومن الشعر إلى النثر، ومن المطبوع إلى المصنوع، وهذه الطريقة من أهم الطّرق في التأليف، وإن عابها من لا يفرق بين الموضوعات العلمية، والموضوعات الأدبية.ذكروا أنه ترك كتابا اسمه «المصون في سر الهوى المكنون» فى مجلد واحد، فيه ملح وآداب، أما كتابه الخالد فهو «زهر الآداب، وثمر الألباب» وإنه ليسجع حتى في تسمية كتبه، وكذلك كان يفعل في عهده المؤلفون.التعريف بزهر الآدابكان المتقدمون لا يصفون زهر الآداب إلا بأنه «جمع كلّ غريبة» وهو وصف صادق، وإنى ذاكز هنا بعض صفات هذا الكتاب، وعلى الأخص الصفات التى تعين منهج مؤلّفه، وتميز اتجاه بعض الأفكار في العصر الذى عاش فيه.وإنا لنجده:أولا: يهتم ببراعة المطلع، وحسن الختام، فيبدأ كتابه بهذه الجملة:«الحمد لله الذى اختص الإنسان بفضيلة البيان، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، المرسل بالنور المبين، والكتاب المستبين، الذى تحدّى الخلق أن يأتوا بمثله، فعجزوا عنه، وأقروا بفضله، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا» ويختمه بهذه العبارة:«وقال ابن الأعرابى: أمدح بيت قاله المحدثون قول أبى نواس:أخذت بحبل من حبال محمّد … أمنت به من طارق الحدثان «١» » .ثانيا: يعنى عناية خاصة بالكلام عن الصحابة والتابعين، فينقل أخبارهم، ويدوّن آثارهم، وكانت هذه فيما يظهر عادة إسلامية، فى ذلك الحين.
ثالثا: يجعل الكلام في المصيبة بأبناء النبوة بابا من أبواب الأدب؛ فينقل هذه التعابير:قد نعي سليل من سلالة النبوة، وفرع من شجرة الرسالة، وعضو من أعضاء الرسول، وجزء من أجزاء الوصىّ والبتول.تجدّد في بيت الرسالة رزء جدد المصائب، واستعاد النوائب.إنها لمصيبة تحيّفت جانب الوحى المنزل، وذكّرت بموت النبى المرسل.إلخ إلخ:ويتصل بهذا عنايته بأوصاف الأشراف، كنقله هذه العبارات:«استقى عرقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته من ثدى الرسالة، وتهدّلت أغصانه عن نبعة الإمامة، وتبحبحت أطرافه في عرصة الشرف والسيادة، وتفقّأت بيضته من سلالة الطهارة، قد جذب القرآن بضبعه، وشقّ الوحى عن بصره وسمعه» إلخ.وهذا الاتجاه يدل على وجهة سياسية خاصة، فصّلتها بعض التفصيل في كتاب «الأخلاق عند الغزالى» وإلّا فإن النبى يقول: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» بل الله يقول: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ.رابعا: يبدىء الحصرى ويعيد في الكلام عن البلاغة والبلغاء، والشعر والشعراء، والإنشاء والمنشئين، وكذلك كان أهل عصره يهتمون بدر النثر والشعر، ونحن مدينون لهم بما يتصل بهذا الباب من المعارف الأدبية.خامسا: يذكر كثيرا من الآداب الاجتماعية التي كان يحمدها الناس لعهده، فيذكر ما يجمل في معاملة الملوك، ويتحدث عن فضل الليل، والحرص على الأدب، وواجب النّسّاخ، وما إلى ذلك مما يتصل بما على المرء من الواجبات، وما له من الحقوق.
إغفال المجونوقد جرى أبو إسحاق الخصرى في زهر الآداب على إغفال المجون، فنحده يقول عن راشد بن أرشد:«وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره، وصنت الكتاب عن ذكره» .وقد صرحت بإنكار هذا المهج فى «مدامع العشاق» وبينت هناك أن حرص الحصرى على الأخلاق ضيّع علينا ما أعرض عنه من الآثار الأدبية، وكنا في حاجة إلى أن نعرف كل ما ترك الأولون! وأحب أن يعلم القارىء أن المجون لون من ألوان الغذاء التي تحيا بها العقول، فكما أن الأجسام تحتاج في تغذيتها إلى المواد المختلفة، والعناصر المتنوعة: من الملح، والحلو، والمرّ، كذلك العقول تحتاج في تغذيتها إلى المعارف المتباينة:من جدّ القول وهزله، وحلوه ومرّه، ولكنّ أكثر الناس لا يفقهون! على أن الحصرى لم يخل كتابه من المجون، بل ومن فاحش المجون، وللقارىء أن يتتبع ما وقع من ذلك في ألفاف الكتاب ليرى كيف غلب لمؤلف على أمره، فأباح ما لا يباح!
تهذيب كتب المتقدمينيهتم كثير من علماء العصر بتهذيب كتب المتقدمين، وهذا التهذيب ينحصر في حذف المجون وضم بعض الموضوعات إلى بعض، وأنا أنكر هذا الأسلوب، والعهد قريب بما كتبه أستاذنا الدكتور طه حسين في نقد مهذّب الأغانى الذى أظهره الأستاذ الكبير محمد بك الخضرى منذ أسابيع، ويرجّح أن يترك المعاصرون هذه الطريقة المنكرة، بعد تلك الحملة التي أصماهم بها صاحب حديث الأربعاء.