النظرات (المنفلوطي) القسم: الأدب الكتاب: النظرات المؤلف: مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المَنْفَلُوطي (ت ١٣٤٣هـ) الناشر: دار الآفاق الجديدة الطبعة: الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ- ١٩٨٢معدد الأجزاء: ٣[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المجلد الأولمقدمة…ذلك بذوقه غير مستعين بمعلم ولا مرشد، وقد ذكر ذلك عن نفسه في مقدمة كتابه النظرات حين سئل كيف يكتب رسائله، فزعم أنه ما استطاع أن يكتب تلك الرسائل التي يعلمونها بهذا الأسلوب الذي يزعمون أنهم يعرفون له الفضل فيه، إلا لأنه استطاع أن يتفلت من قيود التمثل والاحتذاء. ولأنه عمد إلى كتب الأدب فأكثر القراءة فيها، وأحب الأدب حبا جما ملأ ما بين جوانحه، فلم تكن ساعة من الساعات أحب إليه ولا آثر عنده من ساعة يخلو فيها بنفسه، ويمسك عليه بابه، ثم يسلم نفسه إلى كتابه، فيخيل إليه كأنه قد انتقل من هذا العالم الذي هو فيه إلى عالم آخر من عوالم التاريخ الغابر، فيشاهد بعينيه تلك العصور الجميلة عصور العربية الأولى، ويرى العرب في عصور بداوتهم وحضارتهم وألوان حياتهم. وزعم في تلك المقدمة أنه كان لا يحول بينه وبين تلك السعادة التي كان يلقاها في مطالعة هذه الكتب إلا بعض شيوخه الذين لا يرون رأيه فيها، وهم لا يعلمون أنهم حسنة من حسنات الأدب هم وجميع ما يدور به جدار
مسجدهم. وأخذ بعد ذلك يفند أثر الأدب في العلوم اللغوية والدينية وغيرها بحيث استنفذ من النظرات ما يقرب من أربعين صفحة.كان ابن ثلاث عشرة سنة حين دخل الأزهر، واتصل وهو فيه بالإمام الشيخ محمد عبده وتتلمذ عليه في سنيه الأخيرة، وتلقى عنه دروسه العلمية والدينية التي كان يلقيها الشيخ على الطلبة، وذكروا عنه أنه كان من أنجب تلاميذه، فأحبه محمد عبده وأصبح المنفلوطي من أخص أصدقائه، وكان الشيخ يجله ويعجب به كثيرا، وحين أخذ بعض علماء الأزهر يقاومون الإمام محمد عبده وطرقه في تعليم الدين، والتفسير انبرى المنفلوطي يدافع عنه وينقذهم وينقذ طرقهم، ولما توفي الشيخ الإمام حزن عليه المنفلوطي حزنا عظيما ورثاه وانقطع عن الأزهر دون أن يحصل على شهادة العالمية منه، وعاد إلى بلده منفلوط فعاش فيها بضع سنين مشتغلا بأعماله الخاصة.ثم بدأ في سنة ١٩٠٧ بمراسلة جريدة المؤيد برسائله التي كان ينشرها أسبوعيا تحت عنوان
الأسبوعيات ثم تحت عنوان النظرات، فكانت هذه الرسائل مبدأ شهرته؛ وذلك لجودة إنشائها وبلاغة أسلوبها، واستمر ينشرها نحو عامين.ومع أن الصحافة هي التي فتحت له أبواب الشهرة، وعرفت القراء بأسلوبه الشيق وأدبه الرفيع، فإنه لم يكن راضيا عنها ولا عن أصحابها. وقد ترك عمله فيها كما سنرى.وقبل أن يطبع الجزء الثاني من نظراته ورد إليه كتاب من أديب يعمل في دائرة من دوائر الحكومة، ويتناول معاشا لا بأس به، ويذكر له صاحبنا في هذا الكتاب عن نفسه أن رفاقه يقدرون أدبه، وقد أشاروا عليه أن يستقيل ويشتغل بالصحافة، وهو يلتمس منه أن يشير عليه بما يرى. فكان في جوابه إليه ما يدل على نقمته الشديدة على الصحافة -قال: "أيها الرجل لا تفعل! فإنك إن فعلت خسرت ماضيك من حيث لا ينفعك مستقبلك، فاحذر أن يخدعك عنك خادع واربأ بنفسك أن تكون من الجاهلين". وحمل في رسالته إليه التي نشرها في النظرات حملة شديدة
على أرباب الصحف. وأبدى شفقته وعطفه على أولئك المحررين الذي يكتبون في إدراة الجرائد وتنقضي حياتهم في ذل وضرع ونفاق ورياء إرضاء لمديري الصحف وأصحابها، وعاد باللائمة أخيرا على الأمة التي استهانت بالأدباء، ورمتهم مقيدين بين أيدي أصحاب الصحف السياسيين.وفي سنة ١٩٠٩ اختارته وزارة المعارف العمومية لوظيفة "محرر عربي" وكان ذلك في عهد وزارة الزعيم الوطني الكبير سعد زغلول باشا، وكان سعد من أصدقائه والمعجبين به. ثم انتقل بعد ذلك إلى "وزارة الحقانية"وبعدها إلى الجمعية التشريعية، ثم إلى قلم "السكرتارية" في الديوان الملكي.وكان في جميع أدوار حياته مثال الجرأة والإخلاص في العمل والصدق والأمانة والخلق العظيم.وعين أخيرا في إحدى وظائف البرلمان المصري وظل فيها إلى أن استأثر الله به.ويجب أن نذكر أنه في أول أدوار حياته حين كان يكتب في الصحافة تصدى لنقد بعض رجال السياسة
"وكان مذهبه السياسي سعديا ولازم هذا المذهب في جميع أدوار حياته، ولما نفي سعد باشا كتب عدة مقالات دافع فيها عنه وحلل فيها بطولته وعظمته.وقد ضمت هذه المقالات إلى الجزء الثالث من كتاب النظرات"١.ومن مواقفه السياسية المشهورة أنه نقم مرة على الخديوي عباس، فنظم قصيدته الشهيرة التي مطلعها:قدوم ولكن لا أقول سعيد … وملك وإن طال المدى سيبيدونشرها في جريدة الصاعقة فحجزت نسخ الجريدة، وصورت وحبس واضطهد. وزاد ذلك في شهرته ومقامه. وزعم سليم سركيس أنه تعاظم شوق الناس للاطلاع عليها، ولم يكن سبيل إلى إعادة نشرها فعمد سركيس نفسه إلى الحيلة، وسأل الشيخ عثمان الموصلي أن يشطرها تشطيرا في جريدة المشير جاعلا الأصل بين قوسين وقال: فأدركت غايتي ونجوت من نقمة الحكومة. هذا في الوقت الذي كان شوقي فيه شاعر١ محي الدين رضا في: كلمات المنفلوطي ص١٣٨.
الخديوي يزوره في قصره ويجالسه في حديقة القصر حيث كان للخديوي رغبة فيما يروون في العمل في الحديقة، وكانت بيده مظلة ناولها لشوقي ليستظل بها من أذى الشمس، فقال شوقي.عباس مولاي أهداني مظلته … يظلل الله عباسا ويرعاهمالي وللشمس أخشى حر هاجرها … من كان في ظله فالشمس تخشاهولكنه كان مقربا للبلاط في آخر حياته في عهد الملك فؤاد حيث عمل كاتبا في قلم السكرتارية في الديوان الملكي كما ذكرنا.ولم يعش طويلا فقد وافاه أجله رحمه الله يوم الخميس في ١٢ "حزيران" "يونيه" سنة ١٩٢٤ "١٠ ذي الحجة ١٣٤٢" في اليوم نفسه الذي جرت فيه محاولة لاغتيال زعيم الوفد المرحوم سعد زغلول باشا، وجرح فشغل أكثر الناس بتلك الحادثة عن الالتفات إلى مأتمه كما يجب، ويقال أن سعد نفسه لما علم بوفاته جزع عليه جزعا شديدا وبكى. ولم يفت الشاعرين
الكبيرين في مصر شوقي وحافظ حين رثياه في حفلات المآتم التي أقيمت له أن يشيرا إلى هذا التصادف الغريب، فقال شوقي في حفلة نادي الحقوق في حديقة الأزبكية، من قصيدة من أربعين بيتا:اخترت يوم الهول يوم وداع … ونعاك في عصف الرياح الناعيهتف النعاة ضحى فأوصد دونهم … جرح الرئيس منافذ الأسماعمن مات في فزع القيامة لم يجد … قدما تشيع أو حفاوة ساعما ضر لو صبرت ركابك ساعة … كيف الوقوف إذا أهاب الداعيخل الجنائز عنك لا تحفل بها … ليس الغرور لميت بمتاعسر في لواء العبقرية وانتظم … شتى المواكب فيه والاتباعوقال حافظ:مت والناس في مصابك في "م" … شغل بجرح الرئيس حامي الحماة
شغلوا عن أديبهم بمنجيهم "م" … فلم يسمعوا نداء النعاةوافاقوا بعد النجاة فألفوا … منزل الفضل مقفر العرصاتقد بكاك الرئيس وهو جريح … ودموع الرئيس كالرحماتوانبرى الشعراء من كل الأقطار العربية ينظمون المراثي في تأبينه في العراق والشام ولبنان ومصر، بحيث زادت القصائد التي قيلت في رثائه عن الثلاثين هذا عدا الرسائل والخطب التي قيلت في حفلات التأبين المختلفة في أندية بيروت والشام ومصر وفي المجامع العلمية وغيرها.أما مؤلفاته فهي كتاب "النظرات" وهو مجموعة رسائل اختارها مما كتبه في جريدة المؤيد، وغيرها من الصحف والمجلات، ومما كتبه من الرسائل ولم ينشر، وما نظمه من المقطعات والقصائد. وهو في ثلاثة أجزاء ظهر الأول منها في طبعته الأولى سنة ١٩١٠ وفي مقدمته ترجمة لحياته بقلم حافظ عوض استعنا بها
بأمري وقليلا ما كنت أجدها، وكثيرا ما كانوا يهجمون مني على ما لا يحبون، فإذا عثروا في حقيبتي أو تحت وسادتي أو بين لفائف ثوبي على ديوان شعر أو كتاب أدب خيل إليهم أنهم قد ظفروا بالدينار في حقيبة السارق، أو الزجاجة في جيب الغلام، أو العشيق في خدر الفتاة، فأجد من البلاء بهم، والغصص بمكانهم، ما لا يحتمل مثله مثلي، وهم لا يعلمون أحسن الله إليهم أنهم وجميع من يدور به جدار مسجدهم حسنة من حسنات الأدب الذي ينقمون منه ما ينقمون، ويد من أياديه البيضاء على هذا المجتمع البشري، فلولا الأدب ما استطاع أئمتهم المجتهدون فهم آيات الكتاب المنزل، ولا استنباط تلك الأحكام التي دونوها لهم وتركوها بين أيديهم يستغلونها كما يستغل المالك ضيعته، ويعيشون في ظلها عيش السعداء المترفين، ولولاه ما استطاع علماؤهم اللغويون أن يورّثوهم هذه العلوم اللغوية التي يدرسون اليوم نحوها وتصريفها وبيانها ومعانيها في مجالس علمهم، ويدلون بمكانهم منها على الناس جميعا، كما لا يعلمون أن الأدب هو خير ما يستعين به متعلم على علم، وأن الذوق الأدبي الذي يستفيده المتأدب من دراسة الأدب ومزاولته هو الميزان الذي يزن به ما يحاول فهمه من عبارات العلوم وأساليبها، والدليل الذي يتسمّته
ويترسم مواقع أقدامه في فهم أصول الدين؛ ليكون مجتهدا أن استطاع أو واقفا على منازع المجتهدين، واللسان الذي يستعين به على الإفضاء بأدق أغراضه وأعمقها وأقصاها مكانا من قلبه ليكون إنسانا ناطقا، ومعلما نافعا، ولو أن هؤلاء الزارين على الأدب من علماء الدين وشيوخه وهم اليوم والحمد لله قليل بل هم في طريق الفناء والانقراض قد تعلقوا منه بما كان يتعلق به أسلافهم وأئمتهم من قبل لنالوا به في دينهم خيرا كثيرا، ولا ستدفعوا به عن أنفسهم في أمره شرًّا عظيمًا، فما زال الدين واضح المنهج قائم الحجة، وما زالت آيات الكتاب ومتون الأحاديث سائغة هنيئة لا يلحقها الريب ولا يحيط بها الشك، ولا تطير بجنباتها الأوهام والظنون حتى جهل علماء الدين الأدب ففسدت أذواقهم، وضلت أفهامهم، فكثر بينهم التأويل والتخريج، ووهت تلك العقدة الوثيقة بين الألفاظ والمعاني، واسترخت عراها من أيديهم، فأصبح كل لفظ في نظرهم محتملا لكل معنى حتى ما يأبى أحدهما على الأخر شيئا، وتهافت ذلك الحاجز الحصين الذي كان قائما بين الحقيقة والمجاز، والحقيقة والخيال، فبغى بعض الكلم على بعض وعاث كل منهما في تربة صاحبه إقبالا وإدبارا، وجيئة وذهوبا، وصعودا ونزولا، فاستطاع الواغلون في الدين والناصبون له أن يدخلوا
عليه من الأحاديث المنحولة الغريبة في أساليبها عن منهاج العرب ومناحيهم مالا يضبطه الحساب كثرة، فهلكت الأمة بين هذا وذاك هلكا لا تزال تتجرع كأسه المريرة حتى اليوم.فالحمد لله أولا، وللأدب ثانيا على نجاتي منهم فيما كانوا يرومون بي، ويحاولون مني، بل أحمد الله إليهم كذلك فقد كفيت بهم وبسوء رأيهم في الأدب ونقمتهم عليه شر من يدخل بيني وبين نفسي في المفاضلة بين شاعر وشاعر، وكاتب وكاتب، أو الموازنة بين أسلوب وأسلوب، وديباجة وأخرى، فلم يكن لي عون على ذلك كله غير شعور نفسي، وخفوق قلبي خفقة السرور أو الألم إن مر بي ما أحب أو ما أكره من حسنات القول أو سيئاته من حيث لا أعرف سبيل ذلك ولا مأتاه، فكان شأني في ذلك شأن السامع الطروب الذي تطربه نغمة وتزعجه أخرى، فيطير بالأولى فرحا، وبالثانية جزعا، ولقد يكون ضعيف الإلمام بضروب الإيقاع وقواعد النغم، فكنت لا أقرأ إلا ما أفهم، ولا أفهم إلا ما أشعر أنه قد خرج من فم قائله خروج السهم من القوس، فإذا هو في كبد الرمية ولبها، فإن رأيت أن المعنى قد قام دونه ستار من التراكيب المتعاظلة، والأساليب الملتوية، علمت أن القائل إما ضعيف المادة اللغوية، فهو يعجز عن الإفضاء بما في نفسه
لأنه لا يعرف كيف يفضي به، وإما جاهل لم يستوِ له المعنى الذي يريده كل الاستواء، ولم يدر في جوانب نفسه حتى يستقر في قراره منها، فهو يتخيله تخيلا، ويجمجمه ويهذي به هذيانا فلا سبيل له إلا الإفصاح عنه، وإما داهية محتال قد علم أن المعنى الذي يجول في نفسه، ويشتمل عليه خاطره تافه مرذول، وكان لا بد له أن ينفقه١ على الناس ويزخرفه لهم ويزوره٢ في أعينهم، فهو يكسوه أسلوبا غامضا؛ ليكدهم ويجهدهم في سبيله حتى إذا ظفروا به بعد ذلك، خيل إليهم أنهم قد ظفروا بمعنى غريب، أو خاطر بديع، ووجدوا فيه عند الوصوص إليه من اللذة والمتعة ما يجد الظامئ في ضحضاح٣ الماء الكدر إذا أبعد النُّجعة في طلبه، ووصل إليه بعد الجهد والإشفاء، وإما عاجز ضعيف القوة النفسية قد علم أن ضعفاء الافهام من الناس، وهم سواد الأمة، ودهماؤها لا يرضون عن معنى من المعاني، ولا يستسنون٤ قيمته، ولا يقيمون له وزنا إلا إذا جاءهم في جلدة من الألفاظ المتكرسة المتقبضة، وأنهم إذا ورد عليهم أثمن المعاني وأغلاها،١ ينفقه بالتشديد: يجعله نافقًا أي رائجا.٢ زور الشيء: حسَّنه وزخرفه.٣ الضحضاح: الماء القليل في قعر البئر.٤ استسنى فيمته: رآها سنية رفيعة.
وأكرمها جوهرا، وأطيبها عنصرا، في ثوب من الأساليب الرقيقة الشفافة ذهب بهم الوهم إلى أنه ما جاءهم على هذه الصورة إلا لأنه ساقط مبتذل، أو سوقي مطروق، فاحتقره وازدروه، وكان يرى لضعف حيلته وسقوط همته أن لا بد له من موافاة رغبتهم، وبلوغ رضاهم، والنزول على حكمهم، فتجمل لهم باللكنة والعي، وتملقهم بالغموض والإبهام، وإما أعجمي يظن أن اللغة العربية حروف وكلمات، وهو لا يعرف منها غيرهما، فينطق بشيء هو أشبه الأشياء بما يترجمه بعض المترجمين من اللغات الأعجمية ترجمة حرفية، فإن نعيت عليه غرابة أسلوبه واستعجامه والتواءه على الفهم كان مبلغ ما ينضح به عن نفسه أن المعاني العصرية والخيالات الحديثة لا يستطاع إلباسها إلا كيسة البدوية، والأردية العربية، كإنما هو يظن أن المعاني والخواطر خطط وأقسام، وبقاع وضياع، هذا للشرق وهذا للغرب، وهذا للعرب وهذا للعجم، أما الحقيقة التي لا ريب فيها فهي أن الرجل لا ينتزع تلك المعاني من قرارة نفسه، ولا يصور فيها صورة عقله، وإنما هو مترجم قد عثر بتلك المعاني في اللغة الأعجمية التي يعرفها لاصقة بأثوابها الأصلية، فلما أراد أن يفضي بها إلى العرب، وكان غير مضطلع بلغتهم، ولا متمكن من أساليبهم عجز عن أن ينزع عنها
أثوابها اللاصقة بها، فنقلها إليهم كما هي إلا ما كان من تبديل حرف بحرف أو كلمة بأخرى من حيث يظن أنه يهتف بشيء قام في نفسه أو يفضي بخاطر من خواطر قلبه، وإما شحيح يأبى له لؤم نفسه، وخبث فطرته أن يمنح الناس منحته سائغة هنيئة دون أن يكدرها عليهم بالمظل والتسويف والممانعة والمحاولة. والشح خلق إذا نزل منزله من نفس صاحبه أقام من نفسه حارسا يقظا على كل حاسة من حواسه الباطنة، والظاهرة حتى لا يجد فيه واجد مصطنعا، ولا يظفر منه معتصر ببلة، فيضن بعلمه، كما يضن بماله، ويقبض لسانه عن النطق، كما يقبض يده عن الإنفاق، ويصرد١ عطاءه تصريدًا ليستديم به حاجة الناس إليه، كما يجيع كلبه ليتبعه، ولعنه الله والملائكة والناس أجمعين، على العجزة والجاهلين، والمحتالين والكاذبين، والأشحاء والباخلين.وكان أشعر الشعراء عندي، وأكتب الكتاب سواء في ذلك المتقدم والمتأخر والنابه والخامل أوصفهم لحالات نفسه أو أثر مشاهد الكون فيها، وأقدرهم على تمثيل ذلك، وتصويره للناس تصويرا صحيحا كأنما هو يعرضه على أنظارهم عرضا، أو يضعه في أيديهم وضعا، فإن ظننت أن القائل كاذب فيما يقول، أو١ صرد العطاء أعطاه قليلا قليلا.